قبسات من روائع البيان - سورة الأعراف

سورة الأعراف

(كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ (2)) الحرج في حقيقته المكان الضيق من الغابات الكثيرة الأشجار بحيث يعثر السلوك فيه فأغمض عينيك أيها المتدبر لكتاب الله واعمل خيالك في هذه الصورة القرآنية لحال الآسف الحزين الذي امتلأ صدره حزناً فإنه يعسر منه التنفس من انقباض أعصاب مجاري التنفس فتخيل هذا الضيق النفسي بضيق مكان مليء أشجاراً كيف تستطيع تجاوزها. فها هي صورة القرآن التي ترسم بألفاظها المحكمة ما تعجز ريشة الفنان عن الإتيان به.

 (وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ (4)) انظر كيف رسم القرآن مشاهده بأبدع رسم فهنا يعرض القرآن حقيقة الهلاك للقرية دون أن يأتي على ذكر أهلها لقصد الإحاطة والشمول. فتخيل مشهد القرية وهي تتدمر بأكلمها، ستجد نفسك أمام هذه الصورة الفظيعة وتتساءل بدهشة إذا كان هذا ما حل بالقرية وهي ثابتة مستقرة فكيف بأهلها؟ وستزداد دهشة إذا علمت أن ساعة الهلاك هي ساعة نومهم قال تعالى (بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ).

 (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ (12)) لعل سائلاًً يقول إذا كان المنع يعني الكف والصد فلم جاءت الآية بحرف النفي (لا) في قوله (ألا تسجد) فيكون مقتضى الظاهر أن يقول ما منعك أن تسجد؟ إن (لا) هنا لا تفيد نفياً وإنما جيء بها للتأكيد و (لا) من جملة الحروف التي يؤكد بها الكلام تماماً كما في قوله تعالى (لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) البلد) أي أقسم بهذا البلد قسماً محققاً.

 (قَالَ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ (15)) هل نال إبليس تكرمة في استجابة طلبه بأن يكون من الكائنات الباقية؟ هذا ما تشير إليه الآية لكن في الحقيقة خاب فهو أهون على الله من أن يجيب له طلبه وقد نفى هذا التصوير للسامع قوله (قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ) فانظر كيف أفاد التأكيد بـ (إنك) والإخبار بصيغة (من المنظرين) أن إنظاره أمر قد قضاه الله وقدّره من قبل سؤاله وهذه هي النكتة في العدول عن أن يكون الجواب أنظرتك أو أجبت لك مما يدل على كرامته بعد الإجابة ولكنه أعلمه أن ما سأله أمر حاصل فسؤاله تحصيل حاصل.

 (ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ (17)) انظر كيف يحرص إبليس على إغواء بني آدم فالآية ضرب من المجاز التمثيلي وليست الجهات الأربع المذكورة بحقيقة إذا علمت أنه ليس للشيطان مسلك للإنسان إلا من نفسه وعقله بإلقاء الوسوسة. فكما شبّه هيئة الحرص على الإغواء بالقعود على الطريق كذلك مُثّلت هيئة التوسل إلى الإغواء بكل وسيلة بهيئة الباحث الحريص على أخذ العدو إذ يأتيه من كل جهة حتى يصادف الجهة التي يتمكن فيها من أخذه أعاذنا الله من شرّه وغوايته.

 (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ (26)) تأمل هذا التصوير الرائع لمعنى التقوى (وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ) إنه تشبيه لملازمة تقوى الله بملازمة اللابس لثيابه وحسبك قليل من التحول لتشهد كيف تتحول تقوى الله وخشيته إلى لباس يستر عورات النفس ويزين صاحبها بكمالات الأخلاق الرفيعة كما أن بعض الجسد يستر عوراته. ولا شك أن عورات النفس أشد فظاظة ولذلك لا بد من ستر يمحو أثرها فكانت التقوى خير لباس لها.

 (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ (29)) الآية مبنية على تمثيل لكمال الإقبال على عبادة الله في موضاع عبادته، كيف ذلك؟ تخيل حال المتهيء لمشاهدة أمر عظيم حين يوجه وجهه إلى صوبه لا يلتفت يمنة ولا يسرة فذلك التوجه المحض يطلق عليه إقامة لأنه جعل الوجه قائماً لا متغاض ولا متوان في التوجّه. فتكون بذلك إقامة الوجوده تمثيلاً لكمال الإقبال على الله كأنه يراه أمامه.

 (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ (32)) تخرج الأساليب في نظم القرآن عن حقيقتها فتأمل الاستفهام في الآية كيف خرج من معناه الحقيقي إلى الإنكار بغرض التهكم إذ جعل من حرم زينة الله على العباد جهلاً منه بمنزلة أهل علم يطلب منهم البيان والإفادة.

 (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ (34)) لقد عدل الله عز وجل عن ذكر العذاب أو الاستئصال مع إرادته لذلك وذكر الأجل فقال (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ) وما ذاك إلا إيقاظاً لعقولهم من أن يغرهم الإمهال فيحسبوا أن الله غير مؤاخذهم على تكذيبهم كما أنه ذكر عموم الأمم في هذا الوعيد مع أن المقصود هم المشركون من العرب الذين لم يؤمنوا إنما هي مبالغة في الإنذار والوعيد بتقريب حصوله كما حصل لغيرهم من الأمم.

 (لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ (34)) ألا ترى أن (وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) لا تعلق له بغرض التهديد فمنتظر الوعيد يسأل التأخير لا التقديم وهذه السورة من روائع البيان القرآني. فكل ذلك مبني على تمثيل حالة الذي لا يستطيع التخلص من وعيد أو نحوه بهيئة من احتبس بمكان لا يستطيع تجاوزه إلى الأمام ولا إلى الوراء.

 (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ (40)) تأمل هذه الصورة القرآنية التي ترسم في خيال سامعها صورة متخيلة لفتح أبواب السماء أبواب وليس باباً واحداً وصورة متخيلة أخرى لولوج الجمل في سم الخياط وهو ثقب الإبرة. وتدب الحركة في هذه الصورة التخيلية بتخيل محاولات الجمل اليائسة المتكررة دخول ثقب الإبرة. إنها صورة جامعة لمعنى الحرمان من الخيرات الإلهية المحضة واستحالة دخولهم الجنة بعدها.

 (لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (41)) صورة جديدة متخيلة لألوان العذاب في نار جهنم فانظر كيف تنقلب الألفاظ عن حقيقتها فالمهاد والغواشي ما يفرشه الإنسان ويتغطى به عند اضطجاعه للنوم. وفي الآية تتحول هذه الوسائل المريحة إلى أدوات للعذاب فشبّه البيان الإلهي ما هو تحتهم من النار بالمهاد وما هو فوقهم منها بالغواشي كناية عن إنتفاء الراحة لهم في جهنم أعاذنا الله من حسيسها. ولا يخفى ما في هذه الآية من التهكم والسخرية بأولئك الذين اتخذوا فراشاً وثيراً في الدنيا فأُبدِلوا هذا الفراش بفراش آخر ولكنه في نار جهنم.

 (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُواْ نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44)) الخطاب في الآخرة بين أصحاب النار وأصحاب الجنة وعبَّر عنه بالنداء فلِمَ اختير النداء دون القول أي عندما قال تعالى (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ)؟ إن في خطاب أصحاب الجنة لأصحاب النار بالنداء دون القول كناية عن بلوغه أسماع أصحاب النار من مسافة سحيقة البعد فإن سعة الجنة وسعة النار تقتضيان ذلك لا سيما مع قوله (وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ (46) الأعراف).

 (فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَـذَا وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51)) انظر في الآية وتدبر ألفاظها. فالنسيان في الموضعين نسيان ترك وإهمال لاحظ الآية (فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ) ولا حاجة لذكر اليوم لتمام المعنى دونه ولكن الله آثر ذكر (اليوم) لما فيه من إثارة تحسرهم وندامتهم وذلك لون من ألوان العذاب النفسي. ودلّ معنى كاف التشبيه في قوله (كَمَا نَسُواْ) على أن حرمانهم من رحمة الله كان مماثلاً لإهمالهم التصديق باللقاء وهذه المماثلة مماثلة اعتبارية مماثلة جزاء العمل للعمل.

 (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ (53)) هل سمعت بالاستعاذة التهكمية؟ إنها لون من تفنن القرآن في تعبيره فالآية هنا تتحدث عن انتظار الكفار لوعيدهم فشبّه حال تمهلهم إلى الوقت الذي سيحل عليهم فيه ما أوعدهم به القرآن بحال المنتظرين وهم ليسوا بمنتظرين ذلك إذ هم جاحدون وقوعه. فهذه الصورة جرياً على الاستعارة التي أريد بها التهكم بحالهم فأنّى لهم أن يترقبوا عذاب الله. أوينتظر الإنسان العذاب أو يفر منه؟! لكنه تهكم من جانب وإظهار لما اختبأ في صدورهم من جانب آخر.

 (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا (54)) انظر كيف يخلع القرآن الحياة على المواد الجامدة والظواهر الطبيعية لترقى فتصبح حياة إنسانية ففي هذه الآية يجعل البيان القرآني الليل والنهار شخصان يفيضان حياة وحركة. وقد صور لنا الليل هنا في سمت الشخص الواعي له إرادة وقصد فها هو يطلب النهار مسرعاً مستمراً دائماً لا ينقطع حتى قيام الساعة ولكنه محال أن يلحق به فقد قال تعالى (وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ (40) يس).

 (فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا (64)) تأمل كيف يختصر البيان الإلهي الزمن فمع وجود الفاء في قوله (فَأَنجَيْنَاهُ) الدالة على التعقيب فأنت تعلم بأن التكذيب كان من القادة ثم العامة ثم أعقب الوحي وصناعة الفلك ثم بعد ذلك يرتب الوقائع بحسب الأهمية. إن الله أسرع في هذا الإخبار بالإنجاء وجعله مقدماً على الإخبار بالإغراق مع أن مقتضى العبرة تقديم إغراق المكذبين (فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا). قدّم الإنجاء للاهتمام بإنجاء المؤمنين وتعجيلاً لمسرّة السامعين من المؤمنين.

 (قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا (70)) لعل سائلاً يسأل ألا يصح أن يكتفي بقوله "ونذر ما يعبد آباؤنا" دون (كان)؟ وكيف يمكن الجمع بين الماضي والحاضر في الآية؟ لتدل على أن عبادتهم أمر قديم مضت عليه العصور. والتعبير بالفعل كونه مضارعاً في قوله (نعْبُدُ) ليدل على أن ذلك متكرر من آبائهم ومتجدد منهم.

 (قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ (71)) تأمل التقديم والتأخير في الآية، فكلاهما يدل على بلاغة كلام الله تعالى. فقدّم (عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ) للاهتمام بتعجيل ذكر المغضوب والغاضب إيقاظاً لبصائرهم لعلهم يبادرون بالتوبة. وأخر الغضب عن الرجس لأن الرجس هو خبث نفوسهم قد دلّ على أن الله فطرهم على خبث بحيث كان استمرارهم على الضلال أمراً جلياً. فدل ذلك على أن الله غضب عليهم لما وقع منهم من فسق ورجس. وقبل ذلك كله تجيء كلمة (قد) لتؤذن بتقريب زمن الماضي من الحال مثل قولك (قد قامت الصلاة).

 (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (78)) حقيقة الأخذ تناول الشيء باليد. والرجفة اضطراب الأرض وارتجاجها. إذن هذه الآية تطرق سمعك وتُعمل خيالك بصورة حية مستعادة شاخصة تزخر بالحياة والحركة. يتحول الزلزال أو الصاعقة فيها إلى رجل يتلقف بيديه جميع المشركين من قوم صالح لتعبر في منتهاها عن شدة إلإهلاك الله لهم والإحاطة بهم إذ لا يفلت من قبضة عذابه أحد.

 (وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82)) تدبر قوله تعالى (إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) وهو حكاية لكلام المشركين في لوط. فحقيقة التطهر تكلّف الطهارة فلِمَ جاء الفعل على هذه الصيغة دون أن يقولوا إنهم أناس طاهرون؟ إعلم أن القوم لما تمردوا على الفسوق كانوا يعدون الكمال منافراً لطباعهم فلا يطيقون معاشرة أهل الكمال ويذمون ما لهم من الكمالات فيسمونها ثِقلاً. ولذلك جاؤوا بهذا الفعل على صيغة التهكم والتصنع والتأمل وهو مع ذلك كله تهكم بلوط ومن معه من المؤمنين.

 (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا (84)) لقد ضمن الله سبحانه وتعالى هذه الآية ما من شأنه أن يلقي في نفس السامع العظمة والرهبة لذات الله. فانظر إلى الفعل أمطرنا أسنده إلى ضمير الجمع جرياً على التعظيم والدلال لذاته جل جلاله. ثم نكّر (مطراً) للتعظيم والتعجب أي مطراً عجيباً من شأنه أن يكون مهلكاً للقرى. وجاء بالظرف (عليهم) للإستعلاء المفضي إلى التمكن والأخذ فالحرف (على) يفيد التمكن من الشيء خلافاً لـ (في) التي تفيد الظرفية. فلو قال وأمطرنا فيهم مطراً لما أفاد إهلاكهم إهلاك تمكّن. والآية في مجملها محمولة على الاستعارة التخيلية إذا علمت أن ما أصاب القوم هو الجمر والكبريت وليس ماء نازلاً من السحاب وقرينة ذلك كلمة (وَأَمْطَرْنَا) التي تؤذن بنزول شيء من السماء يشبه المطر وليس بمطر وإنما للعذاب.

 (قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا (88)) لقد آثر البيان القرآني أن يصف الملأ بالاستكبار دون الكفر مع أنه لم يحكِ هنا عن خطاب المستصعفين فهل لذلك الإيثار من عِلّة تدرج في بلاغة هذا البيان؟ نعم حتى يكون ذكر الاستكبار إشارة إلى أنهم استضعفوا المؤمنين كما اقتضت قصة ثمود. واختير وصف الاستكبار هنا لمناسبة مخاطبتهم شعيباً بالإخرج أو الإكراه على اتباع دينهم. وذلك من فعل الجبارين أصحاب القوة فاختيار القرآن لألفاظه يجري على نظم يجعل الآية في وحدة معنوية لا تتعارض معانيها.

 (لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا (88)) لاحظ قوله تعالى على لسان قوم شعيب كيف جعلوا عودة شعيب إلى ملة القوم بأسلوب القسم فقالوا (لَتَعُودُنَّ) ولم يقولوا لنخرجنك من قريتنا أو تعودن في ملتنا وقد زاد هذا القسم الآية قوة لا تتأتى بدونه فتأمل كيف أرادوا ترديد الأمر بين الإخراج والعود في حيّز القسم لأنهم فاعلون أحد الأكريم لا محالة. وأنهم مصرون على إعادتهم إلى ملّتهم بتوكيد مؤذن بأنهم إن أبوا الخروج فإنهم سيُكرهون على العودة إلى ملة قومهم.

 (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ (96)) إنها صورة حسية متخيلة. وهذه الصورة تعمل عملها في الخيال لتترك في نفس السامع أو القارئ تذوقاً تاماً لمعناها فاستطاع البيان أن يستخدم سحر الإستعارة ليعبر عن إعطاء الخيرات لأهل الإيمان والتقوى فيشبه البركات بالبيوت التي تفتح أبوابها وقرينة ذلك قوله (لَفَتَحْنَا) فتعدية فعل (فتح) إلى البركات هنا إستعارة مكنية للانتفاع من بيوت البركة المحتجزة في السماء والأرض.

 (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ (97) أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99)) الكلام في الآيات مسوق للتعجب من حال أهل الكفر في أمنهم لمجيء البأس. ولكنه يطالعك تقييد هذا التعجب بوقتي البيات والضحى وبحالي النوم والتعب هل يعني ذلك أن عذاب الله وبأسه لا يجيء في غيرهما من الأوقات؟ في الواقع أن الوقتين أجدر بأن يحذر حلول العذاب فيهما لأنهما وقتان للدعة والراحة. فالانسان يكره أن ينغِّص عليه وقت راحته فكيف إذا علم مسبقاً أن هذا الوقت هو مدعاة للعذاب والغضب؟ لا شك أنه سيجعله وقت راحة ولكنه خالٍ من المعصية.

 (وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ (100)) ألا تجد أن الأولى ظاهراً أن يكون الزمن بصيغة الماضي فيكون وطبعنا على قلوبهم بدل (وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ)؟ بَيْد أن البيان الإلهي جاء بالفعل المضارع وما ذاك إلا ليدل على استمرار هذا الطبع وازدياده آناً فآناً. ثم داء بالفعل (لاَ يَسْمَعُونَ) وكان السامع ينتظر أن يقال لا يعقلون فعدل القرآن عن المنتظَر وعبّر عن عدم تعقل الآيات وتدبرها بعدم السمع وهو أول درجات تلقي الآيات. فشبّه حال إعراضهم عن تدبر ما ينزل من الآيات بحال من لا يسمع فالآيات لا تصل إلى أسماعهم وبالتالي فلن تصل إلى قلوبهم من باب أولى.

 (يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (112)) إنه من المحال في ذلك الوقت أن يجتمع كل السحرة لدى فرعون فعلام دلت كلمة (كل) الغارقة في الاستغراق والشمول؟ ولِمَ كان الطلب بجمع السحرة كلهم لا بعضهم؟ ما هذا الإستعمال إلا من باب البلاغة فكلمة (كل) مستعملة في معنى الكثرة فيصير المعنى بها أي بجمعٍ عظيم من السحرة يشبه أن يكون جميع ذلك النوع واستعمالها هنا يؤذن بشدة ما جاء به موسى على فرعون وملئه فطلبوا أن يجابه بأعظم مما جاء باجتماع كل السحرة لديهم.

 (وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120)) تلقي الآية ظلالاً لا يمكن للسامع أن يتحصل عليها لو أنه قال "فسجدوا لرب العالمين" وإنما قال (وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ) فحقيقة الإلقاء تستعمل في سرعة الهوي إلى الأرض فيكون المعنى أنهم لم يتمالكوا أنفسهم فسجدوا دون تريث ولا تردد. وساعد على ذلك بناء الفعل للمجهول لظهور الفاعل وهو "أنفسهم" فيصير المعنى "وألقوا أنفسهم على الأرض ساجدين" وخص السجود هنا لما فيه من هيئة خاصة لإلقاء المرء نفسه على الأرض وذلك بقصد الإفراط في التعظيم.

(إِنَّ هَـذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123)) جاءت هذه الآية حكاية على كلام فرعون للسحرة المؤمنين وكلامه مسوق هنا للتوبيخ والإنكار والوعيد. وختم البيان الإلهي الآية بجملة حُذف مفعولها وهي (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) وما ذلك إلا لقصد الإجمال وإدخال الرعب في قلوبهم وكلام فرعون هذا مؤذن بعجزه فإنه لما أعجزته الحجة صار إلى الجبروت والظلم.

(وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127)) للسائل أن يسأل لِمَ لم يعبِّر الله في هذه الآية إلا بقوله (وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ) ولم يقل وإنا لهم لقاهرون؟ إن الظرف (فوقهم) في الآية مستعمل مجازاً في التمكن من الشيء وكلمة (فوقهم) مستعارة لاستطاعة قهرهم لأن الإعتلاء على الشيء أقوى أحوال التمكن من قهره فهي إذن صورة تمثيلية.

(فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ (131)) تمعن في روعة النظم الإلهي فلو تدبرت التقابل البديع الحاصل في الآية لوقفت خاشعاً في تحراب الله تعالى. فانظر كيف عبّر في جانب الحسنة بالمجيء في حين عبّر في جانب السيئة بالإصابة لأنها تحصل فجأة من غير رغبة ولا ترقب. وفي التعبير عن السيئة بـ (تُصِبْهُمْ) دقة لا متناهية فالإصابة وحدها توحي بالسوء فكيف إذا عدّ الإصابة بالسيئة فهو ألم فوق ألم.

(فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132)) لو قال آل فرعون صيغة غير التي حكيت عنهم لتأملنا منهم خيراً لكنهم صاغوا كلامهم على أعلى درجالت المبالغة في الكفر بموسى وآياته. فاسمع لقولهم (فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) وتأمل هذه الأمور: أولاً الجملة الإسمية وما تحتوي من الدلالة على ثبوت الإنتفاء ودوامه. ثانياً بما تفيده الباء الزائدة من توكيد هذا النفي (بمؤمنين) ألا ترى أن الباء يمكن أن تُحذف فذكرها فيه توكيد. ثالثاً قدّموا (لك) على متعلقه (بمؤمنين) ليؤكدوا رفضهم للإيمان بما جاء به موسى عليه السلام فهل ثمة تعنُّتٌ أشدُّ من هذا؟!

(فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ (133) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ (134)) تُرى ما هو المراد بالرجز في الاية الثانية؟ إنه مرض الطاعون لكن لسائلٍ أن يسأل لم لم يذكر في عداد الآيات المفصلات في الآية السابقة حين قال (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ)؟ كانت بلاغة القرآن تقتضي أن يستقل الرجز بالذكر تخصيصاً له فالآفات السابقة حلّت على بيئتهم ويمكن الإحتراز منها أما مرض الطاعون فقد كان شديداً لا مفر منه ولذلك عدّى وقوعه بـ (عليهم) دون (فيهم) لما تدل كلمة (عليهم) من تمكُّن ذلك المرض منهم. ولا أدلّ على شدته وعِظَمه من أنه ألجأهم إلى الاعتراف بآيات موسى والإقرار بربّه.

(فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ (138)) انظر إلى قوله تعالى (أَصْنَامٍ لَّهُمْ) فلِمَ اختار طريق التكير في (أصنام) ثم وصفها بأنها (لهم) ولم يقل أصنامهم؟ ما ذاك إلا للحط من شأن هذه الأصنام ولذلك نكّر (أصنام) للدلالة على أنها مجهولة. فالتنكير يستلزم خفاء المعرفة وقال (لهم) دون أصنامهم ليبين صغر عقولهم فهم يعبدون ما هو ملك لهم ويجعلون مملوكهم إلههم.

(وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً (142)) إن المراد بالليالي في هذه الآية هي الليالي وأيامها فما السر في الاقتصار على ذكر الليلة دون اليوم؟ إنه مما لا شك فيه أن المواعدة كانت لأجل الانقطاع للعبادة والنفس في الليل أكثر تجرّداً للكمالات النفسية منها في النهار. إذ اعتادت النفوس الاستئناس بنور الشمس للاشتغال بالدنيا وينحطّ ذلك في الليل. فجلّ جلال الله في دقة نظمه وحسن اختياره.

(وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ (148)) انظر إلى هذه الفائدة اللطيفة في دقة اللفظ القرآني فانظر إلى قوله (عِجْلاً جَسَدًا) إذ لم يقل عجلاً جسماً وذلك لأن الجسد هو الجسم الذي لا روح فيه وهو خاص بجسم الحيوان إذا كان بلا روح. وبهذه الصفة (جسداً) إستطاع القرآن أن يسلب من السامع الدهشة التي تصورها من تحويل قوم موسى الحُليَّ عجلاً فهم صنعوا هذا العجل لكن لا روح فيه.

(وَلَمَّا سُقِطَ فَي أَيْدِيهِمْ (149)) هذه كلمة أجراها القرآن مجرى المثل إذ نظمت على إيجاز بديع وكناية بارعة. فإنك تعلم أن اليد تستعمل للقوة والنصرة فبها يضرب بالسيف وبها تحرك الأشياء وهي آية القدرة. وقد استعملت في الآية بمعنى الندم وتبين الخطأ. ففي الآية تمثيل بحال من سُقط في يده حين العمل أي تعطلت حركة يده بسبب غير معلوم دخل بها فصيرها عاجزة وهذا كناية عن الفجأة والدهشة.

(وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ (150)) انظر إلى هذه الزيادة في قوله تعالى (مِن بَعْدِيَ) فالخلافة أصلاً تفيد البعدية فلماذا آثر البيان ذكر (مِن بَعْدِيَ) عقب (خَلَفْتُمُونِي)؟ ما ذلك إلا للتذكير بالبون الشاسع بين حال الخلف وحال المخلوف عنه. وتصوير فظاعة ما خلفوه به أي بعدما سمعتم مني التحذيرمن الإشراك والتحذير من تقليد المشركين وقع منكم ذلك الضلال؟!

(وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ (154)) في هذه الجملة القرآنية صورة بلاغية تشهد للنظم القرآني تفننه في ألوان البلاغة فقد شبه القرآن الغضب وفورانه في نفس موسى بشخص مرتفع يغريه بالانفعال ويدفعه إلى أفعال تطفئ ثورة هذا الغضب.

(قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ (157)) انظر إلى رحمة الله تعالى المنزلة على عباده. فقد عبّر عنها بالكتابة وأعرض عن لفظ العطاء فقال (فَسَأَكْتُبُهَا) ولم يقل فسأعطيها، أتعلم لم قال ذلك؟ لأن الكتابة قيدٌ للعطاء المحقق حصوله المتجدد مرة بعد مرة. فالذي يريد تحقيق عطاء يتجدد في المستقبل يكتب به في صحيفة ليصونه عن النكران ويصونه من النقصان والرجوع. وتسمى الكتابة عهداً والله لا يخلف عهده سبحانه وتعالى. ولو كان العطاء لمرة واحدة لم يحتج للكتابة كقوله (إلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا (282) البقرة).

(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ (157)) لو وصفت رجلاً بأنه أمي لكان ذلك نقصاً فيه لكن الله في نظمه البليغ وقرآنه البديع جعل من هذه الصفة كمالاً وزيادة تشريف لشخص نبيّه الكريم عليه الصلاة والسلام. فأين وجه الكمال والتشريف في صفة الأميّة؟ إعلم أن الله أراد بذلك إتمام الإعجاز العلمي والعقلي الذي أيّد به نبيه فجعل الأمية وصفاً ذاتياً له لتكون بذلك آية على أن ما حصل له إنما هو من فيوضات إلهية. وبذلك كانت الأمية وصف كمال فيه مع أنها في غيره وصف نقصان.

(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ (158)) لعلك تسأل نفسك طالما أن المخاطبين هم بنو إسرائيل وهم أهل توحيد فلم يورد القرآن هذه الصفات الثلاث لله عز وجل وهم يقرون بها؟ إنما جيء بهذه الصفات لتذكير اليهود ووعظهم حيث جحدوا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وزعموا أن لا رسول بعد موسى واستعظموا دعوة محمد وكانوا يعتقدون أن موسى لا يشبهه رسول فذكرهم الله بأنه هو وحده مالك السموات والأرض وهو واهب الفضائل فلا يستعظم أن يرسل رسولاً ثم يرسل آخر فالمُلك بيده. وفي ذكر الإحياء والإماتة تذكير لهم بأن الله يحيي شريعة ويحيي أخرى فلا تعجب إذن من ذكر هذه الصفات في هذا الموضع لأن القصة أعظم.

(وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (160) وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ (161)) لا بد وأنك قرأت نظير هذه الآية في سورة البقرة لكنك مع التطابق الكبير ترى هذا الاختلاف البسيط في الضمائر فهنا استعمل ضميري الغيبة (وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ) (وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) وفي آية البقرة استعمل ضميري الخطاب (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ (57)) وما ذاك إلا بقصد التوبيخ في الخطاب وبقصد عرض المِنّة وعرض العبرة في قصة بني إسرائيل في الغيبة وزاد على ذلك أنها عادة القرآن في تغيير أسلوب القصص استجداداً لنشاط السامع وذهنه.

(واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ (163)) سوف تجد إذا ما استعرضت القصة أن أسلوب الخبر قد تغير من الطلب إلى الإخبار فابتدأ هنا بطلب أن يسأل سائل بني إسرائيل  لحاضرين عنها فقال (واَسْأَلْهُمْ) فهل لهذه القصة شأن غير شأن القصص الماضية؟ نعم، ففي هذا التعبير إيماء إلى أن هذه القصة ليست كما كتبت في توراة اليهود لأن كتب أنبيائهم حرّفت وغُيّرت ولكن أحبارهم يعلمون حقيقة ما جرى مع أسلافهم ولذلك افتتحت بسؤالهم بصيغة الأمر (واَسْأَلْهُمْ) لإشعار يهود العصر النبوي بأن الله أطلع نبيه صلى الله عليه وسلم وهم كانوا يكتمونها فعلمه الله من أحوالهم ما فيه معجزة لأسلافهم.

(إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً (163)) تأمل هذا التمثيل الرائع في تصوير إتيان الحيتان شُرّعاً. فحقيقة الشروع إنما تطلق لإتيان الإبل والنعم نحو الماء لتشرب وفي هذه الكلمة إضافة لمسة فنية على البيان القرآني لتمثيل حالة الحيتان في كثرتها واصطفائها بحال الإبل إذا شرعها الرعاة تسابقت إلى الماء فاكتظت وتراكضت وهذا شأن الحيتان هنا فهي لا تأتي إلى الشط وحسب بل وتتسابق في الإجتماع حتى تملأ المكان وتغري الصُياد بأخذها.

(وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ (167)) تأمل دقة اللفظ القرآني الذي ينقلك إلى جو الحدث والقصة ويضعك أمام أحداثها فالله جل جلاله قال (لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ) ولم يقل ليرسلن إليهم ليدل على تمكن من يسومهم سوء العذاب من رقابهم فحرف الجر (عليهم) يدل على التمكن والفوقية وزاد الفعل (لَيَبْعَثَنَّ) الأمر وضوحاً فهو فعل مضارع يدل على التجدد في أوقات مختلفة ولكنه لا يقتضي الإستمرار يوماً فيوم فهم قد ذاقوا ألوان العذاب حيناً بعد حين وإن لم يستمر فيهم.

(وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا (169)) قال بنو إسرائيل سيغفر لنا ولم يقولوا سيغفر الله لنا مع أنهم يعلمون أن المراد هو الله فلِمَ بنوا الفعل للمجهول وقالوا (سَيُغْفَرُ)؟ أرادوا بهذا البناء العموم في المغفرة لا في خصوص الذنب الذي أنكر عليهم ولذلك حذفوا نائب الفاعل أيضاً فلم يقولوا سيغُفر لنا ذنبنا وما الباعث على ذلك إلا اعتقادهم الخاطئ بأن ذنوبهم كلها مغفورة دون سبب المغفرة من توبة وإنابة واستغفار.

(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا (172)) قد يظن الظانّ أن حرف الجر (بلى) مساوٍ لـ (نعم) وهذا خطأ شائع. فلو أجابت الأنفس بـ (نعم) لكان ذلك كفراً، فكيف ذلك؟ إن الحرف (بلى) هو حرف جواب لكلام فيه معنى النفي فيقتضي إبطال النفي وتقرير المنفي. أما الحرف (نعم) فهم يحتمل تقرير النفي وتقرير المنفي. فلو قال المرء لصديقه (ألست صديقك؟) فأجابه بـ (نعم) لكان المعنى لا لست صديقي وأما (بلى) فيعني بل أنت صديقي.

(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175)) تأمل هذا اللفظ الذي يرسم لك صورة متكاملة. فكلمة (فَانسَلَخَ) ترسم صورة عنيفة قاسية للتخلص من آيات الله بظلِّها الذي تلقيه في خيال القارئ لأن الإنسلاخ حركة حسّية قوية. ونحن نرى هذا الكافر ينسلخ من آيات الله انسلاخاً، ينسلخ كأنما الايات أديم له متلبس بلحمه فهو ينسلخ منه بعنف وجهد ومشقة انسلاخ الحي من أديمه اللاصق بكيانه.

(فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ (175)) هذه صورة أخرى تلتصق بأختها لتكمل سلسلة الخيال في الآية. فهي حركة إنسان ضالٍ انسلخ عن آيات الله وسار في طريق الضلال فتبعه الشيطان بهدف غوايته حتى لا يفكر في العودة إلى الآيات التي انسلخ عنها وخلّفها وراءه.

(وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179)) انظر إلى قوله (أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ) جعلها الله كلمة مستأنفة وابتدأ بها الكلام لتصوير فظاعة حالهم ولتكون أدعى للسامعين. ثم جيء باسم الإشارة (أُوْلَـئِكَ) لزيادة تمييزهم بتلك الصفات وللتنبيه على أنهم أحرياء بما سيذكر من تسويتهم بالأنعام أو جعلهم أضل من الأنعام. ثم أتبع ذلك بـ (بل) فقال (بَلْ هُمْ أَضَلُّ) للانتقال والترقي في التشبيه بالضلال ووجه كونهم أضل من الأنعام أنها لا يبلغ بها الضلال إلى إيقاعها في مهاوي الشقاء الأبدي.

(يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (187)) صيغ الكلام في الآية على الاستعارة فما من شك أننا نعلم أن الإرساء إنما يطلق للسفينة إذا استقرت في الشط. وأطلق هنا على الساعة تشبيهاً لوقوع الأمر الذي كان مرتقباً أو متردداً فيه بوصول السائر في البحر إلى المكان الذي يريده. فالساعة تقترب كلما مضى يوم حتى تبلغ النهاية كما أن السفينة تقترب كلما مر يوم وهي تسير حتى تبلغ منتهاها ومرساها في الشط.

(قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ (188)) لو عدت إلى الآية القائلة (قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا (76)) في سورة المائدة لوجدت تقديم النفع في هذه الآية وتأخيره هناك فهل لذاك عِلّة توخاها بيان الله؟ الحقيقة نعم فإن الله قدم النفع على الضر هنا لأن النفع أحب إلى الإنسان وعكسه في سورة المائدة لأن المقصود هناك تهوين أمر معبوداتهم وأنها لا يُخشى غضبها فلئن كانت على جلب الضر عاجزة فهي لتقديم النفع أعجز. أما هنا فقدّم النفع على الضر لأنه يريد أن يبين لهم أنه لا يملك النفع لنفسه مع أن الإنسان يسعى أبد الدهر لينفع نفسه فكيف يملك ضُرّ ذاته؟!

(وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)) لنحاول أن نتبين سبب تقديم (النذير) في الآية مع كثرة الآيات التي جاءت على تقديم البشير فلا بد لها من غاية ترتجى. إعلم أن المقام هنا خطاب المكذبين المشركين لذلك قدمت النذارة على البشارة لأنها أعلق بهم.

(أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا (195)) لسائل أن يقول طالما أن الرجل وسيلة المشي واليد وسيلة البطش والعين للبصر والأذن للسمع فلِمَ جيء بهذه الأوصاف بعد هذه الآلآت؟ أتى بيان الله بهذه الأوصاف لسببين: الأول لزيادة تسجيل العجز على الأصنام والثاني لأن بعض الأصنام كانت محمولة على صدر الآدميين كهُبل وسواع ولئن كان لها صور الأرجل والأعين ولكنها عديمة العمل والفائدة.

(إِنَّ وَلِيِّـيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (196)) لقد أعرض البيان الإلهي عن كل صفات الله وأجرى الصفة بالموصولية في إنزال الكتاب فقال (إِنَّ وَلِيِّـيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ) وفي ذلك تلميح بأن إنزال الكتاب على النبي صلى الله عليه وسلم وهو الرجل الأميّ لأعظم دليل على توليه واصطفائه.

(خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199)) إنك تعلم أن حقيقة الأخذ هي تناول الشيء للانتفاع به فكيف جعل القرآن العفو شيئاً يؤخذ وأنت تعرف أن الإنسان إذا أخذ شيئاً أمسك به كاملاً دون إفلات شيء منه. ذلك لأن الله يريد أن يكون العفو مملوكاً لك دون تفريط بأي جزء منه.

(وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ (200)) بُني الكلام في الآية على التخيل لصور

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل