سحر البيان في القرآن - (وبالوالدين إحسانا) - 4

سحر البيان في القرآن

د. محمود شمس

1/6/2012م

(وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) - 4

نكمل ما تكلمنا به في الحلقات السابقة عن الإحسان بالوالدين وما ذكره الله تبارك وتعالى من دقة في التعبير لإرادة معنى لا يمكن أن يؤدّى بغير الكلمات والحروف التي استعملها الله تبارك وتعالى. كنت توقفت عند القرآءات الواردة في قول الله تبارك وتعالى (فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ) بالتنوين وبغير التنوين وقلت بأن أسماء الأفعال إذا نوّنت تكون نكرة ومعنى النكرة أنها تفيد الشيوع والعموم فقلت بأن قرآءة التنوين هاهنا تدل على أنك لا ينبغي أن تتضجر أمام والديك لا بسببهما ولا بسبب غيرهما وعندما ننظر إلى الواقع نجد أن هذا قد يكون في الواقع لأنك قد تأتي من الخارج وأنت في زعل وأنت في غمّ وهمّ فتأتي وتتأفف وتتضجر أمام الوالدين فإذا ما كلمناك تقول والله أنا لم أتضجر منهما، أبداً ما ينبغي، لا بد أن تقابلهما بابتسامة، لا بد أن تبتسم في وجههما ولا بد أن تزيل وأن تبعد عنهما الغمّ والهمّ وتلك قرآءة التنوين.

أما قرآءة غير التنوين فتكون الكلمة معرفة ومعنى المعرفة فيها خصوص يعني (فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفِّ) أو أفَّ يعني لا تتضجر بسببهما لا تتضجر منهما فلا ينبغي أن تتضجر منهما ولا من غيرهما.

(وَلاَ تَنْهَرْهُمَا) ما النهر؟ النهر هو الزجر، لا تزجرهما، لا ترفع صوتك عليهما، لا تحاول أن تحرجهما. ننقل هذا إلى أرض الواقع، قد يتكلم الوالد في حوار أمامك وأنت تراه يقول كلاماً غير الحقيقة يقول مثلاً نحن اليوم ذبحنا ذبيحة وصنعنا كذا أو أن الأم قد تتكلم بكلام غير الحقيقة أمام ابنتها فلا ينبغي أن تُحرجهما هل يليق بك أن تقول لوالدك: اسكت هذا الكلام لم يحدث؟! أنت تكذب، أنت كذاب، أو أنتِ تقولين لأمك هكذا؟ ما ينبغي، لكن نستطيع أن ننقذهما من هذا.

الخطوة الأولى في الانقاذ أن أحاول تغيير مجرى الكلام أحاول أن أغير الكلام إلى أمر آخر حتى لا يتمادى الوالد وحتى لا تتمادى الأم فإذا استطعت أن أغير مجرى الكلام بأن أسأل الضيف عن ابنه أسأل الضيف عن ابنته أين هي؟ إذا كنت بنتاً، أين ابنتك؟ فيم تدرس؟ وما تخصصها؟ أن أُشغِل الحوار بكلام غير الكلام الذي يُتكلم فيه. فإذا ما استطعت أترك المجلس ثم بعد ذلك أحاول أن ألفت نظر أمي باسلوب جميل وألفت نظر والدي بأسلوب جميل وأتكلم معهما وكأني أحكي عن غيرهما لا ينبغي أن أواجه الوالدين بأنك تكذب، لا ينبغي، ولكن أقول: يا والدي هناك من الناس من يحكي كلاماً غير الحقيقة أحياناً وهذا قد يعده الله كذاباً لكن الانسان يستطيع أن يتكلم كلاماً على العموم بمعنى أنني ينبغي أن أبدأ الحوار مع الوالدين بالثناء عليهما أولاً ثم بعد ذلك ألفت نظرهما بالأسلوب الجميل وهذا هو معنى (وَلاَ تَنْهَرْهُمَا).

 

(وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا) تلك الجملة تعطينا دلالة، بعض الناس ربما يقول أنا أعصابي دائماً في تعب وأنا دائماً أكون زعلان فبدلاً من أن أتعامل مع الوالدين وأغضبهما سأتجنبهما، الله يقول لك لا، لا بد أن تتعامل معهما ولا بد أن تقول لهما قولاً كريماً. الله تبارك وتعالى يعلّمك الأسلوب الحسن الجميل في جميع تعاملاتك حتى مع غير المسلم لكن لا بد أن يكون هناك فرق، فعندما تتعامل مع غير المسلم قال الله تعالى (وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً (83) البقرة) قولوا للناس جميعاً "حسناً" هاهنا مصدر صفة لموصوف محذوف أي قولوا للناس قولاً ذا حسن وفيها قرآءة أخرى (حَسنا) أي قولاً حسناً والناس هاهنا عموم إذن أنت مطالب بأن تقول للناس قولاً حسناً كلمة جميلة طيبة توصل بها رسالتك. ألم يأمر الله تبارك وتعالى موسى وهارون أن يقولا لفرعون قولاً ليناً لعلًه يتذكر أو يخشى؟ لكن ليس القول الليّن معناه أنك توافقه على باطله، لا، ولا أن توافقه على ما فيه من ضلال، أبداً، أنا أوصل له أنك في ضلال لكن بالأسلوب الجميل. تدبر قول الله تعالى في حوار موسى وهارون بعد ذلك مع فرعون قال الله تعال على لسانهما (إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى (48) طه) تدبر معي لم يقولا يا فرعون أنت ستعذَّب لأنك مكذب وأنك مُعرض عن الايمان وأنك تصدّ الناس عن الايمان، لا، (إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى) فإذا كنت ممن كذب وتولى فالعذاب لك. إذن وأنت تبلغ الرسالة وأنت توصل رسالتك لكن بالأسلوب الجميل. عند التعامل مع عباد الله المؤمنين (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (53) الإسراء) هناك "حسنا" وهنا "أحسن" لا بد أن يكون الكلام مع أخيك المؤمن تتخير الأحسن وليس الحسن فقط ثم مع الوالدين تدبر ما قال الله حسناً ولا قال أحسن وإنما قال (وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا) تأمل القول الكريم ماذا يكون؟ وماذا يؤدي من معنى؟ ثم بيّن لك هذه المعاني كلها في الترجمة العملية (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)). أسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقني وإياكم البر بالوالدين وأن يجعلنا ممن أحسنوا البر بالوالدين حتى يجزيهم الله تبارك وتعالى أحسن ما عملوا كما ذكر الله في كتابه.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل