سحر البيان في القرآن - عيناً يشرب بها

سحر البيان في القرآن

د. محمود شمس

حلقة 5/5/2012م

رابط الحلقة

كل حرف في كتاب الله له معنى في موضعه الذي أراده الله تبارك وتعالى. القائلين بتناوب الحروف الأمر الذي دعاهم إلى هذا أن الفعل قد يتعدى بحرف معين ثم يجدونه في القرآن الكريم قد تعدى بحرف آخر كما بينا في الحلقات السابقة. واليوم نبدأ في بيان بعض الأفعال التي تتعدى في موضع بحرف وفي موضع آخر بحرف آخر ومن ذلك قول الله سبحانه وتعالى (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6)) عندما نتدبر نلاحظ أن الفعل يشربون في الآية الأولى تعدى بحرف الجر (من) (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ) بينما في الاية الثانية قال الله تعالى (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا) وبالطبع الكأس آلة يُشرب بها وأما العين فهي المنبع الذي يُشرب منه مما دعا البعض إلى القول أن (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا) الباء هاهنا بمعنى (من) أي عيناً يشربون منها إذ أن العين كيف يشربون بها؟ لكن عندما تتدبر تجد أن هنا معنى دقيقاً لأن الله تبارك وتعالى يتحدث عن نعيم الأبرار في الجنة والنعيم في الجنة أكبر بكثير مما ذكره الله تعالى لكن الله يذكره بما نفهمه وبما تستطيع العقول أن تستوعبه. العذاب أيضاً لأهل العذاب إنما هو أكبر بكثير ولكن الله يذكر ما فيه الزجر بما تستوعبه العقول. فالله تبارك وتعالى يشير إلى أن الكأس التي هي الآلة التي يُشرب بها إنما ستكون منبعاً ولن تكون آلة لأنهم سيشربون من كأس. لماذا؟ الكأس في اللغة إنما هو الكوب الممتلئ بالشراب، يعني الكوب إذا كان فارغاً يسمى كوباً فإذا امتلأ يسميه الله كأساً. إذن الكأس في الأصل ممتلئ ولذلك الله قال في آية أخرى (وَكَأْسًا دِهَاقًا (34) النبأ) معنى دهاقا أي كأساً مملوءة لا تفرغ أبداً، لماذا؟ لأن الإنسان عندما يشرب كأساً من العصير أو كأساً من مشروب معين يحبه ويتلذذ به يكون كل همه أن هذا الكأس سينتهي وإذا انتهى يتألم من داخله، فالله تبارك وتعالى يشير إلى أن هذا الكأس الذي ستشربون منه لن يفرغ أبداً سيكون ممتلئاً مهما شربت فكلما رغبت في الشرب تجد الكأس ممتلئاً وتجد نفسك تشرب من غير جهد ولذلك قال الله في نفس السورة في نعيم الأبرار (وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (12) مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (13) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (14)) أي أن قطوف ثمار الجنة ستكون مذللة لك تأتيك دون أن تطلبها بمجرد أن ترد في بالك ستأتيك.

وأما في قوله تعالى (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا) جعل الله العين آلة يُشرب بها مع أن العين هي المنيع، نقول نعم أراد الله أن يشير أنك ستكون قريباً جداً من العين، ستكون ملابساً ومصاحباً لها لتجمع بين التمتع بالنظر والتمتع بالشرب فالله تبارك وتعالى يشير إلى أن الأبرار سيتمتعون برؤيتهم للماء وهو في العين وسيتمتعون بالشرب وسيكونون ملابسين لتلك العين لن تبذل جهداً ولن تحتاج إلى بذل جهد فالعين أنت تشرب بها والكأس الذي تشرب به في الأصل ستشرب منه، دليل على أنه كأس لا يفرغ أبداً. والكأس ممتلئ دائماً دليل على أنك ستكون في غاية التمتع وفي غاية التذلل بما أعده الله تبارك وتعالى لهؤلاء الأبرار.

 

إذن جعل الله تبارك وتعالى الآلة وهي الكأس كأنها هي المنبع (يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ) وجعل المنبع هي الآلة (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا) ولم يقل عيناً يشرب منها. وهذا الكلام هو الذي يؤيده السياق ويؤكده السياق في آيات أخرى أيضاً خلافاً لمن زعم أن عباد الله في الآية الثانية غير الأبرار في الآية الأولى فيرى أن الأبرار نوع من البشر ويرى أن عباد الله نوع آخر، نقول أبداً، عباد الله هاهنا هم الأبرار المذكورون في بداية السياق ولذلك هؤلاء يشربون من كأس كان مزاجها والعين يشربون بها لماذا؟ دلالة على التمتع الكامل والتلذذ برؤية العين وبالشرب من الماء عندما يريدون وأن الكأس لا يفرغ أبداً وهذا دليل على تمتع الأبرار في الجنة. أسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلني وإياكم ممن يُنادون يوم القيامة (وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (43) الأعراف).



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل