سحر البيان في القرآن - (لا تلهكم)

سحر البيان في القرآن

د. محمود شمس

حلقة 22/06/2012م

 

هانحن نلتقي لنبيّن أن الحق تبارك وتعالى عندما يريد معالجة قضية في نفس الإنسان وفي النفس البشرية فإنه يستعمل الأسلوب الذي يوصل إلى المراد من ذلك. ومن ذلك ما سأحصره في بعض النقاط وهي موضوعات كثيرة تحتاج إلى وقت أطول لكن سأحاول أن آخذ ما يلامس حياتنا اليومية.

عندما ينهى الله المؤمن عن الالتهاء عن طاعة الله وعن ذِكْر الله على العموم بالمال والولد أو ينهاه عن الافتتان بالشيطان وبوساوس الشيطان أو عندما ينهاه أن يغتر بتلك الدنيا. تدبر معي: لا ينسب الله الالتهاء للمؤمن (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ (9) المنافقون) أموالكم فاعِل، الله تبارك وتعالى يشير إلى أنك لا ينبغي أن تلهيك أموالك ولا أولادك عن ذِكْر الله. إذا كان الله ينهى المؤمن أما كان من الأولى أن يقال: يا أيها الذين آمنوا لا تلتهوا بأموالكم؟ نعم، هناك فرق بين لا تلتهوا بأموالكم وبين (لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ). (لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ) إشارة أن المؤمن في الأصل لا يلهيه شيء عن ذكر الله، المؤمن في أصله لا يلتهي عن ذكر لكن هناك بعض ما قد يأخذكم عن ذكر الله وهما: المال والولد ليحذّرك الله تبارك وتعالى من أن تلتهي بمالك وبولدك عن ذكر الله تبارك وتعالى لكن الأصل أنك لا تلتهي. الأصل أن المؤمن لسانه وقلبه وجوارحه وكله لا يفتر عن ذكر الله تبارك وتعالى. ولذلك تدبر (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ) وتدبر يقدم الله المال على الولد هاهنا هل الإنسان يلتهي بولده أكثر أم يلتهي بماله؟ وهل حبّه للمال أكثر من حبّه للولد؟ أبداً، الإنسان بفطرته حبه لولده أكثر من حبه لماله بدليل لو طُلِب منه أن يقدّم أمواله كلها فديةً لولده يقدمها، لو أن الولد يحتاج إلى جراحة مثلاً - شفانا الله وعافانا وإياكم - وطلب منك أن تقدم كل ما تملك ستقدم، هذا دليل أن الفطرة أن حب الولد أهم من حب المال. لكن الله تبارك وتعالى يلفت نظرك إلى أنك في الأصل تلتهي بمالك أكثر مما تلتهي بالولد وهذا ما ينبغي أن تعالج نفسك منه. إذن في الآية دروس لا بد أن نتعلمها، لا بد أن تعلم أن إيمانك يمنعك عن الالتهاء بالمال وبالولد.

أيضا عندما ينادي الله بني آدم (يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ (27) الأعراف) يسند الافتتان إلى اشيطان إشارة أن الأصل في بني آدم أنهم لا يفتتنوا بالشيطان لأن الله ذكر حوار ابليس اللعين مع ربه وذكر أنه امتنع عن السجود لآدم وذكر ما صنعه مع آدم وأنه عدو مبين فينبغي أن لا تفتتن به، لكن للشيطان وسائل قد يأخذك، قد يوسوس لك مع أن الشيطان لا يملك إلا أن يوسوس أو يزيّن إلا أن الإنسان بطبيعته سرعان ما يجري وراء الشيطان ولذلك مع أن الشيطان لا يملك إلا أن يوسوس إلا أن الله سمّى وسوسة الشيطان "أمر" فقال الله تعالى (وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ (21) النور) هل الشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر؟ هو لا يأمر وإنما يوسوس، لماذا يسميه الله أمراً؟ لأنه أمر ليس باعتبار الآمِر وإنما باعتبار سرعة تنفيذ المأمور أنت عندما تسارع في التنفيذ فأنت تشبه بأنك قد أُمرت بأمر مع أنه لا يملك أن يأمرك لكن مسارعتك في الاتّباع يسميها الله أمراً. نضرب لذلك مثلاً: طفلك الصغير قد يوقظك من نومك في الثانية صباحاً لتنزل إلى الشارع لتحضر له شوكولاة، أنت تسارع في التنفيذ وبإحضار المطلوب، مسارعتك تسمى أمراً مع أن الطفل لا يملك أن يأمرك لكنط سارعت في التنفيذ وهذا هو الذي جعل الحق تبارك وتعالى يسمي هذا أمراً. إذن عند الافتتان بالشيطان أيضاً ينبغي أن تنتبه.

 

أيضاً عند الاغترار بالحياة الدنيا تدبر قول الله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) نداء للناس جميعاً (إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا (5) فاطر) يُسند الله الاغترار إلى الدنيا ولا يُسنده إلى الناس لأن الأصل "فلا تغتروا بالحياة الدنيا". الله جلّت قدرته يشير من خلال هذا إلى أن الناس في أصلهم وفي فطرتهم أنهم لا يغتروا بالدنيا لأنه يرى الواقع ويرى من سبقه أين ذهب؟ أين ذهب من قبلك؟ أين ذهب آباؤك؟ أين ذهب أجدادك؟ أين ذهب أحبابك؟ انتقلوا من تلك الدنيا فتلك حقيقة واقعية لا بد أن تدركها أنك مفارقٌ تلك الدنيا لا محالة مهما طال الزمن ولذلك الأصل في الانسان ألا يغتر. من ذلك نستنبط أن الحق تبارك وتعالى قد يغاير الأسلوب لأجل المعالجة ولأجل أن يعالجك نفسياً حتى لا تغتر بتلك الدنيا وحتى لا تفتتن بالشيطان وحتى لا تلتهي بمالك وبولدك. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل