وقفات تدبرية مع سورة العصر - د. ناصر العمر

سورة العصر

(ليدبروا آياته – د. ناصر العمر)

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

قال عنها الإمام الشافعي رحمه الله "لو ما أنزل الله على خلقه حُجّة إلا هذه السورة لكفته" وقال إن الناس لفي غفلة عن هذه السورة.

قيل إن اسمها (والعصر) وقيل (العصر) بدون واو القسم وهذا هو المشهور

ورد في فضلها حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم كما أخرج الطبراني "كان الرَّجُلانِ من أصحابِ النبيِّ إذا التَقَيا لمْ يَفْتَرِقَا حتى يقرأَ أحدُهُما على الآخَرِ (والعَصْرِ إِنَّ الإنسانَ لَفي خُسْرٍ)، ثُمَّ يُسَلِّمَ أحدُهُما على الآخَرِ) صححه الألباني في السلسلة الصحيحة.

السورة مكية بقول الجمهور وقيل إنها مدنية

وقفات مع معاني السورة:

العصر المراد به الدهر أي أن الله أقسم بالدهر وقيل أنه جزء من الدهر أي العشيّ وقيل إنه وقت صلاة العصر بل قيل إن المقصود بع عصر النبي صلى الله عليه وسلم لشرفه والراجح أنه الدهر والوقت والزمن. الله أقسم بالعصر ولا يقسم الله جل وعلا بشيء إلا لأهميته.

(إن الإنسان) الإنسان قيل الكافر وقيل جنس الإنسان وهذا هو الراجح. (إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا) الله جلّ وعلا استثنى من الإنسان الذين آمنوا فمعناه أنه مراد بالإنسان. إذن القول أنه الكافر هو قول لبعض المفسرين ولكن يترجح أنه كل إنسان.

(لفي خسر) الخسر هو الهلاك والبوار

(إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) استثناء. الإيمان هو الإيمان المعروف وتظهر آثاره على الجوارح (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) (وتواصوا بالحق) قيل هو التوحيد وقيل هو القرآن وقيل هو التواصي بالله جلّ وعلا. (وتواصوا بالصبر) ما هو الصبر؟ قال العلماء الصبر على ثلاثة أنواع:

1.      صبر على طاعة الله

2.      صبر عن معاصي الله

3.      صبر على أقدار الله

فيصبر الإنسان على طاعة الله (استعينوا بالصبر والصلاة) ويصبر على الصيام ولذلك يسمى شهر الصبر، هذا صبر على طاعة الله. صبر على الحج على الجهاد، طاعة الله تحتاج إلى صبر. وصبر عن معصية الله أي أنك تصبّر نفسك ألا تقع في المعصية، هذا يحتاج إلى نوع من الصبر حتى لا تقع في المحرّم يحتاج إلى مجاهدة (والذين جاهدوا فينا  ) والمجاهدة نوع من الصبر. وصبر على أقدار الله أي يصبر الإنسان على أقدار الله جلّ وعلا الكونية فلا يسلم أحد من وقوعه في قدر وهذا لا بد من توطين النفس فيه وعليه، كثير من الناس يتضجرون. مرّ النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة عند قبر ابنها ووجدها تبكي فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا أمة الله اصبري واحتسبي – وهي ما كانت تعرف أنه النبي صلى الله عليه وسلم – فقالت له أنت لم تصب بمصيبة، فتركها النبي صلى الله عليه وسلم ولم يغضب عليها وهذا من رفقه وحكمته صلى الله عليه وسلم ثم ذهب إلى بيته فقيل لها هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهبت إليه وقالت ما علمت أنك رسول الله اعذرني بالجواب غير المناسب لك فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم كلمة جامعة مانعة: إنما الصبر عند الصدمة الأولى (وفي رواية عند أول صدمة). إذن الصبر يكون أول ما تقع المصيبة أما بعد أن يخرج الإنسان عن حدود الله ثم يقول أصبر! هذا لا يعني أنه لا يحزن الحزن المشروع أو تدمع عينه "إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن" هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم عندما مات ابنه ابراهيم. الصبر عدم التضجر وعدم التعدي على حدود الله (وتواصوا بالصبر).

وقفات تدبرية مع سورة العصر:

أن الله جلّ وعلا يقسم بما شاء من خلقه يقسم بالعصر، بالضحى، بالليل لكن لا يجوز لمخلوق أن يُقسم بغير الله حتى لو كان النبي صلى الله عليه وسلم. القسم يجب أن يكون باسم من أسماء الله أو صفة من صفاته. والقسم بغير الله شِرك.

لا بد من التواصي بالحق والتواصي بالصبر. من يريد أن ينجو لا بد له من أربع أشياء وإلا فهو في خسر وبوار:

إيمان يقرّ في القلب (الذين آمنوا)

وتظهر آثاره على الجوارح (وعملوا الصالحات) وليس إيماناً في القلب فحسب، فرعون يُوقن بالله جلّ وعلا (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا (14) النمل) ابليس يؤمن بالله ولذلك سأل الله جلّ وعلا لكن لما تظهر على الجوارح فالنتيجة تكون (وعملوا الصالحات) وليس كما هو مذهب بعض المبتدعة أنه في القلب فقط! إذا لم تصلي، لم تصم، لم تحج، لم تظهر عليه أركان الإسلام فلا ينفع مجرد النيّة. الإيمان تصديق لا بد أن تظهر آثاره على الجوارح وهو اعتقاد بالجَنان ونطقٌ باللسان وعملٌ بالأركان.

(وتواصوا بالحق) التواصي والتعاون. ما قال إلا الذي آمن وعمل صالحاً وإنما جاءت بصيغة الجمع (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) كلها جماعية ولذلك العمل الجماعي مشروع إذا كان وفق السنّة لكن أن تنشأ أحزاب باسم أحزاب إسلامية يحارب بعضها بعضاً فهذا لا يجوز (مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) الروم) أما العمل الجماعي وتعاون المسلمين (وتعاونوا على البر والتقوى) كيف يكون التعاون إن لم يكن العمل جماعياً؟ الصلاة جماعية، الجهاد جماعي لكن ألا يكون فيها تحزّب وافتراق وتفرّق قلوب.

 

(والعصر) أقسم الله بالدهر وهو الوقت ولا يقسم الله جل وعلا إلا بشيء عظيم. هل نحن فعلاً نحافظ على أوقاتنا ونحافظ على الثواني والدقائق؟ لماذا نفرّط في أوقاتنا؟ لماذا نفرّط في أعمارنا؟ هذه مسألة تساهل فيها الناس، ضاعت أعمارهم باللهو والعبث والنوم أو التوسع في المباحات، لا، وقتك محدود (والعصر) شأن عظيم. "لا تزول قدما عبدٍ حتى يُسألَ عن عمُرهِ فيما أفناهُ، وعن علمِه فيما فعل، وعن مالِه من أين اكتسَبه وفيما أنفقَه، وعن جسمِه فيما أبلاهُ" (الترمذي)



التعليقات

  1. islamiyyat علق :

    وجزاكم خيرا مثله أخي الكريم وشكر الله لك متابعة الصفحة

  2. الغامدي ff علق :

    جزاك الله خير ياشيخ وبارك الله فيك

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل