إشراقات قرآنية في سورة الضحى

إشراقات قرآنية في سورة الضحى

سورة الثلاثيات المتقابلة المتوافقة

(من كتاب إشراقات قرآنية  في جزء عم - د. سلمان العودة)

(تفريغ موقع إسلاميات)

 1.      (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴿٣﴾) يقابله قوله تعالى (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى ﴿٦﴾) فالذي آواه ربه منذ أن كان يتيماً هو في رعايته فلن يودّعه ولن يقليه أبداً.

2.      (وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى ﴿٤﴾) يقابله قوله تعالى (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى ﴿٧﴾). (وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى) كلُّ حالٍ لك يا محمد بعد البعثة فما بعدها خير منها وهذا يعني ترقّي النبي صلى الله عليه وسلم في مدارج الفضل ومعارج الكمال والعزة والرفعة فكل حال آتية هي أفضل مما قبلها. (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى ﴿٧﴾) الضلال هنا بمعنى الغفلة ولم يكن الضلال سوى عدم معرفة الطريق إلى إنقاذ الناس ودعوتهم وهدايتهم ثم هداه الله تعالى لذلك. وليس الضلال هنا اتباع الباطل لأن النبي صلى الله عليه وسلم وإن لم يكن عنده معرفة بالوحي ولا بالشريعة ولا بالكتاب قبل البعثة إلا أنه كان يتمسك بالفطرة السليمة وما تمنع عنه من الضلالات ولم يقع في الشرك الذي وقع فيه من حوله.

3.      (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴿٥﴾) يقابله قوله تعالى (وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى ﴿٨﴾) أغناه الله تعالى بمال خديجة رضي الله عنها لما تاجر لها بمالها وربح وأغناه بعد الفتح بأموال الغنائم ومع ذلك لم يعتبر هذا المال له إنما كان ينفقه في سبيل الله تعالى ويتصدّق به ولم يدّخر منه لنفسه شيئاً. وهذا الغنى من عطاء الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم كما وعده فيعطيه الرسالة والسمعة الحسنة والذكر الطيب والأصحاب الأفاضل والعلم الغزير والخُلُق العظيم والمجد والدولة والسلطان والشفاعة والكوثر والجنة والوسيلة التي لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وهو محمد صلى الله عليه وسلم ويعطيه ما لا يخطر على بال ولا يعلمه أحد ولا يحيط به عقل ولا يدركه خيال، ولهذا لم تحدد الآية نوع العطاء ليشمل كل عطاء (ولسوف يعطيك) لكن حددت الآية نهاية العطاء وهي الرضا (فترضى).

 1.      (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ﴿٩﴾) يتناسب مع قوله تعالى (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى ﴿٦﴾) وقد امتثل صلى الله عليه وسلم لهذا الأمر الإلهي والأحاديث في رعاية الأيتام والإحسان إليهم والعطف بهم كثيرة منها "أنا وكافل اليتيم كهاتين"  

2.      (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ ﴿١٠﴾) يتناسب مع قوله تعالى (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى ﴿٧﴾) ووجه التناسب أن السائل هنا هو طالب العلم الذي يسأل عن دينه ويريد الجواب. وإن كان السائل هنا هو الفقير الذي يطلب المال فالآية تتناسب مع قوله تعالى (وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى ﴿٨﴾) فكما أنه سبحانه وتعالى أغناك من غير سؤال فلا تنهر سائلاً يسألك وقد امتثل النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الأمر فكان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر وكان أكرم الناس وأجوَدَهم صلى الله عليه وسلم.

3.      (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴿١١﴾) يتناسب مع قوله تعالى (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴿٥﴾) أي أعطاك فرضيت فتحدَّث بنعمة الله تعالى عليك.

 تقديم لفظ اليتيم في الآية (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ) إشارة إلى الحفاوة والعناية لأن تقديم المعمول يُشعر بالتنبيه والاهتمام. وفيه الإشارة إلى أن مدار الشريعة يكاد أن يكون قائماً على حفظ حقوق الناس لأن اليتيم لا يجد من يأخذ حقه ويدافع عنه وكذلك قوله تعالى في الآية بعدها (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ ﴿١٠﴾) فإنه وصية بالضعفاء كما وصّى الرسول صلى الله عليه وسلم بحق المرأة وحق اليتيم، وهي وصية بحقوق الناس. إن مدار الشريعة على حفظ الحقوق حتى العبادات فيها معنى التربية على التزكية وتهذيب السلوك ولهذا قال سبحانه وتعالى في الصلاة (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ  (45) العنكبوت) وقال عن الزكاة (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا (103) التوبة) وقال عن الصوم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) البقرة) وقال عن الحج (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ (197) البقرة) وجماع ذلك كله حديث النبي صلى الله عليه وسلم " إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق".

 (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ) القهر يكون بالقول كالسبّ والشتم ويكون بالفعل كأخذ المال ويكون بالإشارة مثل الازدراء أو التحقير أو الإعراض أو الإهمال وهذا يتناسب مع قوله تعالى (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى ﴿٦﴾)  



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل