شخصيات قرآنية - الخضر

برنامج شخصيات قرآنية للدكتور عبد الحي يوسف

رمضــــــــــان 1434 هـ

الخضر

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه. أما بعد، ففي القرآن الكريم شخصية وصفه الله عزوجل بالعبودية والعلم ولم يسمها باسمها. وهي شخصية الخضر كما فسّر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الآيات. يقول الله عز وجلعن نبينا موسى عليه السلام (وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا ﴿ 60  فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا ﴿ 61  فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبًا ﴿ 62  قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ۚ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا ﴿ 63  قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ ۚ فَارْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصًا ﴿ 64  فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا ﴿ 65 الكهف)

هذه الآية تدل على أن الخضر عليه السلام كان نبيًا لأن الرحمة في القرآن تطلق على النبوة كما في قوله تعالى(وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ (85) القصص) وكما في قوله تعالى ) وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّك (32)الزخرف) وكذلك العلم الخاص الذي يؤتيه الله عز وجل الأنبياء كما في قوله سبحانه(وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُوَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (68)يوسف) وكما في قوله سبحانه (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ) النساء

يقول الله عز وجل (فَوَجَدَا عَبْداًمِّنْعِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةًمِّنْعِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُمِنلَّدُنَّا عِلْماً (65) الكهف) هذا الرجل المبارك تبعه موسى عليه السلام فكان من آثار هذه المتابعة أنه وجده نصيرًا للمستضعفين حين خَرَق تلك السفينة وعلّل ذلك الخرق بقوله (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ (79) الكهف) هذه السفينة كانت لناس مساكين يستعملونها وسيلة للاقتيات، للارتزاق، هي وسيلة رزقهم وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا. وكان من نتيجة تلك المتابعة أنه وجده إنسانًا رحيمًا بالمستضعفين ولذلك بادر إلى قتل ذلك الغلام لئلا يكون سببًا في فجور والديه(وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا(80)  فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا(81)  الكهف). ثم بعد ذلك وجده ساعيًا بالصلاح حين بنى ذلك الجدار في قرية كان أهلها لئامًا ما ضيفوهما ولا أطعموهما ثم علّل ذلك بقوله(وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) ثم قال (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا(82))هذه الأفعال كلها ما كانت اجتهادًا مني ولا ذكاءً صادرًا عني ولا على علم عندي وإنما بأمر ربي جلّ جلاله(وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا(82)  الكهف)

بعض الناس قد يخطر بباله أن الخضر أفضل من موسى وهذا ليس بصحيح لأنه لو كان الخضر وليًا فالنبي أفضل من الوليّ ضرورة ولا خلاف في هذا بين أهل الإسلام، وإن كان الخضر نبيًا فإن موسى عليه السلام نبيّ مكلَّم(وَكَلَّمَ اللَّهُمُوسَىٰتَكْلِيمًا (164) النساء) وهو من أولي العزم من الرسل وقد قال الله عز وجل له (إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي (144)الأعراف). كون الخضر عليه السلام قد آتاه الله علمًا ما كان عند موسى لا يقتضي ذلك أفضليته بدليل أن الهدهد قال لسليمان(أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) النمل) ولا يقول عاقل بأن الهدهد كان أفضل من سليمان ومثله أيضًا لما قال الحُباب بن المنذر رضي الله عنه: يا رسول الله أهذا منزل أنزلكه الله أم هي المكيدة والخديعة والرأي؟ قال بل هي الخديعة والمكيدة والرأي، قال: ليس هذا بمنزل، وأقرّه النبي صلى الله عليه وسلم على رأيه.

 

علينا أن نقرأ هذه القصة لنتعلم آداب طالب العلم كيف يتواضع لمعلمه، كيف يكون له تابعًا، كيف يصبر على ما يكون له من جفاء. أسأل الله أن يعلمنا علمًا نافعًا وأن يرزقنا عملًا صالحًا والحمد لله أولًا وآخرًا وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى جميع المرسلين والحمد لله رب العالمين.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل