سحر البيان في القرآن - (وبالوالدين إحسانا) - 1

سحر البيان في القرآن

د. محمود شمس

12/5/2012م

(وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)

إن كل حرف في كتاب الله تبارك وتعالى إنما أراد الله به معنى لا يمكن أن يؤدّى بغيره. ونتكلم عمن قالوا بتناوب الحروف بأن الحرف يكون بمعنى حرف آخر، فالحرف قد ينوب عن حرف آخر وقد بيّنت أن هذا القول لا ينبغي أن نطبّقه على كلام الله تبارك وتعالى لأن كلام الله له غاية وهي هداية الناس جميعاً كما بيّنت في بداية الحلقات.

ومن ذلك قول الله تبارك وتعالى (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) الإحسان قد يتعدّى بـ (إلى) أي كأنهم يرون أن المعنى: أحسِن إلى الوالدين. لكن الله تبارك وتعالى لم يستعمل الإحسان في شأن الوالدين بحرف الجرّ (إلى) أبداً وإنما استعمله بحرف الجر (الباء) "أحسِنوا إحساناً بالوالدين"، ولي وقفات مع تلك الجملة:

الوقفة الأولى:نحن نقول بأن قول الله تعالى (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) أسلوب أمر من الله تبارك وتعالى، فأين الأمر هاهنا؟ تأمّل كلمة (إحسانا) مصدرٌ مؤكِّد لفعلٍ محذوف وأن أصل الجملة: "وأحسنوا إحساناً بالوالدين". إذن الإحسان هناهنا لماذا إذن تعدّى بالباء ولماذا لم يتعدّى بـ (إلى) كما يقولون؟ الإحسان إذا تعدّى بـ (إلى) فإن (إلى) حرف يفيد انتهاء الغاية بمعنى أن الإحسان منك ما كان موجوداً منك بمن تحسن إليه ثم نقلت إحسانك إليه، فعندما أقول "أحسِن إلى جارك" أي انقل إحسانك إلى جارك. لكن الإحسان الذي يتعدّى بالباء، الباء تفيد معنى المُلابسة والمُلاصقة والمُصاحبة أي أحسنوا إحساناً ملابِساً بوالديكم مصاحِباً ملاصِقاً بمعنى أنك لا تفارقهما. ثم أيضاً هناك معنى آخر: الإحسان إذا تعدّى بـ(إلى) يختلف معناه أيضاً عما إذا تعدّى بالباء لأن الإحسان إذا تعدى بالباء وأقول لك أحسِن بفلان معناه أن إحسانك ينبغي أن يكون منصبّاً على ذاته وعلى شخصه إحساناً مباشراً لذاته ويكون تقديراً له وإكراماً له ورفعة له. أما إذا كان الإحسان متعدّياً بـ (إلى) يؤدي هذا المعنى فالإحسان بـ (إلى) لا يدلّ على مكانة من تُحسِن إليه ولا يدلّ على رفعة شأنه ولذلك تأمل قول الله تعالى عندما قال مخاطباً قارون (وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ (77) القصص) فالله أحسن إلى قارون بدليل أن قارون لم ينجح في الاختبار بدليل أن الإحسان لم يكن لمكانة قارون عند الله تبارك وتعالى ولكن الإحسان الذي ورد على لسان نبي الله يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام قال الله على لسان يوسف (وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَي (100) يوسف) أحسَنَ بي ولم يقل أحسَنَ إليّ لأن إحسان الله بيوسف كان منصبّاً على شخصه ومنصبّاً على ذاته ودليلاً على مكانته عند الله تبارك وتعالى ورفعة شأنه. إذن الله تبارك وتعالى عندما قال (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) أراد منك أن تكون محسناً إحساناً خاصاً بالوالدين إحساناً ملابساً اهما إحساناً دالاً على مكانتهما، إحساناً دالاًّ على رفعة شأنهما. ولذلك ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي ذهب ليجاهد في سبيل الله والجهاد سنام الاسلام قال له: ألك أبوان؟ قال نعم، قال صلى الله عليه وسلم: إذهب ففيهما فجاهد. إذن أراد الله تبارك وتعالى من قوله (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) أراد أن تكون محسناً إحساناً خاصاً ينبغي إذا كنت ولا بدّ محسناً أن تُحسن بوالديك أولاً.

ولذلك عندما تتدبر قول الله تعالى (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) نجد ورود تلك الكلمة في القرآن الكريم فيها دقة عجيبة فقد وردت:

في سورة البقرة على سبيل الإجمال فيما يذكره الله تبارك وتعالى عندما أخذ الميثاق على بني إسرائيل (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً (83))

ثم ذكره في موضع آخر في سورة النساء (وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا (36)) أيضاً تلك الجملة على سبيل الاجمال لم يفصّل فيها. ثم ذكر بعد ذلك في سورة الأنعام في قول الله تعالى (قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا (151)) أيضاً على سبيل الإجمال. لكن لي وقفة خاصة بهذا الموضع، لماذا؟ لأن تلك الآيات تجد الكلام فيها السياق سياق نهي (قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا) ثم أتى بأسلوب الأمر (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) ثم قال بعدها (وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ) لماذا غاير الله الأسلوب وأتى عند الأمر بالإحسان جعله أسلوب أمر ولم يقل "ولا تسيئوا إلى الوالدين" حتى يكون السياق واحداً؟ لو تدبرت لأدركت أن النهي عن الإساءة لا يفيد الأمر بالإحسان فلو قال الله تعالى ولا تسيئوا إلى الوالدين ما أعطانا معنى الإحسان. أما قوله تبارك وتعالى (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) فإنه يجمع بين الأمرين أن تُحسِن بهما وأن لا تسيء إليهما. وللموضوع بقية أكمله بحول الله وقوته في حلقتنا القادمة. 

http://www.youtube.com%2Fwatch%3Fv%3DRHOqeHbSW88%26feature%3Dshare&h=0AQGnKzkFAQH_CXdNr9LjreKPYRHmjrcywRaTfNIRs6EF_A

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل