سحر البيان في القرآن - (وبالوالدين إحسانا) - 2

سحر البيان في القرآن

د. محمود شمس

18/5/2012م

(وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) - 2

نؤكد أن كل حرف في كتاب الله تبارك وتعالى إنما له دور في المعنى المراد لا يمكن أن يؤدّى بغيره. وقد تكلمنا في الحلقة السابقة عن قول الله تعالى (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) وكنا توقفنا عند تلك الجملة الواردة في سورة الأنعام التي غاير الله تعالى فيها الأسلوب من أسلوب نهي إلى أسلوب أمر (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) ليؤدي المعنى المراد لأن النهي لو قال الله تعالى "ولا تسيئوا إلى الوالدين" ما أفاد معنى الإحسان لأن النهي عن الإساءة لا يدلّ على معنى الإحسان بالضرورة. فإذا قلت لك لا تسئ إلى فلان ليس بالضرورة أن تحسن به ولا تحسن إليه وإنما تتجنبه حتى لا تسيء إليه. أما الأمر بالإحسان فإنه يفيد الأمر بالإحسان به ويفيد النهي عن الإساءة إليه. ثم يأتي الله تبارك وتعالى في الموضع الأخير من النصف الأول في سورة الإسراء ويفصّل الإجمال، إجمال في نصف القرآن الأول (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) ثم يفصِّل الله هذا الإجمال. ثم في النصف الثاني من القرآن الكريم ينتقل الحق جلّت قدرته من الأمر بالإحسان إلى التوصية (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (8) العنكبوت) (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) لقمان) (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا (15) الأحقاف) ثم عند التوصية يفصّل الله تبارك وتعالى مبيّناً الإحسان بالأمّ، مبيّناً مكانة الأم عند التوصية. ولذلك لا بد لنا أن نتوقف قليلاً مع هذا الأسلوب الذي أتى الله به تبارك وتعالى ليأمرك بالإحسان بالوالدين من عدة وجوه:

لم يأمر الله تبارك وتعالى الآباء بالإحسان إلى الأبناء لأن الإحسان بالأبناء فطرة بشرية في الإنسان ما يحتاج الوالدان أن يوصيهما الله تبارك وتعالى بالإحسان بالأبناء لكنه وصاهم وأوصاهم في الأولاد في شؤون الأولاد في تربية الأولاد في رعاية الأولاد في العدل بين الأولاد ولذلك جاء هذا الإيصاء في بداية آيات المواريث عندما قال الله تعالى (يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ (11) النساء) ولم يقل يوصيكم بأولادكم لأن المقصود يوصي الله الآباء في رعاية الأبناء في العدل بين الأبناء لأن الوالدين قد لا يعدلان أحياناً لسوء خُلُق من ولد أو غيره وتلك قضية أخرى، لكن أردت أن أشير أن الله أوصى الآباء في شؤون الأولاد وفي العدل بين الأولاد.

لو تدبرنا التفصيل الذي ذكره الله تبارك وتعالى في سورة الإسراء نجد أن الحق جلّت قدرته يقرن دائماً بين الأمر بعبادته وبين الإحسان بالوالدين دلالة على مكانة الإحسان بالوالدين ودلالة على أن الإحسان بالوالدين له الدلالة العظمى في عبوديتك الحقّة لله تبارك وتعالى فلن تكون لله عبداً عبودية حقيقية وترجمة عملية إلا إذا كنت محسناً بوالديك. ولذلك اقرأ قول الله تبارك وتعالى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا (23) الإسراء) وسأتوقف هاهنا قليلاً. (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ) ما لزوم العِندية هاهنا؟ أما كان الأسلوب يصح بقوله "إما يبلغن الكبر أحدهما أو كلاهما؟ نعم، لكن العندية كلمة (عندك) لها دلالة وتلك الدلالة هي أن الوالدين ينبغي أن يكونا تحت عينيك وتحت رعايتك وينبغي أن يكونا في رعايتك وأن تشملهما برعايتك ويعنايتك ولذلك لا ينبغي أن تسافر إلا بإذنهما ولا تفارقهما إلا بإذنهما وإذا كانا في حاجة لوجودك فينبغي أن تكون ملازماً لهما كما ذكرنا في الحلقة السابقة "اِذهب ففيهما فجاهِد".

أيضاً دلالة على مكانة الوالدين ما نقرأه بتدبر في قصة نبي الله يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، اِقرأ عندما التقى بأبويه (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ (100) يوسف) أريد أن أتوقف قليلاً في تلك الجملة لأن الله لا يذكر جملة في قصة إلا وفيها العِبرة وفيها العِظة لنا ولا بد أن نعتبر بها. سألني بعض الإخوة ذات مرة لماذا (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ)؟ إشارة إلى وجوب وضع الوالدين في أعلى مكانة عندك، أجلَس والديه على العرش، كرسي العرش، أجلَسهما عليه وما أراد أن يجلس هو ويجلسان هما في مكان آخر. تعالوا ننقل هذا الوضع للواقع في مجتمعاتنا في هذه الأيام، الوالدان إذا زارا الأبناء أين يجلسون وأين ينامون؟ إنهم قد ينامون في المجلس وقد تأتي لهم بفراش يعلم الله بحالها. هل جعلت والديك في أعظم مكان في بيتك يوم أن يأتيا إليك؟ ينبغي أن يكونا في أعظم مكان. بل إن البعض من الأبناء -ونسأل الله العافية -عندما يزوره والده في مكتبه قد يتحرّج أن يقول بأن هذا أبي وقد يتحرّج بأن يقابله وقد يعنّف أباه، لماذا تعنّفه؟ لمادا تحاول أن تتبرأ من والدك عندما يزورك في مكتبك مهما كنت في مكانة؟ هل مكانتك أعظم من مكانة يوسف أن ينزل من على العرش وأن يرفع أبويه؟

إذن (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ) وقت الكِبَر هذا، سِنُّ الكِبر متى؟ هل لا بد أن يبلغا سن الشيخوخة؟ يبلغا سن السبعون؟ أو الثمانون أو الستون؟ أبداً، وإنما الكِبَر له دلالة أخرى سنعلمها بحول الله وقوته في حلقتنا القادمة.

 

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل