قبسات من روائع البيان - سورة الأنعام - 1-

سورة الأنعام:

(الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ (1)) لم اختيرت كلمة (خلق) للسموات والأرض واختيرت كلمة (جعل) للظلمات والنور؟ وهل يختلف المعنى إن قلنا "وخلق الظلمات والنور"؟ خص ربنا عز وجل السموات والأرض بالخلق دون الجعل لأن الخلق فيه معنى التقدير وخصّ الظلمات والنور بالجعل لأن الفعل جعل فيه ملاحظة معنى الانتساب والدخول في الآخَر فالظلمات والنور مخلوقة لتتكيف بهما موجودات السموات والأرض وهي تكملة لخلق السموات والأرض ولذلك اختير لفظ الجعل للظلمات والنور.

(وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ (1)) ما الحكمة من إيثار الظلمات والنور بالذكر دون غيرهما من أعرض السموات والأرض؟ خص الله بالذكر من أعراض السموات والأرض عرضين عظيمين وهما الظلمات والنور وذاك لاستواء جميع الناس في إدراكهما والشعور بهما وفي الاقتصار عليهما تعريض بحاليّ المخاطبين في الآية فالظلمات تماثل الكفر لأنه اغماس في الجهالة والحيرة والإيمان يشبه النور لأنه استبانة الهدى والحق.

(وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ (7)) اللمس يكون باليد خاصة فلِمَ حدد الله اللمس بقوله (بأيدهم) مع أن هذا معلوم بداهة من قوله (فلمسوه)؟ إن اللمس هو وضع اليد على شيء ما للتأكد من وجوده أو لمعرفة ظاهره وكلمة اللمس تدل على استعمال اليد ولكن الله قيد اللمس باليد ليؤكد معنى اللمس حتى لا يتوهم أنه أراد المجاز فيُصرف اللمس إلى التأمل، لا بل هو اللمس باليد وفي هذا تأكيد على معاندتهم ومكابرتهم.

(وَلَقَدِ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ (10)) حاق بمعنى أحاط به وأصابه وأنما خص الله إصابتهم بالفعل أحاط دون أصابهم لأن فعل حاق يعبر عن الإحاطة وهذا يصور تمكن العذاب منهم حيث لا يقدر أحد على الإفلات من العذاب فهو محيط بهم إحاطة السوار بالمعصم.

(قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ (14)) الفاطر هو المبدع والخالق وأصله من الفطر وهو الشق وقال ابن عباس رضي الله عنه "ما عرفت معنى الفاطر حتى اختصم إليّ أعرابيان على بئر فقال أحدهما أنا فطرتها". ولذلك اختير هذا الوصف (فاطر) من بين صفات الله وأسمائه لدحض دعوى اتخاذ أيّ ولي دون الله فالله هو الولي وهو الخالق والفاطر.

(قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15)) تأمل هذا التحذير الإلهي فقد أضاف الله العذاب إلى كلمة يوم فقال (عذاب يوم عظيم) فما الهدف من هذه الإضافة؟ ولِمَ لمْ يوصف العذاب بالعظمة دون ذكر يوم أي لِمَ لمْ يقل إني أخاف عذاباً عظيماً؟ أضاف الله العذاب إلى كلمة يوم لما لهذا الاسم من الدلالة عند العرب لأنهم اعتادوا أن يطلقوا اليوم على يوم المعركة الذي ينتهي بنصر فريقٍ وانهزام آخر فيكون هذا اليوم نكالاً على المنهزمين لأنه يكثر فيهم القتل ويُسام المغلوب سوء العذاب فذكركلمة (يوم) يثير عند العرب من الخيال مخاوف مألوفة ويبث الهول في جوارحهم وزاد هذا الهول بوصف اليوم والعذاب بالعظيم حيث قال (عذاب يوم عظيم).

(وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ (18)) انظر إلى هذه الآية ألا ترى أن الظرف (فوق) في هذا الموضع لا يدل على جهة العلو كما يستعمل عادة فأنت تقول المصحف فوق الطاولة فتقصد جهة العلو فعلام يدل الظرف (فوق) في هذه الآية؟ في الظرف هنا استعارة تمثيلية لحالة القاهر وتشبيه له بالذي يأخذ المغلوب من أعلاه حتى يستسلم لأنه لا يقدر على الحراك والمقاومة.

(وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ (19)) يعالج الله عباده بأسلوبي الإنذار والتبشير لكن هذه الآية اقتصرت على الإنذار فما حكمة ذلك؟ اقتصر ربنا على جعل علة نزول القرآن للنذارة دون البشارة لأن المخاطبين في هذه الآية كانوا في حالة مكابرة وهذه الحال والمقام لا يناسبه إلا الإنذار.

(أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللّهِ آلِهَةً أُخْرَى (19)) هذا هو كلام الله تعالى كلامه المعجز الذي يفحم أرباب البيان ويرغمهم على لوقوف أمامه مشدوهين. انظر كيف يصور هذا الإستفهام المشركين ويسبغ عليهم جلباب الاستهانة والحماقة فقد جعل ربنا الاستفهام في الآية (أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ) همزة الاستفهام داخلاً على إنّ المؤكدة ولام التأكيد (لتشهدون) ولم يكتف بأداة الاستفهام (أتشهدون أن مع الله آلهة أخرى) لأن دخول همزة الاستفهام على إن المؤكدة (أئنكم) يفيد أن شهادتهم هذه مما لا يكاد يصدق السامعون أنهم يشهدونها لاستبعاد صدورها من عقلاء. فأنت لو سألت صديقك عن أمر تستبعده فتقول (أئنك لتغدر بي؟) فإذا أردت الإثبات أجابك بالأسلوب نفسه (نعم إنني لأغدر بك) فأدخل في الإجابة (إنّ واللام) ليؤكد ما تستبعده وكذلك الآية تحتاج إلى التأكيد في الإجابة (نعم إنهم ليشهدون أن مع الله آلهة أخرى).

(وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ (31)) أطلق العنان لخيالك لتعاين هذا المشهد الصوري الذي تضفيه هذه الآية على المشركين فالمرء إذا حمل شيئاً على ظهره أنهك قواه فكيف بهم وهم يحملون أوزاراً ولم يقل ذنوباً؟ لأن الوزر هو الحِمل الثقيل ليصور لنا ثقل ما يحملون من الذنوب والجنايات التي ينوء عن حملها الرجال. فيوم القيامة تراهم يقفون في عرصات الآخرة مثقلين متعبين بما كسبوا من الأوزار.

 (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ (32)) أراد الله أن يصغر الحياة الدنيا في نظرك فبماذا شبهها؟ جعل الله الحياة الدنيا لعباً ولهواً فكأنه قال الحياة الدنيا لعب، الحياة الدنيا لهو، فلِمَ شُبهت الدنيا بهذين الأمرين اللعب واللهو؟ وقع هذا التشبيه والقصر لأن الأعمال الحاصلة في الحياة كثيرة وأغلب أعمال الناس تقع تحت إطاري اللعب واللهو إلا من آمن وعمل صالحاً.

 (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ (32)) لم مثّل الله الدنيا باللعب واللهو معاً ولم يقتصر على أحدهما؟ اللعب هو عمل أو قول في خفة وسرعة وطيش ليست له غاية مفيدة بل غايته إراحة البال وتقصير الوقت واستجلاب العقول في حالة ضعفها كعقل الصغير وأكثره أعمال صبيان. ولذلك فهو مشتق من اللعاب وهو ريق الصبي السائل. وأما اللهو فهو ما يشتغل به الإنسان مما ترتاح إليه نفسه ولا يتعب بالاشتغال به عقله فلا يطلق إلا على ما فيه استمتاع ولذة وشهوة.

 (وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (32)) لم سمى ربنا يوم القيامة بالدار ولم يقل عنها والآخرة خير للذين يتقون دون كلمة الدار وفي هذا اختصار وإيصال للمعنى؟ سمى ربنا الحياة الآخرة بالدار لأن الدار هي محل إقامة الناس وهي مكان بنائهم ومنازلهم وفي هذا إيماء لك أيها المؤمن بأن دارك الحقيقية التي تود إشادتها هي الدار الآخرة وأما الدنيا فهي ممر لا مقر.

(إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36)) إقرأ الآية ثم تأمل العطف فيها. فقد عطف الله جملة (وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللّهُ) على جملة (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ) وقد وصف الله الفريق الأول بأنهم ( يسمعون) فكان السياق يؤذن بأن يسمى الفريق الثاني بالصُمّ أو الذين لا يسمعون فلم سماهم موتى؟ في هذا تعريض بأولئك المعاندين المعرضين بأنهم ولشدة إصرارهم على غيّهم ولرفضهم للحق أصبحوا كالأموات لا ترجى منهم استجابة. وهذا أشد من الأصم أو الذي لا يسمع فالأصم لا يسمع ولكنه قد يشعر ويعي ما يدور حوله أما الميت فقد فَقَدَ كل إدراك وشعور.

(وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ (39)) لنا مع هذه الآية وقفتان، الوقفة الأولى: لم قال الله (صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ) ولم يقل (صم بكم عمي) كما في سورة البقرة؟ وصفهم الله بالأصم والأبكم التائه في الظلمات ليبين لنا ربنا حالهم فهم أصموا آذانهم عن سماع الحق وتلقي الهدى وأخرسوا ألسنتهم عن الامتثال  للهداية وابتعدوا عن الاسترشاد بمن يمر بهم واستمروا في ذلك فتاهوا في الضلال الذي خيّم عليهم وعماهم عن الحق وتلقي الهدى. فهم يعلمون أنهم في ظلمات ولكنهم لا يريدون الخروج منها. أما الأعمى فقد لا يعلم أين يمشي وأين يمكث.

الوقفة الثانية: لم قال (فِي الظُّلُمَاتِ) ولم يقل صم وبكم في الظلام؟ في هذا إشارة إلى تعدد الظلمات بينما النور واحد وهو الإسلام أما الظلمات فهناك ظلمة الكفر وظلمة العناد وغيرها. فلنسلك مسلك النور الواضح حتى نبلغ النهاية السعيدة

(فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ (44)) في كلمة فتحنا قراءتان: قراءة الجمهور( فتحنا) وقرأ ابن عامر وأبو جعفر ورويس عن يعقوب (فتّحنا )التشديد للمبالغة في الفتح فالتشديد يدل على المضاعفة في العمل وقد جمع الله( أبواب) ولم يقل باب كل شيء ليصور لك كثرة الخيرات وأنواعها التي عمّت حياتهم.

(فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)) ختمت الآية بالحمد وذاك قوله تعالى (وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) وهذه الخاتمة تلفت نظر القارئ ، فما توجيه هذه النهاية ولما لم تكن والله عزيز حكيم وهذا يناسب العقاب كما قال تعالى (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ)؟ في هذا تنبيه لك أيها المؤمن على حمد الله عند وقوع النِعم ، فقد وقع قبل الحمد نعمة من نعم الله  تعالى ومن لوازم الحمد أن يكون على نعمة ولعلك تسأل أين هي النعمة؟ فكأنه قد قيل لك (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ) وتلك نعمة من نعم الله تقتضي حمده أوليس هلاك الظلمة نعمة. فهلاكهم صلاح للناس ..والصلاح أعظم النعم وشكر النعمة واجب.

 (وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ (49)) انظر إلى هذه الآية فقد ختمت بقوله (بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ) لماذا استعمل الفعل (كان) والفعل (يفسقون) ولم يقل بما فسقوا بالماضي؟ لفتة لطيفة وهي أن العذاب نزل بهم لإصرارهم على الفسق فالفعل المضارع (يفسقون) يدل على التجدد والاستمرار.

 (وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ (54)) السلام هو سنة للداخل على الآخرين يلقي عليهم تحية الإسلام فكيف طلب الله تعالى من النبي أن يحييهم تحية الإسلام مع أنهم هم الداخلون؟ هذه كرامة من الله تعالى للمؤمنين المستضعفين فقد أمر الله النبيصلى الله عليه وسلم أن يبدأهم بالسلام حين دخولهم عليه إشارة لشأنهم ومكانتهم عند الله وقد نزل النبي r في هذه الآية منزلة القادم عليهم لأنه زفّ إليهم بشرى رضوان الله عنهم.

(قُل لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ (56)) أمر النبي r بهجران المشركين وأعمالهم فلِمَ قال هنا (لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ) ولم يقل على الأصل لا أتبعكم؟ هذه نكتة لطيفة فالأهواء جمع هوى وهو المحبة المفرطة التي تعمي عن الحق ولذلك قال (لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ) للإشارة إلى أنهم في دينهم تابعون للهوى نابذون  وناكرون لدليل العقل وفي هذا تجهيل لهم في إقامة دينهم على أصل هش لا أساس له سوى التشهي والهوى.

(وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ (59)) هذه الجملة من الآية فيها تقديم وتأخير وهو تقديم جائز أي لو كان السياق مفاتيح الغيب عنده لكان التركيب صحيحاً. فلِمَ قدّم الظرف (عنده)؟ هذا التقديم فيه إفادة التخصيص أي مفاتح الغيب عنده وحده لا عند غيره.

(وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى (60)) انتقال بديع وحجج دامغة لكل إنسان في هذا الوجود فقد انتقل السياق القرآني من بيان سعة علمه تعالى إلى بيان عظمة قدرته. وقد جرت عادة القرآن بذكر دلائل الوحدانية في أنفس الناس كما في قوله (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ) عقب ذكر دلائل الوحدانية في اآفاق وهو قوله (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ (59)).

(وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ (60)) لِمَ خص الله تعالى علمه بما يكسبه العبد في النهار دون الليل؟ وقع الإقتصار على الإخبار بعلمه تعالى بما يكسب الإنسان في النهار دون الليل مراعاة للغالب لأن النهار هو وقت أكثر الأعمال والاكتساب وفي الإخبار بأنه يعلم ما يقع فيه تحذير لنا من اكتساب ما لا يرضاه الله وفيه تهديد للكافرين.

(وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ (66)) في الآية السابقة قال (لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65)) فكان السياق يؤذن أن يقول (كذبوا وهو الحق) فلم عدل عن المضمر (كذبوا) إلى إظهار كلمة (قومك)؟ إن التعبير عن المكذبين بقوله (قومك) تسجيل عليهم بسوء معاملتهم لمن هو من أنفسهم ومن بين ظهرانيهم. ألا ترى أن ظلم ذوي القربى أشد إيلاماً ولذلك قال طرفة بن العبد:

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة        على المرء من وقع الحسام المهند

(وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ (68))الخوض في الأصل: الدخول في الماء ماشيا بالرجلين دون سباحة ثم استعمل في التصرف لما فيه كلفة وعنت ، واستعمل في الكذب والباطل لأنه يتطلب تكلفا لصاحبه.

(قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللّهُ (71)) أراد الله بقوله (وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا) نرجع إلى كفرنا فلم عدل عن هذا التعبير إلى قوله (وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا) الأعقاب جمع عقب وهو مؤخر القدم وعقب كل شيء آخره. فإذا قلت عن رجل أنه رجع على عقبيه أو نكص على عقبيه فقد قصدت بأنه رجع إلى المكان الذي جاء منه ولكن عبارة (وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا) لو رجع على عقبيه تمثل عودة الإنسان للتلبس في حالة ذميمة كان قد فارقها ثم عاد إليها ولذلك لا نقول على رجل حج بيت الله رجع على عقبيه. وهذه الآية تمثل حال المرتد إلى الشرك بعد أن أسلم بحال من خرج في شأن مهم فرجع على عقبيه ولم يقض ما خرج له. وهذا التصور أبلغ في نمثيل سوء الحالة من أن يقال نرجع إلى الكفر من بعد الإيمان.

(كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا (71)) انظر إلى هذا الإيجاز البديع وهذا التصوير الذي يجعلك أمام مشهد تمثيلي شاخص وكأنك تبصره. فالله يصور في هذا التمثيل العجيب حالة من رضي ارتداده إلى ضلالة الشرك بعد هدى الإسلام وأذعن لدعوة المشركين وهجر أصحابه المسلمين الذين يحوطونه بالرعاية. شبه حاله هذه بحال من فسد عقله باستهواء من الشياطين فتاه في الأرض بعد أن كان عاقلاً عارفاً بمسالكها. انظر إلى هذا المشهد فقد اشتمل على تصاوير عدة فقد شبه المرتدين عن الإيمان بمن فقد عقله فجُنّ وشبه الكافر بالهيام في الأرض وشبه المشركين الذين يفتنون المرء عن دينه بالشياطين وشبه دعوة الله وملائكته للإيمان بالأصحاب الذين يدعون إلى الهدى.

(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً (74)) ليس من عادة القرآن التعرض لذكر أسماء غير الأنبياء، فلِمَ ذكر إسم آزر والد إبراهيم دون غيره؟ إن إسم آزر فيه قراءتان: فقد قرأ الجمهور آزرَ بفتح الراء وقرأ يعقوب بضمّها وعلى قراءة الضم فآزر منادى فكأن إبراهيم يقول: يا آزرُ أتتخذ أصناماً آلهة؟ ولذلك فإن ذكر إسم أبيه فيه غلظة لما بدا منه من تصلب في الشرك وإصرار على غِيِّه وهذا الأسلوب لا شك أن إبراهيم سلكه استقصاء لأساليب الموعظة لعل بعضها أن يكون أنجع في نفس أبيه من بعض. فقد سلك معه قبل أسلوب اللين واللطف (قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) مريم).

(فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَـذَا رَبِّي (76)) إن إبراهيم كان عالماً أن الكواكب ليست إلا خلقاً من مخلقوات الله فلم قال (هَـذَا رَبِّي) ولم يقل بالتنكير هذا رب؟ إن تعريف جزئي المبتدأ والخبر (هَـذَا رَبِّي) يفيد القصر بخلاف هذا رب الذي يدل على أنه ربه من بين الأرباب ولذلك استعمل إبراهيم عليه السلام أسلوب القصر (هَـذَا رَبِّي) لأنه أراد استدراج قومه فابتدأه بإظهار أنه لا يرى تعدد الآلهة ليصل بهم إلى التوحيد واستغل واحداً من معبوداتهم وهو الكوكب ففرض استحقاقه الإلهية لكي لا ينفروا من الإصغاء إلى استدلاله.

(فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77)) ابتدأ سيدنا إبراهيم هذا الاستدلال بنفسه فقال (لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي) فلم قال (لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ) ولم يقل لأكونن ضالاً؟ تناسباً مع مبتدئه في هذا تعريض بقومه أنهم ضالون وقد هيأهم قبل المصارحة بأنهم ضالون فقوله (لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ) يدخل على نفوسهم الشك في معتقدهم أن يكون ضلالاً.

(أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ (89)) عبّر الله عن الإعطاء بالوكالة فقط (فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا) فلِم قال (وَكَّلْنَا) ولم يقل فقد آتيناها؟ إذا رجعنا إلى معنى التوميل رأيناه أن تسند تدبير أمر لك إلى شخص يتولى تدبيره ورعايته والحفاظ عليه ولذلك خصّ الله إيتاء الإيمان بالوكالة لأنها تقتضي الأخذ للإيمان مع الحفظ والرعاية ففيها أخذ وصون وأما الإيتاء فيقتضي الأخذ ولكن ليس بالضرورة أن يحفظ ما أخذه.

(وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى (92)) أم القرى مكة المكرمة وسميت بهذا الإسم لأن الأم هي مرجع الطفل وحولها يلتف. ومكة هي أقدم القرى وأشهرها وما تقرت القرى في بلاد العرب إلا بعدها وإليها يؤوب الناس ويتجهون وحول كعبتها يطوفون فهي أم لكل القرى.

(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا (93)) انظر إلى هذا الأسلوب في الرد على المفترين ونفي مزاعمهم فقد استخدم ربنا أسلوب الاستفهام فما دلالة هذا الإستفهام؟ إنه استفهام إنكاري يفيد النفي وكأن الآية تقول لا أحد أظلم من هؤلاء. وإنما ابتدأ الله هذا الرد بالاستفهام دون النفي المباشر لما لأسلوب الاستفهام من رسم صورة الحوار فتبعث في النفس أن سائلاً سأل والكل رفض الدعوة.

(وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ (93)) نقف عند هذا المشهد المهيب مشهد الظالمين وهم يرون تبعة أفعالهم ونفوسهم تعتلج بالخوف وكذلك عبّر الله عن هذا الألم وهذه الشدة بقوله (فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ) والغمرة هي ما يعم ويغمر فلا يترك للمغمور مخلصاً. تخيل ذاك الإنسان وقد أحاطت به أمواج متلاطمة من كل إتجاه كيف تكون نفسه وجلة حين يغمره الوادي أو السيل. وهذا هو شأن الظالم وهو مغمور بذنوبه التي ارتكبها فلا منجى منها ولا خلاص.

(وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ (93)) ولا أدل على ذلك من قوله تعالى (غمرات) ألا تر أنه جمع الغمرة مع أن الكلام يتم بالإفراد (في غمرة الموت) ولكن هذا الجمع أُتي به للمبالغة في تهويل ما يصيبهم من أصناف الشدائد وألوانها وأنواعها.

(إِنَّ اللّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ (95)) لا شك أن المستمع لهذه الآية والمرتل لها يقف متسائلاً : لم استعمل في إخراج الحي من الميت الفعل المضارع (يخرج) (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) وفي إخراج الميت من الحي إستعمل الإسم (مخرج) (وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ)؟ جيء بجملة (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) فعلية للدلالة على أن هذا الفعل متجدد ويتكرر في كل آن فهو أمر متكرر معلوم وليس مصادفة. ثم تلاها بقوله (وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ) بصيغة الإسم لا الفعل للدلالة على الدوام والثبات وبذلك عبر عن معنيين وحالتين هما التجدد والثبوت من خلال الفعل المضارع (يُخرج) والإسم (مُخرج).

(وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ (98)) انظر إلى هذا السر العجيب وهذا اللفظ الساحر الذي يذهب بالنفس كل مذهب. فالله خلق كل نفس وجعل لها أجلاً ومبدأ ولكن الله عبّر عن حياتك بمستقر ومستودع. والمستقر هو القرار تقول استقر في المكان بمعنى قرّ فيه. والاستيداع هو أن تودع مالاً إلى أجل ثم تسترده فهو يؤذِن بوضع مؤقت. والاستقرار يؤذن بوضع طويل أو دائم وهذا يطلق العنان للخيال لتختار مستقرها وتزهد باستيداعها فشأنك أيها الإنسان استقرار واستيداع. فأنت تحيا في الأرض وديعة لتغادرها إلى من أودعك فيها كما ترجع الوديعة إلى صاحبها، ثم تذهب إلى دار الاستقرار. وأوثر التعبير بالاستقرار والاستيداع دون الحياة الآخرة ليبين لك قيمة كل منهماولتعلم قيمة كل مرحلة منهما ودورك فيها.

(وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ (100)) انظر إلى هذا السخف الذي يصدر من الإنسان حينما يتبع أهواءه. وتأمل هذا التهكم بأولئك المفترين حيث بلغ أقصى درجاته فقد قال تعالى عن هؤلاء الذين نسبوا له البنين والبنات (وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ) فاستعمل كلمة خرقوا ولم يقل جعلوا لأن الخرق هو القطع والشق على سبيل الفساد ومن غير تعقل وتدبر فهم يقولون ولكنهم يفترون ويكذبون وهذا الكذب فاضح لا يكتم نفسه.  

(وَأَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ (109)) الجهد هو المشقة والاجتهاد أخذ النفس ببذل الطاقة وتحمل المشقة فتقول جهدت رأيي وأجهدته إذا أتعبته بالفكر، فما صلة هذه المعاني بالإيمان وهي المواثيق؟ هذا تصوير لأولئك القوم الذين أرادوا تغليظ أيمانهم وكأنهم بذلوا غاية طاقتهم لبلوغ مرادهم فقد بالغوا واجتهدوا في الحلف أن يأتوا به على أبلغ ما في وسعهم ليثبتوا باطلهم.

(وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ (111)) ألا ترى كيف يكشف الله خفايا التفوس وما تنطوي عليها؟ فالنفس عالم خاص لا يطلع عليه إلا الله ولذلك عبر الله عن عدم إيمان المشركين بقوله (مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ) ولم يقل (لا يؤمنون) لأن عبارة (مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ) أشد في تقوية نفي إيمانهم مع رؤية المعجزات كلها لأنهم معاندون مكابرون غير طالبين للحق.

(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ (112)) شياطين الجن هذا معنى نعرفه فهو عالم خفي عنا رؤية، ولكنه معلوم عقيدة ونقلاً ولكن كيف أضيفت كلمة شياطين إلى الإنس؟ الشيطان أصله نوع من الموجودات المجردة الخفية وهو نوع من جنس الجن ويطلق الشيطان على المضلل الذي يفعل الخبائث من الناس مجازاً لأن الإنسان مشتق من التأنس والإلف ولأن البشر يألف البشر ويأنس به فإذا قام الإنسان بما يخالف تسميته ولجأ إلى المكر والخديعة فقد تقمص شخصية الشيطان الذي من بعض معانيه التباعد عن الآخرين ولذلك أضيفت كلمة شياطين إلى الإنس لأنهم صاروا يفعلون فعلهم.

(أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا (114)) تأمل هذا التنسيق المبدع في تأليف هذه العبارة القرآنية من تخير للفظ (حَكَمًا) إلى نظمها في ترتيب ونسق خاص يقف البيان أمامه عاجزاً. فانظر إلى قول الله (حَكَمًا) فقد طلب النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون الله تعالى هو الحكم لا غيره وقال (حَكَمًا) ولم يقل حاكماً لأن الحكم هو الحاكم المتخصص بالحكم الذي لا يُنقض حكمه فهو أخص من الحاكم ولذلك كان من أسمائه تعالى الحكم ولم يكن منها الحاكم

(وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119)) (لَّيُضِلُّونَ) قرأها نافع وابن كثير وابو عمرو وابن عامر ويعقوب (لَيَضِّلون) على أنهم ضالون بأنفسهم وقرأها عاصم وحمزة والكسائي وخلف بضم الياء (لَّيُضِلُّونَ) على معنى أنهم يُضلون الناس ولو تأملت المعنيي لرأيت أن دلالتهما واضحة فالضال من شأنه أن يُضل غيره والمضل لا يكون في الغالب إلا ضالاً والمقصود التحذير منهم وذلك حاصل في القراءتين. وقد سمى الله فعلهم ضلالاً فقال (لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم) فكان ختام الآية من حيث الظاهر أنه هو يكون أعلم بالضالين فلِمَ سماهم بالمعتدين فقال (هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ)؟ ولم يقل هو أعلم بالضالين؟ سماهم الله معتدين لأن الاعتداء هو الظلم وهم عندما تقلدوا الضلال دون حجة ولا نظر كانوا معتدين على أنفسهم ومعتدين على كل من دعوه إلى موافقتهم وفي هذا إشارة لكل من تكلم في الدين بما لا يعلمه أو دعا الناس إلى شيء لا يعلم أنه حق أو باطل فهو معتدٍ ظالمٌ لنفسه وللناس.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل