التوسع في المعنى في القرآن الكريم - الألفاظ المشتركة - د. فاضل السامرائي

من أمثلة التوسع في المعنى في القرآن الكريم

برنامج لمسات بيانية - د. فاضل السامرائي

(تفريغ موقع إسلاميات حصريًا)

ما هو مفهوم التوسع في القرآن الكريم؟ التوسّع في المعنى هو أن يؤتى بتعبير يحتمل أكثر من معنى وتكون كل هذه المعاني مُرادة وهناك مواطن للتوسع في القرآن الكريم كما سبق شرحه في سورة البلد في معنى كلمة (حِلّ) وقلنا أنها تعني مستحل وحلال ومقيم أو حالّ وهذه المعاني كلها مرادة في الآية. وكذلك في قوله تعالى (فلا اقتحم العقبة) وقلنا أنّ (لا) محتمل أن تكون داخلة على المستقبل أو يراد بها الدعاء أو حرف الإستفهام محذوف أو غيرها. وللتوسع في القرآن الكريم أسباب ومواطن.

مواطن التوسّع:

      الألفاظ المشتركة: يوجد في القرآن الكريم ألفاظ تشترك في المعنى مثل كلمة (جائر) على سبيل المثال هل هي اسم فاعل من (جأر أو جار)؟ وكذلك كلمة (سائل) هل هي من سأل أو سال؟ هناك كلمات إذن تحتمل أكثر من معنى كما في كلمة العين يذكر لها أكثر من معنى فهي تحتمل أن تكون الجاسوسة أو عين الماء أو أداة الإبصار. وكذلك تكثر في الحروف مثلاً (ما) ها هي استفهامية أو تعجبية أم ماذا؟ هل هي نافية؟ يمكن أن تقع في تعبيرات تحتمل عدة معاني في آن واحد فإذا أريدت كل هذه المعاني يدخل في باب التوسّع.

نقول مثلاً : ما أغفلك عنّا؟ (ما) تحتمل أن تكون استفهامية أو تعجبية فإذا أردنا المعنيين صار توسّعاً. كذلك (إنّ) تكون نافية أو مشبّهة بليس أو ليست مشبّهة بليس كما في قوله تعالى (إن هو إلا رحمة للعالمين) وقوله تعالى (إن أنا إلا نذير) وقوله تعالى (وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون) وقد تكون (إنّ) شرطية كما في قوله تعالى (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) وقد تكون (إنّ) مخففة من الثقيلة.

وإذا قلنا: هو لا يكذب وإن أُكره على ذلك. قد نفهم أنها شرطية بمعنى لا يكذب حتى لو أُكره، وقد تكون نافية أي لا يكذب ولم يُكره على ذلك فلماذا يكذب؟ هذا هو التوسّع في المعنى بصورة مبسّطة.

وإذا أرنا التوسع في المعنى لا ضرورة عندها لوجود قرينة لأن القرينة هي التي تساعد على تحيد معنى واحد من المعاني المرادة دون غيره. إذن إذا أُريد التوسع لا يؤتى بالقرينة وإذا أردنا تحديد معنى من المعاني يؤتى بالقرينة التي تدل عليه.

 

ونأخذ أمثلة من القرآن الكريم: 

في سورة يوسف قال تعالى على لسان إخوة يوسف مخاطبين أباهم يعقوب (قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ {85}). استخدمت كلمة (تفتأ) هنا بمعنى لا يزال وهي من أخوات كان (ما انفك، ما برح، ما زال، ما فتيء) ما زال تدل على الإستمرار والدوام (نقول ما زال المطر نازلاً) لكن يبقى السؤال لماذا اختار تعالى كلمة (تفتأ) دون غيرها من أخواتها التي قد تعطي نفس المعنى من الإستمرار والدوام؟ ونستعرض معنى كلمة فتيء في اللغة: من معانيها (سكّن) بمعنى مستمر لأنه عندما لا يسكن فهو مستمر، ومعناها أطفأ النار (يقال فتيء النار) ومن معانيها أيضاً نسي (فتئت الأمر أي نسيته). إذن كلمة (فتأ) لها ثلاثة معاني سكّن وأطفأ النار ونسي. وفاقد العزيز سكن بمجرد مرور الزمن فمن مات له ميت يسكن بعد فترة لكن الله تعالى أراد أن يعقوب لا ينسى ولا يكفّ بدليل قوله تعالى (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ {84})، وفاقد العزيز كأنما هناك ناراً تحرق جنبيه ويقال (حرق قلبي) والنار التي بين جنبي يعقوب u لم تنطفئ مع مرور الأيام ولم تزل النار ملتهبة مستعرة في قلب يعقوب u، وهو لم ينسى وفاقد العزيز ينسى بعد فترة ولذا يدعو له المعزّون بالصبر والسلوان. إذن تفتأ جمعت كل هذه المعاني المرادة هنا في الآية ولا يؤدي أي لفظ آخر هذه المعاني مجتمعة غير هذه الكلمة. والقرآن الكريم لم يستعمل هذه الكلمة إلا في هذا الموضع في سورة يوسف واستعمل (يزال ولا يزال) كثيراً في آيات عديدة (ولا تزال تطّلع على خائنة منهم). ومن الغريب أن القياس أن يُقال (لا تفتأ) لأن استعمالها نفي أو شبه نفي. إذا لم تأتي بـ (لا) فهو نفي قطعاً كقول الشاعر (فلا والله أشربها حياتي) بمعنى لا أشربها قطعاً. وقولنا (والله أذهب) يعني لا أذهب. وهذه من مواطن النفي ولم تحذف الـ(لا) في جواب القسم إلا في هذا الموطن في القرآن الكريم. فقد ورد قوله تعالى (فلا وربّك لا يؤمنون) لم تحذف الـ(لا) هنا ونسأل عن السبب؟ لماذا حذف الـ(لا) في الآية؟ لأن هذا القول قاله إخوة يوسف لكن هل هم أقسموا على أمر يعلمونه حق العلم ؟ كلا هم أقسموا على أمر يتصورونه فالأمر إذن ليس مؤكداً ولم يحصل أصلاً فالذكر آكد من الحذف ولذا لم تذكر (لا) في جواب القسم ولقد جاء في الآية ما يفهم المعنى بدون الحاجة لذكر (لا) ولأن الذكر آكد من الحذف ولأن الأمر ليس مؤكداً عند إخوة يوسف.

********************************

 قال تعالى في سورة القمر (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ {54}) كلمة (نَهَر) لها دلالات مختلفة منها السَعة في الرزق والمعيشة وفي كل ما تقتضيه السعادة سعة فيه. ومن دلالاتها أيضاً الضياء لأتهم يقولون أن الجنة ليس فيها ليل ومن معاني النَهَر في اللغة أيضاً مجرى الماء. والآية في سورة القمر تحتمل كل هذه المعاني وهي كلها مرادة. ومن الملاحظ في القرآن كلّه أنه حيثما جمع الجنّات جمع الأنهار إلا في هذه الآية، فقد ورد في القرآن قوله تعالى (جنات تجري من تحتها الأنهار) وجود كلمة تجري هنا تدل على أن المعنى المطلوب هو مجرى الماء. وفي آية أخرى قال تعالى (فيها أنهار من ماء غير آسن) وجود (غير آسن) في الآية تفيد جريان الماء لأن الماء لا يأسن إلا إذا في حالة الركود وغير آسن قرينة الجريان. أما في آية سورة القمر جاءت كلمة نهر بدون قرينة (في جنات ونهر) وهي وردت في المتقين وهم المؤمنون وزيادة لذا جاء بالنهر وزيادة كما قال المفسرون. والمعنى المُراد في الآية أن المتقين في جنات ونهر بمعنى في ماء وضياء وسعة وقد ورد في الحديث الشريف (الجنة نور يتلألأ وريحانة تهتز قصر مشيد) وهم في سعة من العيش والرزق والمنازل وما تقتضيه السعادة السعة فيه وهذا من التوسّع في المعنى ولم يؤتى بأي قرينة تدل على معنى واحد فلم يذكر تجري أو غير آسن أو أي قرينة أخرى تحدد معنى واحد للنَهَر وإنما كل المعاني مُرادة.

*******************************

 مثال آخر قوله تعالى في سورة التين (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ {8}‏) ما المقصود بأحكم الحاكمين؟ تحتمل أن تكون من الحُكم أو من القضاء. وقد ورد في القرآن الكريم (ان احكم بينهم بما أنزل الله) تعني القضاء، وقوله تعالى (يقصّ الحقّ وهو خير الفاصلين) بمعنى الحُكم. فهي تحتمل أن تكون من القضاء أو من الحكمة وهي تحتمل أن تكون أقضى القضاة وتحتمل أن تكون أقضى الحكماء، وأحكم القضاة وأحكم الحكماء، فهي إذن جمعت أربع معاني في كل كلمة احتمالين في الحكمة والقضاء. وهذا كله محتمل وجائز وليس هناك قرينة تحدد معنى واحداً من هذه المعاني دون غيره إذن المراد كل هذه المعاني وهذا توسّع في المعنى في باب الألفاظ المشتركة.

 

 

 

 




التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل