تقريب فهم القرآن وتطبيق على سورة ق - د. عصام العويد

تقريب فهم القرآن وتطبيق على سورة ق

د. عصام العويد

(تفريغ موقع إسلاميات حصريًا)

كلما أكلت طعاماً أو شربت شراباً تذكر وتأمل قوله تعالى (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ﴿٢٤﴾ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ﴿٢٥﴾ ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا ﴿٢٦﴾ فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا ﴿٢٧﴾ وَعِنَبًا وَقَضْبًا ﴿٢٨﴾ وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا ﴿٢٩﴾ وَحَدَائِقَ غُلْبًا ﴿٣٠﴾ وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ﴿٣١﴾ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴿٣٢﴾ عبس)

تأمل قوله تعالى (وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (52) الشورى) صحيح أننا نحيا بالروح التي خلقها الله تعالى فينا لكننا أيضاً بحاجة إلى روح أخرى نأخذها من معاني القرآن الكريم الذي وصفه تعالى بأنه روح من أمره سبحانه وتعالى والذي جعله الله تعالى نوراً يهدي به من يشاء من عباده. أنت مخاطب أيها المسلم بهذه الآية ألا تستجيب؟! القرآن روح ألا تريد أن تحيا بها؟! تلمّس إذن من القرآن العظيم وآياته تلك الروح التي بها يملأ قلبك نور الهدى والإيمان بالله ونور العبودية الحقة لله سبحانه وتعالى ونور اتباع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي يهدينا هداية الدلالة والإرشاد عن طريق الوحي الذي أُرسل به من رب العالمين ثم يعلّمنا كيف نطلب هداية التوفيق من الله تعالى ليثبتنا على ما هدانا إليه ويقوينا لنستمر ثابتين على هذا الصراط المستقيم التي نهايته رضوان الله تعالى وجنته.

القرآن الكريم هداية لكل الناس متعلّمهم وجاهلهم، الملك والعامل الفقير، الرجال والنساء، الشيوخ والأطفال، هو هداية لكل أحد بلا استثناء للعالمين جميعاً فما عليك أيها الإنسان إلا أن تنضم لقافلين المخاطَبين بهذا القرآن العظيم فتحيا قلباً وروحاً وجسداً.

خمس خطوات عملية لتدبر القرآن

1.      إذا أردت أن تقرأ القرآن أو تستمع إلى سورة من سوره أحضِر بين يديك كتاباً ميسّراً في التفسير لتفهم ما تحتاج إليه وما يستشكل عليك من كلمات. من هذه الكتب على سبيل المثال: المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير، تفسير بالمأثور، أو كتاب زبدة التفسير في تهذيب فتح القدير للدكتور عمر الأشقر أو تفسير العلامة عبد الرحمن ابن سعدي. اِرجع لهذه الكتب لتقرأ معاني الآيات الإجمالي آية آية ومعاني الكلمات التي لا تفهمها. واحرص على فهم موضوع السورة التي تقرؤها أو تستمع إليها حتى تتمكن من فهم محور آيات السورة العام ولتحرص على أن يكون لديك إلمامة بالسور وعلاقتها بحياتنا حتى تتفاعل معها بشكل أفضل وتؤثر في قلبك وفي سلوكك واقعاً ظاهراً. على سبيل المثال:

·         سورق ق تعالج قضية الإيمان في القلب وعدم معرفة الله بقدرته وقوته وفيها بيان أن أعظم وسيلة لتعرف ربك هي من خلال القرآن لذا بُدئت السورة بالحديث عن القرآن (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1)) وخُتمت بالحديث عن القرآن (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ (45)).

·         سورة الرحمن تعلمنا كيف نعرف ربنا سبحانه وتعالى من خلال لُطفه ورحمته وفيها آيات مكررة () لها سرٌ

·         سورة الطلاق تُصلح أحوالنا الاجتماعية

·         سورة المطففين تعالج قضية ظلم الناس ليس فقط في الأمور المادية فحسب بل في الأمور المعنوية وفي كل جزئية من الحياة الاجتماعية أيضاً، تحذرك من أن تأخذ حقك وافياً من الناس وتظلمهم في حقوقهم فتنذرك آيات السورة بسوء عاقبة المطففين حتى تحذرها وتبشرك بجزاء المتقين لتجتهد أن تكون منهم فتوفي الناس حقوقهم كاملة.

2.      الأصل في الخطاب القرآني أنه موجّخ إلى الخلق وهذا ركن ركين إذ لا يمكن أن نستفيد من أوامر القرآن إلا إذا أخذناه على أنه خطاب لنا مباشرة فيه أوامر علينا تنفيذها ونواهي يجب اجتنابها وأحكام يجب تطبيقها وقصص وعبر وأمثال نتعظ بها. والقرآن الكريم موجّه للقلب (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿١٩٢﴾ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ﴿١٩٣﴾ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ﴿١٩٤﴾ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴿١٩٥﴾ الشعراء) (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24) محمد) فاحرص أن تسمعه بقلبك قبل سمعك لتنال هداياته. حطِّم الأقفال عن قلبك حتى تتدبر كلام الله، اِجمع قلبك واستمع فالقرآن يخاطب القلب.

3.      بأيّ القرآن تسمع؟ ولأيّ القرآن تسمع؟ تنبّه لماذا تقرأ ولماذا تستمع؟ هل تستمع إلى الآيات أواخر سورة الحشر (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴿٢١﴾ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴿٢٢﴾ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿٢٣﴾ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٢٤﴾) كما تستمع إلى آيات في سورة التحريم؟! لا بد أن تدرك كيف تأخذ الفروق بين السور، لا بد أن تستحضر وتستشعر الفرق بين الآيات التي تصف عظمة الله سبحانه وتعالى وبديع خلقه وصنعه وبين آيات الحديث عن المنافقين والمشركين والفرق بين آيات الرحمة وآيات العذاب والفرق بين آيات الأحكام وآيات هلاك الأمم السابقة وآيات القصص والأمثال فلا تقرأها كلها بنفس الشعور. ولا تقرأ الآيات المكية كما تقرأ الآيات المدنية. حينما تقرأ القرآن تنبّه بأيّ القرآن تقرأ ولأيّ القرآن تستمع، هل هي سور مكية أو مدنية؟ بماذا يخاطبك الله سبحانه وتعالى؟ هل في الآيات أمر فتأتمر به أو فيها نهي تنتهي عنه؟ أو فيها حكم يجب أن تطبقه؟ تنبّه لأن لهذا أثرٌ عظيم في فهمك للقرآن.

4.      كيف نقرأ القرآن؟ كيف ستقرأ سورة القلم مثلاً وكيف ستستمع إليها؟ وكيف ستقرأ سورة الكهف وكيف ستستمع إليها؟ هذا يحتاج إلى تدريب. فسورة الكهف مثلاً هي كهفك من الفتن، وهي المنجية من أعظم فتنة فتنة المسيح الدجال وفي ذلك أحاديث مشهورة صحيحة، وقد ذكرت أصول الفتن الأربع وكيفية النجاة منها.

5.      اِعرِض نفسك على الآيات التي تقرؤها أو تستمع إليها. عندما تقرأ الحديث عن الجنة عِش مع الآيات وكأنك في الجنة وإذا قرأت الحديث عن النار تذكر ذنوبك وادعُ الله أن يغفر لك وينجيك من النار. حينما يأتي الحديث عن أحكام فيها تقرير أو نهي اِفهم هذه الأحكام لأنك مطالب بتطبيقها. الله سبحانه وتعالى نهانا عن أمور كثيرة فانظر في نفسك هل أنت منته عنها فتحمد الله أو قد ظلمت نفسك بارتكاب ما يخالف فتتوب وتستغفر؟ اِعرض نفسك على هذه الآيات (وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى (32) الإسراء) (وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (34) الإسراء) (لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ (11) الحجرات) (وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا (12) الحجرات) (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ (30) النور) (وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ (31) النور). كيف تقرأ الآيات في سورة الهمزة (وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ) هل تقرؤها وأنت ليس لك همّ إلا أن تعيب أحداً من الناس؟! أول جزاء لمن يفعل هذا (كَلَّا لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ) يُنبذ في النار كما استقذر الناس بلسانه! اِعرض نفسك على الآيات وانظر أين أنت منها؟! حينما تمر على قوله تعالى (أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) الغاشية) (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ (20) العنكبوت) اُخرُج وانظر وتأمل في آيات الله الكونية من حولك وتفكّر كما أمرك الله عز وجل في كثير من الآيات (لعلهم يتفكرون). اعرِض نفسك على قوله تعالى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا (23) الإسراء) هل أنت مخلصٌ لله في جميع أمرك؟ هل أنت محسنٌ لوالديك؟!

تطبيق عملي للخطوات العملية لتدبر القرآن على آيات سورة ق

اسم السورة: اسم السورة: الاسم الذي وقع عليه الاجماع هو اسم (ق) لأنه لم يرد هذا الحرف مفرداً في غير هذه السورة فصار عَلَماً عليه. وقد ذكر السيوطي لها اسم "الباسقات" لكنه غير مشتهر.

السورة مكية وقيل أنها نزلت بعد المرسلات على عدّ جابر بن زيد وواضح جداً منها بعد أن صدع النبي صلى الله عليه وسلم بدعوته وأبان القضايا المرتبطة باليوم الآخر لأن مقصد السورة واضح أنه مرتبط بالبعث مما يدل على أنها في مرحلة متقدمة من العهد المكي وموضوعاتها موضوعات السور المكية في العقيدة وخاصة عقيدة البعث. والسور المكية لا تكاد تخلو من إشارة إلى البعث، إما بالتفصيل وإما بالإشارة.

محورها: واضح جداً من خلال السورة أن العمود الأساسي فيها هو قضية البعث وما يدور حوله سواء ثبوت البعث، ما يقع في البعث، ما يكون مآل الكفار، ما يكون مآل المؤمنين كله مرتبط بقضية البعث. هذا أحد أسباب حرص النبي في قراءتها في صلاة الفجر يوم الجمعة أو كذلك في الخطبة كما روت أم هشام أنها ما حفظت سورة ق إلا من النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرؤها على المنبر.

عند قرآءة الحرف (ق) يعطينا إيحاء بالقوة والقدرة والتعظيم وحرف القاف من حروف التفخيم وهو حرف استعلاء. يقول ابن القيم: سورة ق كلها قافية وسورة ص كلها صادية. (ق) تكررت في سورة ق وهذه الفكرة فيها مسألة صوتية بحتة عندما يتكلم ابن جنّي عن القاف ويقول العرب تستخدم حرف القاف في الدلالة على ما يحتاج إلى قوة على سبيل المثال قضم فلان شيئاً يكون شيئاً قاسياً مثل قضم جوزاً لكن عندما تقول خضم يدل على أنه شيء خفيف مثل التفاح فالفكرة في دلالة الحرف على المعنى. فتكرر القاف هنا يناسب البعث لما يحتاجه من القوة والشدة.

إذن سورة ق سورة قوة وقدرة وعظمة من بدايتها. ذُكر فيها القرآن وذُكر العذاب والإهلاك. والقوة في شرعنا ليست قوة في الإهلاك والبطش وإنما أعظم قوة هي قوة البرهان والحُجة وبيان طريق الحق والهدى للناس، تعبّد الطريق للناس ليصلوا إلى ربهم فهذه أعظم نعمة وأجلّ قدرة. وقوة البرهان هذه أنزلها الله تعالى في هذا القرآن الذي بُدئت السورة بذكره (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1)) وخُتمت بالحديث عنه (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ (45)) وفي هذه دليل على أن هذا القرآن فيه بيان الحُجّة التي بها نقوى ومنها تسمد قوتنا بالحق وفي الحق.

في قوله (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) المجيد يقولون هو الشريف الكامل في جنسه فالقرآن كلام وهو أشرف الكلام وأكمل الكلام لأنه كلام الله. والمجيد فيه شيء من معنى العظمة والقوة ويدل عليه حديث النبي صلى الله عليه وسلم لما قال "قسمت الصلاة بيني وبين عبد نصفين فإذا قال الحمد لله رب العالمين قال حمدني عبدي وإذا قال الرحمن الرحيم قال أثنى علي عبدي (يعني كرر المحامد) مالك يوم الدين قال مجّدني عبدي" فجعل مُلكه ليوم الدين فيه مجد فكأن فيه معنى القوة والعظمة والهيبة فكأن اختيار المجيد في بداية السورة مناسب لما سيأتي من ذكر البعث ولا شك أن أحوال البعث وما فيها وقدرة الله عز وجل عليها راجع إلى معنى العظمة والقوة. فكأنه والله أعلم اختير (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) هنا ليناسب الحديث عن البعث وموضوع السورة كله يتركز حول قضية البعث والأدلة عليه.

قال تعالى مبيناً حال الكافرين المكذبين بدعوة محمد صلى الله عليه وسلم (بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءهُمْ مُنذِرٌ مِّنْهُمْ) اختيار لفظ المنذر وهو المخبِر بالشرّ الذي سيقع، الحديث في السورة عن البعث وعن الكفار فتناسب أن يأتي وصف الرسول صلى الله عليه وسلم بالمنذر لكن في آيات أخرى يأتي بوصف البشير أو البشير والنذير معاً. فإتيان المنذر واضح جداً أنه متناسب مع سياق البعث والتحذير من البعث ولذلك قال (بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءهُمْ مُنذِرٌ مِّنْهُمْ). وأيضاً وصفه بأنه منهم هذا موضوع تعجب منهم كما نعلم أنهم كانوا ينكرون أن يكون الرسول بشرياً فبيّن الله سبحانه وتعالى وجه عجبهم (بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءهُمْ مُنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ) أن يرسل رسول أو منذر من البشر.

وفي قوله (فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ) دون "فقالوا هذا شيء عجيب" إبراز لكلمة "الكافرون" فيه دلالة على أن سبب تكذيبهم وتعجبهم هو الكفر هذه الصفة ولذلك أبرزها.

ثم انتقلت السورة للحديث عن القدرة على البعث والسورة تخاطبنا لنعرف قدرة ربنا سبحانه وتعالى. ومسألة البعث مسألة مهمة لإدراك قدرة ربنا سبحانه وتعالى. قليل من الناس من يتذكر البعث في حياته ويكون مغرقاً في المعاصي، الله سبحانه وتعالى سيحشر الناس بعد موتهم لأن هذه قضية عقدية إذا آمنت بها وامتلأ قلبك بالتوحيد ابتعد عن المعاصي ومن يتذكر البعث دائماً لا يمكن أن يستمر في معصية لأنه يؤمن أن يوم البعث سوف تنشر أعماله وأقواله أمام الخلق أجمعين. فالتذكير بالبعث في السورة يؤكد قدرة الله سبحانه وتعالى (أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3)) وجه التعجب عند هؤلاء المنكرين للبعث نابع من عدم معرفتهم لقدرة الله سبحانه وتعالى وغفلتهم عن أن العليم القادر القوي الخالق سبحانه كما خلقهم من تراب قادر على أن يعيدهم منه (أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ). البعث سيكون بعد تحول الأجساد إلى تراب لا إلى عظام ولا إلى رفات وإنما إلى تراب وهو كما كان أول مراحل الخلق فهو آخرها أيضاً. الله سبحانه وتعالى يعيد الأجساد من كونها تراباً إلى خِلقة الإنسان وهذا لا شك يبعث في النفس تعظيم الله سبحانه وتعالى. وتعظيم البعث من أعظم وسائل تحقيق الإيمان في القلب.

(قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ) الأرض لا تمحو آثارهم كلها عندما يموتوا وإنما يبقى عجب الذنب كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم وهذا دلالة استخدام لفظ (تنقص) ليدل على تحلل أجسامهم بعد الموت فلا يبقى منها إلا هذا الجزء الذي منه يعاد بعثهم، فمعنى النقصان هنا نقصان وليس محواً تاماً.

(بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ) كذّب هؤلاء بالحق الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فأمرهم مريج مضطرب تارة يقولون عنه شاعر وتارة ساحر وتارة كاهن فالمسألة كلها اضطراب في اضطراب ليست واضحاً عندهم سبب تكذيبهم للحق وهذا ما جعلهم في أمر مريج مضطرب.

ثم تنتقل الآيات، فالذي لم يستشعر عظمة الله سبحانه وتعالى في بعثه للناس بعد أن يصيروا تراباً وكذّب بالحق (بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ) فلينظر إلى الآيات الكونية من حوله لعله يكون فيها عظة لقلبه الغافل عن معرفة قدرة الله تعالى في خلقه (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ ﴿٦﴾ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴿٧﴾ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ﴿٨﴾ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ ﴿٩﴾ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ ﴿١٠﴾ رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ ﴿١١﴾). وذكر السماء فوقهم تحديداً وهو أمر معلوم لدى الناس أن السماء هي في الأعلى فوقهم (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ) للدلالة على قربها منهم. يكفي أن ترفع رأسك وبصرك أيها الإنسان في أي مكان مكشوف لترى السماء وما فيها من إبداع الخالق بدون كلفة ولا تعب ولا مشقة. يقول الله عز وجل معاتباً عباده (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ) السماء قريبة منكم، انظروا إليها وتفكّروا فيها وتعرّفوا على عظمة خالقكم من خَلقِه الذي ترونه حولكم فإنكم إن لم تفعلوا دخلتم في زمرة المعاتَبين بهذه الآية! السماء قريبة لكنه غاب نظر القلب! التفكر عبادة عظيمة للتعرف على خالق هذا الكون وعظمته وقدرته وبديع صنعه وقد ورد في القرآن الكريم ما يقارب 300 آية تدعو الناس للتفكر ويعاتب من لا يتفكر (أفلا يتفكرون) فالعتاب يشمل أي عتاب لأيّ قضية واضحة ظاهرة جليّة، فلننظر في كل الأشياء حولنا ونتفكر ولننظر في أنفسنا كما أمرنا ربنا (وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) الذاريات) كل حركة نقوم بها، رفع يد، تحريك إصبع، كل حركة من حركاتك لا تتم إلا بعد أن يأذن الله تعالى لها أن تتم، تحريك اللسان بالكلام، سماع الكلام، النظر بالعين، كله من عظمة الله تعالى فقد تكون الأداة موجودة لكن لا يأذن الله تعالى لها بالعمل فكم من إنسان ذهب بصره مع وجود أداة الإبصار؟! وكم من إنسان يملك آذاناً ولكنه أصمّ فسبحان من خلق فأبدع وأذِن لجوارحنا وأعضائنا أن تقوم بمهمتها التي خُلقت لأجلها.

والآيات (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ ﴿٦﴾ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴿٧﴾ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ﴿٨﴾ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ ﴿٩﴾ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ ﴿١٠﴾ رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ ﴿١١﴾) فيها أدلة على البعث أولها خلق السموات والأرض فالذي يخلق السموات والأرض بعظمتها وضخامتها وإحكامها قادر على أن يعيد الأجساد بعد أن تفنى وتصبح تراباً. والدليل الثاني هو الإنبات فجعل إحياء الأرض بالماء وإخراج النبات منها كخروج الناس يوم البعث كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: ينزل من السماء ماء كمنيّ الرجال يسقط على هذه القبور وعلى بقايا هذه الأجساد فتُبعَث بإذن الله كما يُبعث النبات. والدليل الثالث (أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ) فالقادر على الابتداء قادر على الإعادة وهذه قضية عقلية مفروغ منها ولهذا خاطب عقولهم لاحقاً في قوله (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) هذه الأدلة إنما هي تذكرة وذكرى لمن لم يغلق منافذ سمعه ولا بصره عن رؤية وسماع الحق والبراهين الدالة عليه.

دلّت الايات الكريمة على الوسائل التي من خلالها نتعرف على ربنا سبحانه وتعالى فذكرت السماء وما فيها من زينة والأرض التي مُهدت للناس والجبال الرواسي التي تثبت الأرض وتمنعها من الحركة وإنبات النبات الذي به حياة الناس والحيوان وذكرت إنزال الماء من السماء الذي هو أصل الحياة في الأرض والذي به ينبت النبات فتتكون الجنان ويتم الزرع والحصاد. وخصّ تعالى النخل بالذكر لما لهذه الشجرة من فوائد لا تعد ولا تحصى وليس فيها جزء إلا وفيه فائدة وخصّ وصفها بالباسقات لما توحي به من عظمة وقوة يتناسب مع سياق السورة، وباسقات جمع باسق وهو الوصف الذي يجمع بين أمور ثلاثة: طول في ارتفاع مع استقامة. ووصف الطلع بالنضيد أي مرتّب، نضيد في أكمامه، نضيد بعد خروجه من أكمامه لكن بعد أن ينضج يخرج بدون ترتيب تماماً مثل البعث، الأجساد في القبور تكون مرتبة منضدة ثم لما يحصل البعث ويحصل الفزع تختلط هذه الخلائق ببعضها كالفراش المبثوث كالنخلة تماماً.

بعد كل هذه الآيات والدلائل على قدرة الله في خلقه إذا كان القلب لا يُطلق بصره في السماء والأرض وما فيهما فقد حُرم من الغذاء الذي فيه دواؤه لأن التفكّر في الكون غذاء ودواء (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ).

وهذه الآيات التي تدعو للتفكر هي أدلة على البعث بدليل قوله تعالى (وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ) فالمكّذبين بالبعث عليهم بالتفكر في هذه الآيات الكونية لعلهم يؤمنون! وكذلك يجب على كل الغافلين عن يوم البعث أن يُعملوا فكرهم ويُطلقوا أبصار قلوبهم في خلق الله سبحانه وتعالى في أنفسهم وما حولهم لعلهم يستحضروا يوم البعث فيرتدعوا عن ظلمهم لأنفسهم وظلمهم لغيرهم وتماديهم في المعاصي والذنوب وكأنه لا قيامة ولا بعث ولا حساب!

(تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ) تبصرة لمن؟ وذكرى لمن؟! لكل عبد منيب. إذا لم تتفكر بالقرآن معناه أنك لست عبداً منيباً وتخرج من هذا الوصف! تبصرة تريك الحق وذكرى توقظ قلبك مرة بعد مرة! تبصرة دائماً وذكرى عند الحاجة، إذا لم تتبصر ولم تتذكر فأنت لست من عباد الله المنيبين وإيمانك ناقص فتنبّه!

ثم انتقلت الآيات للحديث عن قصص السابقين لتذكير المنكرين للبعث بمصير من سبقهم وكانوا أيضاً مكذبين بالبعث لعلهم إن لم يرتدعوا بأسلوب التذكير بالتفكر يرتدعون بعقاب الأمم السابقة وهلاكهم! (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ ﴿١٢﴾ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ ﴿١٣﴾ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ﴿١٤﴾) فهذه الآيات دخلت في وسط أخبار البعث للتنبيه على تشابه هذه الأمة أمة قريش مع الأمم السابقة وأنهم إن استمروا في التكذيب سيقع عليهم ما وقع على هذه الأمم المذكورة، ولهذا عاد الحديث مرة أخرى إلى الدليل الثالث من أدلة البعث وبيان قدرة الله سبحانه وتعالى في قوله (أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ) وهذا هو أحد أدلة البعث (بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ) على رغم كل الأدلة التي ساقتها الآيات ما زال أمر البعث والإيمان به مختلط على هؤلاء الكفار وما زالوا يشككون وينكرون البعث!

سورة ق سورة القوة والقدرة ومن دلائل هذه القوة والقدرة خلق الإنسان فذكر تعالى (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ) وذكر الخلق باستخدام ضمير العظمة (نا) للدلالة على عظيم قدرته سبحانه وتعالى. ثم جاء الحديث عن العلم في قوله (وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ) فكل هذه مرتبطة بقضية سعة علم الله سبحانه وتعالى وقدرته على إعادة الأجساد. وهذه الآية (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) تكفي لنعرف قدرة الله سبحانه وتعالى وواسع علمه وإحاطته فلا نعصيه في سر ولا نظلم أحداً. لو عرضنا أنفسنا على هذه الآية: ربنا أقرب إلينا من حبل الوريد وأقرب إلينا من كل الناس، أقرب إلينا بعلمه واطلاعه وإحاطته بخلقه وقدرته على الناس! أليس هذا رادعاً كافياً لكل إنسان فيرتدع إن كان عاصياً مذنباً؟! الله سبحانه وتعالى يعلم سرّك أيها الإنسان حتى قبل أن تفكّر فيه فأين تحاول أن تختبئ بذنوبك وسيئات أعمالك وأقوالك؟! ألم يئن أن تتوقف مع نفسك وتراقب الله تعالى في سرّك وعلانيتك وتوقن أنه أقرب إليك من حبل الوريد وبيده حياتك وموتك فإن لم تتب الآن اِخشَ على نفسك أن يقبض روحك وأنت على معصية!

وتستمر الآيات واعظة منذرة لكل من لم يتفكر ولكل من لا يؤمن بالبعث ولا بقدرة الله تعالى (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ﴿١٧﴾ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴿١٨﴾) الحديث عن اللسان لعل الواحد منا يراجع كلامه من ساعة ما يستيقظ إلى ساعة ينام: هل كل ما قاله مباحٌ؟ هل كله حلال؟ كم سُجّل علينا من كلام؟! فلنعرض أنفسنا على هذه الآية العظيمة ونستحضر عظمة الحساب على ما ذكرناه بألسنتنا ليس في يوم واحد وإنما طيلة أعمارنا من ساعة ما جرى علينا القلم! لننظر إلى عظيم سجلاتنا عند ربنا سبحانه وتعالى وما أحصاه علينا ونسيناه! كم اغتبنا؟! كم بهتنا؟! كم كذبنا؟! كم شهدنا زورا؟! كم قلنا فجورا؟! تخيّل نفسك في موقف الحساب وأنت بين يدي ربك وتؤتى كتابك وتتيقن أنه لم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها عليك مكتوبة موثّقة لا مجال لانكارها، يوم تؤتى بالصحف فتُنشَر وفيها كل ما قلتَ بلسانك أحصيت عليك بالكلمة والحرف! حاسِب نفسك من الآن وضع نصب عينيك هذه الآية (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) قبل أن تتلفظ بكلمة اعرضها على الآية واسأل نفسك هل ستُكتب لي أم عليّ؟ واختر لنفسك ما تريد أن يكون مدوّناً في صحيفتك يوم القيامة! وتذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم عندما أخذ بلسان معاذ فسأله معاذ: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا مُعاذٍ، وهل يكبُّ الناس في النار على وجوههم، أو على مناخرهم، إلا حصائد ألسنتهم.

بعدها ذكر نهاية أحوال الإنسان في الدنيا وبدايتها في الآخرة وما يكون من خصومة القرناء من بداية قوله تعالى (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ﴿١٩﴾ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ ﴿٢٠﴾ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ ﴿٢١﴾ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴿٢٢﴾) إلى قوله (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ). قوله تعالى (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ) هذه الآية من آيات الوعظ في القرآن فالحق واضح، هو أن تعرف الحقيقة، جاءت سكرة الموت بكل حق وأذهبت كل باطل وغبش فإن كنت في الدنيا أعمى عن الحق أو غافلاً عنه فهاهو اليوم أمامك واليوم ستعرف كل شيء وستعرف أن الدنيا ما كانت تستحق أن تضيعها في معصية الله عز وجل!. يوم القيامة يوم الحق الذي سترى فيه الآخرة، سترى الآخرة ونعيمها وتعرف قدرة الله عز وجل وقدره وتعرف قدر جنته وقدر ناره وقدر كتابه وقدر أمره ونهيه. سترى الحق عياناً، لا باطل ولا زيغ ولا شبهات إنما الحق كاملاً واضحاً جلياً.

ثم بعد ذلك ذكر حال الفئة المؤمنة ولأن المقصد الأساس هو الكلام مع الكفار جاء أكثر الحديث عن الكفار أغلب الآيات مع الكفار والفئة المؤمنة جاءت في خمس آيات فقط فقال سبحانه وتعالى (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ﴿٣١﴾ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ ﴿٣٢﴾ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ﴿٣٣﴾ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ ﴿٣٤﴾ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ﴿٣٥﴾) قوله هنا (مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ) تتناسب مع قضية البعث لأن الإيمان بالغيب من أساسيات هذا الدين والبعث وأحواله غيب بالنسبة لنا فالإيمان به إيمان بقدرة الله تعالى وعظمته سبحانه. ودلالة لفظ الرحمن في الآية (مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ) فيه جانب الرحمة الذاتي وفيه جانب العظمة ولفظ الرحمن في كثير من المواطن في القرآن يأتي مع الأمور العظيمة. وتكرر لفظ الإنابة في السورة ففي آية سابقة ورد قوله تعالى (تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ) وهنا (وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ) فإذا كان العبد منيباً لربه في الدنيا يتبصر ويتذكر قدرة الله سبحانه وتعالى يأتي يوم القيامة وقد خشيه عز وجل في الدنيا واستحضر يوم البعث في كل أمره يأتيه وقلبه منيب لربه فيلقى الجزاء الأوفى جنات الخلود يدخلها بسلام وله فيها ما يشاء وزيادة من رب كريم. هذا القرآن يجب أن يُتلقى بالقلب حتى تحصل الاستفادة والتأثر به فهو نزل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم كما في قوله تعالى (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿١٩٢﴾ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ﴿١٩٣﴾ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ﴿١٩٤﴾ الشعراء)

ثم عادت الآيات إلى تهديد الكفار كفار مكة بأحوال السابقين في قوله (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ ﴿٣٦﴾ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴿٣٧﴾) وهي مرتبطة بقوله (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ) الذي ذكره سابقاً فكأنه يقول مرة أخرى يعيد عليهم التنبيه أنه كان هناك أمم كثيرة كانت تدّعي ما تدّعون أنتم، اِبحثوا عنهم الآن لن تجدوهم، أهلكهم الله عز وجل، فاعتبِروا وعودوا إلى طريق الحق والهدى قبل أن يحلّ بكم ما حلّ بهم.

ثم ختم السورة وأدمج في هذه الخاتمة الحديث عن قدرته سبحانه وتعالى والأمر بالصبر والعبادة وانتظار ما سيحل بالكافرين وهذا يكثر في القرآن في أن الله عز وجل يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم الانتظار والتمهل والصبر وأن الله عز وجل سوف ينزل عقوبته بهؤلاء الكافرين. وفي قوله سبحانه وتعالى (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ﴿٣٩﴾ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ ﴿٤٠﴾ وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ﴿٤١﴾) أمرٌ للنبي صلى الله عليه وسلم ولأمته من بعده المقتدين به المهتدين بهديه أن يصبر ويسبح ربه آناء الليل وأدبار السجود وينتظر إلى هذا اليوم الذي يقع فيه العذاب على هؤلاء الكفار كما وعد الله سبحانه فإنه لا يخلف الميعاد.

 

ثم ختمت هذه السورة العظيمة بقوله تعالى (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ) وبداية الآية (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ) فيها تأكيد على معنى ورد في السورة سابقاً في قوله تعالى (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)) (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ). ثم ختمت هذه السورة العظيمة بما بُدئت به وهو الحديث عن القرآن فانظر أيها الإنسان إلى قدرة ربك وتعرّف عليها من خلال خلقه لك وما في الكون من حولك من آيات من خلال أعظم وسيلة وهي القرآن العظيم. (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ) ذكّر بالقرآن لا بغيره من يخاف وعيد. فالأصل الذي تُذكّر به القلوب والذي يعيش الإنسان من أجله ويعيش معه وفيه هو هذا القرآن العظيم كلام الله العظيم القوي القدير سبحانه.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل