قبسات من روائع البيان - سورة المائدة - 2-

سورة المائدة -2-

(يَوْمَ يَجْمَعُ اللّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (109) المائدة) اقرأ أخي الآية بتأنّ، كيف عبّر الله عن جمع الرسل وسؤالهم بقوله (يَجْمَعُ) و (فَيَقُولُ) بصيغة المضارع وهذا بديهيّ، لأن ذلك لم يقع بعد وإنما سيكون يوم القيامة فناسبت صيغة المضارع، ثم عبّر عن سؤال الماضي بقوله (مَاذَا أُجِبْتُمْ) بصيغة الماضي، وهذا بديهيّ أيضاً، ولكن كيف عبّر عن إجابة الرسل يوم القيامة بصيغة الماضي كما في الآية (قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا) وهذا لم يقع بعد؟ إن هذا الالتفات من المضارع إلى الماضي بقوله (قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا) مع أن الجواب لم يقع ليدلّنا ربنا على تأكيد وقوعه حتى أصبح المستقبل بمنزلة الماضي في وقوعه وحدوثه .

 

يقول تعالى على لسان الكفرة (إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِىءُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ (110) المائدة) كما ترى هذه الدعوى تتكرر دائماً على لسان المعرضين المعاندين فسرعان ما يسمّون النبيّ بالساحر، ولكن هذا الوصف لسيدنا عيسى عليه السلام قد قصد به اليهود التوصل إلى قتله، لأن حكم الساحر في شريعة اليهود القتل إذ أن السحر عندهم كفر.

 

(إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ (112) المائدة) ما الغاية من ذكر اسم عيسى عليه السلام في النداء مع أنهم لو قالوا (هل يستطيع ربك) بدون ذكر اسمه لعُرِف أنه المقصود؟ ابتدأ الحواريون خطابهم لعيسى عليه السلام بندائه باسمه ليهيئوا نفسه إلى أن ما سيقولونه أمر فيه اقتراح وكلفة له وهذا شأن كل واحد منا، فإذا أردت أن تخاطب شخصاً ما تتجشم منه الكلفة بدأت طلبك بنداء ليرعي سمعه إليك .

 

وصلنا إلى قول الله تعالى على لسان الحواريين (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ) هل كان لدى الحواريين المؤمنين شك في قدرة الله تعالى ؟ هل سألوا عن استطاعة الله فقالوا (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ)؟ هذه الطريقة في العرض والدعاء، أنت تقول للمستطيع للأمر (هل تستطيع كذا؟) وكأنك تطلب النصرة إن لم يجبك إلى مطلوبك، وهذا ما فعله الحواريون عند سؤال سيدنا عيسى عليه السلام، فقد سلكوا مسلك التلطف والتأدب في السؤال .

 

(قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء (114) المائدة) لِمَ جمع عيسى عليه السلام في دعائه بين اسمي الجلالة (اللَّهُمَّ رَبَّنَا) ولم يكتفِ بإسم العلم (اللهم)؟ عندما سأل عيسى المائدة له وللحواريين جمع بين النداء بإسم الذات (اللهم) الجامع لصفات الجلال وبين النداء بوصف الربوبية استعطافاً لله ليجيب دعاءهم.

 

 

(وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ (116) المائدة) لو أن شخصاً ما نسب إليك تهمة أو لفّق على لسانك قولاً لم يصدر منك فإنك تسارع إلى التبرؤ والتنصّل كأن تقول إني بريء أو حاشاي من ذلك، ولكن عيسى ابن مريم عليه السلام عندما سأله ربنا (أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ) لم يقل حاشاي أو وعزّتك إني بريء، بل نزّه الذات الإلهية فقال (سُبْحَانَكَ) وفي هذا التنزيه لله سبحانه وتعالى إشارة إلى صعوبة سماع المؤمن نسبة شريك لله أو الإساءة إليه. فليس أثقل على القلب من أن يسمع سفاهةً تُنسَب إلى ربه تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وفي قول عيسى عليه السلام (سُبْحَانَكَ) إيماءٌ أيضاً إلى أن تنزيه الله تعالى عمّا نُسِب إليه أهمّ من تبرئة عيسى لنفسه.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل