كيف نقرأ ونستمع لسورة البقرة؟ د. عصام العويد

كيف نقرأ ونستمع لسورة البقرة ؟

د. عصام العويد 

سورة البقرة من عظائم سورة القرآن العظيم ويكفي أنها متضمنة لأعظم آية فيه، والأحاديث والآثار في فضلها مستفيضة بل متواترة، وكان في زمن الصحابة من قرأ سورة البقرة على طريقة السلف بالتدبر والامتثال يعدونه من الأحبار.  

وسورة البقرة من صعائب وشدائد سور القرآن فهي سورة ثقيلة متينة فيها المحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ والحربي والسلمي ولذا ثبت عن عمر رضي الله عنه أنه تعلمها في اثنتي عشرة سنة فلما ختمها نحرا جزورا. وكان ابن مسعود رضي الله عنه يسميها: سنام القرآن. إشارة إلى علوها وصعوبة الوصول إليها، والآثار في هذا المعنى كثيرة، ومع هذا يريد الواحد منا في زمن نقص العلم وضعف الآلة ان يتعلمها في أيام ويستكثر عليها حتى أشهرا معدودة.

ولفهم هذه السورة العظيمة ألخص أبرز ما ينبغي تعلمه منها:

 فأولا: حزبها "موضعها المكاني من القرآن"

هي أول حزب السبع الطوال ــ من البقرة حتى التوبة باعتبار الأنفال والتوبة سورة واحدة ــ وهو ثاني أحزاب القرآن فضلا بعد المفصل، وموضوع الحزب كله يدور حول ثلث الأحكام فالقرآن ثلاثة أثلاث: توحيد وأحكام وأخبار، وغالب هذه الأحكام تتعلق بحفظ الضرورات الخمس: الدين والنفس والعقل والعرض والمال، وبحفظها يتحقق الاستخلاف بالأرض المذكور في مطلع سورة البقرة، ولذا والعلم عند الله كان أول أمر في هذا الحزب بالتوحيد وهو أسّ الدين"يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ" وأول نهي عن الشرك "فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا" [البقرة: 21،22] وآخر أمر هو بالقتال الغليظ الذي به يتحقق تمام حفظ الضرورات"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً" [التوبة: 123]

 ثانياً: متى نزلت "موضعها الزماني"

وهي مدنية باتفاق المفسرين، بل حكى ابن حجر في الفتح الاتفاق على أنها أول سورة نزلت بالمدينة

ومن هذين الموضعين الزماني والمكاني يتبين أن السورة نزلت في بدء قوة الدعوة وتكوين الدولة وتأسيس الشريعة الحاكمة الحافظة لضرورات الحياة، وصاحب ذلك الاحتكاك ببني اسرائيل وباليهود بصفة أخص.

 ثالثاً: مقصودها وسبب تسميتها

ومقصودها يُستدل عليه من اسمها: فهي في تعظيم أمر الوحي وبيان موقف الناس منه ومآل كل فريق، فهي جاءت تحذر هذه الأمة المحمدية من سلوك جادة اليهود في موقفهم من أوامر ونواهي أنبيائهم كما جرى من أصحاب البقرة مع نبيهم موسى عليه السلام، فهي سورة أوامر ونواهي قال ابن العربي في ( أحكام القرآن ): سمعت بعض أشياخي يقول: فيها ألف أمر، وألف نهي، وألف حكم، وألف خبر.

فلتحذر هذه الأمة في موقفها من هذه الأحكام طريق المغضوب عليهم، فأمة محمد صلى الله عليه وسلم إن فهمت أوامر ونواهي (البقرة) فامتثلت نجت، وإن أعرضت لا تدري ماذا تقرأ ولا تستجيب لما تسمع فالعاقبة هي نفس عاقبة أصحاب البقرة (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة..).

 رابعاً: فضائل السورة  

فضائل سورة البقرة كما في النصوص النبوية والآثار السلفية تدور على أمور ثلاثة:

1-    الوقاية والعلاج من أمراض الشياطين النفسية والعضوية بالسحر والعين ونحوها ففي صحيح مسلم "اقرؤوا البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة" وغيره من الأحاديث

2-    الشفاعة في الآخرة ففي صحيح مسلم أيضا " يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به، تقدمهم سورة البقرة وآل عمران ". وضرب لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد، قال: " كأنهما غمامتان أو ظلتان سوداوان بينهما شَرْق، أو كأنهما فرْقَان من طير صَوَاف يُحَاجَّان عن صاحبهما ".

3-    سعة احاطتها بالأحكام وهذا جاء عن السلف كثيرا وهو ظاهر بأدنى تأمل، وكان خالد بن معدان يسمي البقرة: فسطاط القرآن. أي مجمع أحكام القرآن كحال المدينة التي تجمع الناس ويُقال عنها فسطاط.

وهذه الفضائل تبين أن آيات السورة لها خصيصتان فهي: جامعة للأحكام حافظة للأرواح والأبدان

ولما كان اليهود أكثر الأمم جحدا وإخفاء للأحكام واكثرها إضرارا وحسدا للناس في الأرواح والأجسام تكرر ذكرهم في سورة البقرة فاضحةً خبايا أحقادهم كاشفةً مكرهم وطرائق كيدهم محذرةً من سلوك طريقهم ببيان مآل أمرهم.

خامساً: أمثال سورة البقرة

فيها عشرة أمثال وهذا من فرائدها دون بقية السر، وفهم الأمثال من أصعب علوم القرآن، وهذه الأمثال العشرة هي: خمسة أمثال وهي الأولى منها وتسمى: المثل الناري والمائي والحجري ومثل البعوضة ومثل الناعق، وجميعها في موقف الناس من الوحي، وأربعة منها في المال والنفقة وهي الآيات: 261 و 264 و265 و 275، وواحد في المنافق وهي الآية: 266.

والبدء بالمثل الناري للوحي قبل المائي هو الأليق بطبيعة السورة التي من مطلعها جاء الخطاب قوياً حازماً متحدياً فجاء المثل مذكرا بما في الوحي من وعد ووعيد مشابهاً في ذلك طبيعة النار التي فيها الإضاءة والإحراق معاً.

سادساً: قصص سورة البقرة وهي تسع قصص على سبيل الإجمال

- قصة استخلاف آدم عليه السلام في الأرض، وقد عصى الأمر ثم أناب.

- قصة موسى عليه السلام مع بني اسرائيل وفيها عدد من الوقائع وأبرزها قصة البقرة، وقد تعنتوا في طاعة الأمر فقست قلوبهم.

- قصة هاروت وماروت. وفيها مقابلة وحي الله بوحي الشيطان وهو السحر.  

- قصة بناء ابراهيم عليه السلام للبيت العتيق. وفيها التسليم ببناء البيت في مكان قفر.

- قصة تحويل القبلة. وعلاقتها بالتسليم للوحي ظاهرة جدا.

- قصة طالوت وجالوت، ولم يكن طالوت أهلا للملك في ظن يهود لكن هكذا جاء الوحي.

- قصة ابراهيم عليه السلام والنمرود، وهي في الاحتجاج للوحي على من أنكره.

- قصة الذي مرّ على قرية، وهي في تصديق خبر الوحي بالبعث.  

- قصة ابراهيم عليه السلام واحياء الموتى، وهي فيما يعرض للمؤمن من المثبتات على الوحي ليطمئن قلبه بها.

سابعاً: قواعد الأحكام الكبرى كلها مسطرة في سورة البقرة

فأصول أحكام الصلاة والزكاة والصيام والحج والنكاح والطلاق والعدة والبيوع والتفقة والجهاد والحدود والوصايا والمداينة كلها مما جاء بيانها في آيات سورة البقرة.   

وهذه نماذج من ذلك:

- الأصل في العادات الحل "هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا" [البقرة: 29]

- الابتعاد عن الألفاظ المحتملة إلى الألفاظ المحكمة واجب "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا" [البقرة: 104]

-النسخ بمعناه عند السلف الذي يشمل التخصيص والتقييد والتفصييل هو من شرع الله" مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا"  [البقرة: 106]

- قاعدة في التعامل مع أهل الكتاب "وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ" [البقرة: 120]

- تحريم الحلال كتحليل الحرام " يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ " [البقرة: 168] أي في تحريم الحلال.

- حكم الحاكم لا يحل الحرام " وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ"  [البقرة: 188]

- الظلم محرم حتى في حق الكافر المقاتل "وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا" [البقرة: 190].

- الحرج يرفع التكليف " لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا"  [البقرة: 233]

- النسيان يرفع الإثم " رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا" [البقرة: 286]

وغيرها كثير جدا،،

ثامناً: معقد السورة هو أن الإيمان رتبةً وتربيةً يكون قبل الأحكام

فالسورة بدأت بالإيمان (الذين يؤمنون...) وختمت بالإيمان (آمن الرسول...) وبينهما آلاف الأحكام الآمرة والناهية تتخلها آيات التوحيد وأعظمها آية الكرسي لتظهر الدلالة واضحة أن الإيمان يجب أن يكون أولا وآخرا، وأن الانشغال بالأحكام عن الإيمان خطأ كبير وضلال عن هدي هذه السورة العظيمة التي هي رأس سور الأحكام.  

ومن خالف ذلك في تربيته لنفسه أو غيره فقد مهد لمعصية الأمر وركوب النهي لأن الوحي طرق على محل فاسد.

وختام السورة أيضا في التسليم للوحي وأن مآله إلى خير وفي خير وأن الشر كله في الاعتراض على الوحي المنزل بالأراء البشرية الكاسدة، وهو مما يؤيد مقصد السورة الذي سبقت الإشارة إليه في أول المقال، ويوضح ذلك ما ثبت في صحيح مسلم عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة، قال: لما أنزل اللّه: { وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ } اشتد ذلك على أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بَرَكُوا على الركب، وقالوا: أى رسول الله ! كُلِّفْنَا من العمل ما نُطِيق: الصلاة، والصيام، والجهاد، والصدقة؛ وقد نزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا ؟ قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير )، فلما قرأها القوم وذَلَّتْ بها ألسنتهم أنزل الله فى أثرها: { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ } [ البقرة: 285 ] فلما فعلوا ذلك نسخها الله، فأنزل اللّه: { لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } قال: ( نعم )، { رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا } قال: ( نعم )، { رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ } قال: ( نعم )، { وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ } [ البقرة: 286 ]، قال: (نعم).

فمطلع السورة وختماها في موقف الناس من الوحي ما بين: مصدق ومكذب ومنافق، والعلم عند الله  

والناس في موقفهم من سورة البقرة على ثلاثة أصناف:

صنف قارئ لها متدبر لمعانيها ممتثل لوامرها فهذا أشبه الناس بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.

وصنف قارئ لها عارف بمعناها مخالف لأحكامها فهذا فيه شبه من اليهود المغضوب عليهم.

وصنف قارئ لها جاهل بمعانيها وأحكامها ففيه شبه من النصارى الضالين.

نسأل الله أن يجعلنا جميعا ممن هداهم إلى صراطه المستقيم وجنبهم طريق المغضوب عليهم والضالين، آمين آمين.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم،،

 

كتبه / عصام بن صالح العويد

كلية أصول الدين بالرياض

ليلة الخميس الثاني من رمضان لعام 1434 هـ

 

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل