سحر البيان في القرآن - (وبالوالدين إحسانا) - 3

سحر البيان في القرآن

د. محمود شمس

26/5/2012م

(وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) - 3

نلتقي مع تناوب الحروف والردّ على من يزعم بتناوبها مؤكدين أن كل حرف استعمله الله في موضع للدلالة على معنى لا يمكن أن يؤدّى بغيره. تكلمت في الحلقات السابقة عن قول الله تعالى (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) وفصّلت القول في قوله جلّت قدرته (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا) وكنت قد توقفت عند معنى الكِبَر، هل الكِبَر يبدأ من سنّ معين؟ أو من سن محدد؟ أبداً وإنما الكِبر يبدأ عندما يشعر الوالد أو الوالدة بالضعف وبالعجز أمام الأبناء. قد يكون الوالد غير متعلم وقد تكون الأم لا تحسن الحوار والحديث وقد يكون الوالد لا يحسن الكلام ويكون الولد في سن حتى لو كان في العاشرة أو أكثر أو أقل قد يكون ممن يحسن الكلام وقد يكون الوالد في الثلاثين من عمره لكنه لا يحسن الكلام مثل الولد فيشعر بالحرج وبالضعف وبالعجز أمام ابنه. وكذلك الأم قد تكون في العشرينات من عمرها لكنها لا تحسن الحوار مثل ابنتها ولا تحسن صنعة معينة مثل ابنتها ولا تحسن القرآءة مثل ابنتها ولا تحسن تلاوة الفاتحة مثلاً أو تلاوة قصار السور مثل ابنتها، هي تحسن لتصلي لكنها قد لا تصل لدرجة قرآءة ابنتها، في هذا الأمر ينبغي على الأبناء أن يراعوا مشاعر الآباء ومشاعر الأمهات فلا ينبغي أن تحرج والدك ولا ينبغي أن تحرجي أمك وإنما ينبغي أن نراعي مشاعر الجميع. ولذلك قال الله تعالى (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ) ولم يذكر للكِبَر سناً معيناً وإنما الكبر كما بينت ولذلك قد يختلف الكبر من والد لآخر ومن أم لأخرى بحسب المقام.

لماذا قال (أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا)؟ أما كان يكفي وخاصة عندنا قرآءة متواترة صحيحة (إما يبلغانّ عندك الكبر) فكان يكفي ألِفُ التثنية لكن الحق تبارك وتعالى يفصّل لبيان مكانة الوالدين فلو قال "إما يبلغنّ عندك الكبر كلاهما" ربما يفهم البعض أن الإحسان بالوالدين بالضرورة أن يكونا كلاهما موجودين وهذا ليس بمقصود. ولو قال "أحدهما" ربما يظن أن الإحسان بواحد غير الآخر يكفي، أبداً، سواء أكان أحدهما موجوداً على قيد الحياة أو كلاهما.

بعد ذلك أول مراعاة للمشاعر قال (فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ) أُفٍّ لماذا؟ أهل اللغة يقولون أن كلمة "أُفّ" اسم فعل مضارع بمعنى أتضجر. يعني لا تضجر فلا تشعر تضجرك أمام الوالدين. وتلك الكلمة كما قيل لو كان هناك كلمة أخرى تدل على أدنى تضجر لاستعملها الله تبارك وتعالى. تلك الكلمة في أصل معناها دلالات وفي لفظها دلالات وفي القرآءات الواردة فيها دلالات:

أولاً في أصل معناها: قيل أن أصل معناها أن الإنسان إذا وقع على ملابسه بعض الغبار فإنه ينفخ فيه "أُفّ، أُفّ" متضجراً. مم تتضجر؟! بعض الغبار وقع على ملابسك! ولذلك هذا أدنى تضجر يتضجر منه الإنسان ولذلك في هذا الأصل إشارة إلى أنك لا ينبغي أن تتضجر ولو بأدنى تضجر.

الأصل الثاني لمعنى "أُفٍ" أن الإنسان إذا شمّ رائحة كريهة فإنه يتأفف حتى الآن في الواقع العملي عندما تشمّ رائحة كريهة فإنك تتأفف وفي هذا دلالة عظيمة هي أن الوالدين ربما يبلغان مبلغاً تصدر منهما بعض الروائح الكريهة وربما لا يستعملان العطور التي نستعملها ولا يستعملان الكريمات التي تستعملها أنت أو ربما يصل الوالد أو الوالدة إلى ظروف صحية يحتاجان لخدمة خاصة فالله تبارك وتعالى يقول لك إذا شممت منهما رائحة كريهة فلا تتأفف فلا تتضجر.

وأنقل أيضاً معنى دقيقاً في هذا الأمر وهو أنك لا ينبغي أن يظهر تضجرك على ملامح وجهك لأن ملامح الوجه تكشف والوالدان يسوؤهما تلك الملامح عندما ينظران في وجخك فيران التضجر فيه. إذن (فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ) وكلمة أفٍّ بلفظها هكذا تدل على أدنى تضجر كما قلت.

أيضاً ورد فيها قرآءات متواترة وسأتخير قراءتين اثنتين قرآءة بالتنوين (فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ) كما في قرآءة حفص وفيها قراءات أخرى بالكسر بلا تنوين وبالفتح بلا تنوين (فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفِّ) (فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفَّ) عندنا أسماء الأفعال إذا أردنا أن نجعلها نكرة ننوّنها يعني أفٍّ بالتنوين هذا التنوين يسمى تنوين التنكير يعني أن الكلمة حينئذ نكرة يعني أن الكلمة فيها شيوع. أما أُفِّ أو أُفَّ بلا تنوين فمعناها معرفة وهذا يعطينا دلالة في المعنى، لماذا؟ لأن الإنسان قد يأتي من الخارج وقد تضايق من موقف ما، تضايق من كلام مع زميل في العمل، مع السائق، مع البائع، مع البوّاب، المهم أنك متضايق من أمر ما فتأتي إلى البيت وعندما تدخل تدخل بيتك عبوس الوجه تراك الأم ويراك الأب ويرون في وجهك هذا العبوس فإن هذا يسيئهم.

تأتي قرآءة التنوين التي تعطي معنى التنكير لتقول لك (فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ) يعني لا تتضجر إطلاقاً لا بسببهما ولا بسبب غيرهما. وفي الحلقة القادمة أستكمل الأمر وأسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقني وإياكم الإخلاص في القول والفعل والعمل وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل