تدبر سورة الفاتحة - 2- د. رقية العلواني

تدبر سورة الفاتحة - 2-

د. رقية العلواني

 

السورة في سورة الفاتحة تفتح على الإنسان في هذه الآية شيئاً عجيباً تخلصه من الشعور بالغربة وخاصة غربة آخر الزمان حين يستشعر الإنسان أنه غريب في وسط جموع من الناس قد تختلف معه في الآراء في الأفعال في التصرفات قد يخيل إليه في بعض الأحيان فعلاً أنه غريب غريب بكل معاني الغربة، غريب في ما يفعله، غريب في تصوراته ومعتقداته، غريب حين ينأى عن الدنيا بمعنى الترفع عن دناياها، غريب بهذه التصورات، فالكل متكالب على الدنيا على سبيل المثال ولكن هذه الغربة تبددها سورة الفاتحة حين تضع في حسبان المؤمن أنك مع الذين أنعمت عليهم وأن هذا يا مؤمن هو مطلوبك في الأصل وأنك تدعو ليل نهار بهذا الدعاء (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ). إذاً حين تتفرق سبل الدنيا لا تأسف عليها فقد تكون تلك السبل طريق الضالين أو ربما طريق من غضب الله عليهم والضلال والغضب بينهما تناسب. والآية في سورة الفاتحة وضعت علاجاً للضلال وللغضب في آياتها واحدة تلو الأخرى خلّصت الإنسان من الضلال، الضلال البعد عن الله عز وجل بكل أشكاله وأنواعه ولا يمكن أن يأتي الضلال لأنه إنتكاسة إلا باتباع منهج غير منهج الله سبحانه. ولما جاءت (إياك نعبد) جعلتني فعلاً أبتعد في حصانة، في درع، في وقاية من الضلال. لا يمكن أن يأتي الضلال وأنا أعبد الله حق العبادة، الضلال لا يأتي إلا حين أتخذ معبوداً من دون الله وغالب من يُعبد من دون الله هو الهوى، النفس. الضلال وكل الأمراض المتشعبة المتنوعة من حسد من حقد من تنافس على الدنيا من أشياء متنوعة من أشكال الضلال لا يمكن أن تأتي إلا من قبيل النفس فقط واتباع الهوى خلّصتني سورة الفاتحة منها.

ثم ختمت لي بموضوع (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ)لتسدل الستار على جميع الأنواع والأفعال التي يمكن أن تقود وتأخذ الإنسان بعيداً عن منهج الله عز وجل وكأن ذاك الإنسان واقفاً على ما يغضب الله عز وجل إن كان بعيداً عن ذاك المنهج. الأعمال والأفعال التي يقع فيها الإنسان وتستجلب غضب الله عز وجل لا يمكن أن تكون إلا حين يبتعد عن المنهج ولذا ربي عز وجل حذّر في آيات متعددة من أفعال اليهود ووصف بالوصف الدقيق في بعض الأحيان (غضِب الله عليهم) لماذا؟ لو أردنا أن نلخص الأفعال كاملة لوجدناها في البعد عن منهج الله عز وجل. العبد أيّاً كان حين لا يحقق معنى إياك نعبد في واقع حياته ويعبد أشياء متعددة ويعبد هوى النفس ويبتعد عن الطريق قطعاً قد وقع في ضلال مستجلباً غضب الله عز وجل. الترابط بين الضلال والغضب واضح، من ضلّ عن منهج الله غضب الله عليه ومن عبد الله حق عبادته كما أوضحت سورة الفاتحة لا يمكن أن يكون ضالاً أو مغضوباً عليه.

إذاً سورة الفاتحة بالفعل تشفي قلب المؤمن من كل تلك الأمراض، تشفي قلب المؤمن وتحصّنه من أمراض النفس، من أخطارها التي هي أخطر بكثير من أخطار أو أمراض البدن. الروح حين ترتقي وتقوى بهذه المعاني العظيمة ببساطة شديدة تستطيع أن تواجه أصعب الأمراض البدنية ولذا ابن القيم عنده لفتة جميلة حين يقول أنه كان يتداوى بسورة الفاتحة، تقوي اليقين بالله عز وجل أنه لن يصيبك إلا ما كتب الله لك ليأتي اليوم العلم الحديث ويكشف أن من أكثر الأشياء التي تقوي مناعة المريض المريض أمراض بدنية ضد الأمراض أن تقوي جانب الإرادة والتفاؤل لديه، الطاقة الإيجابية الحقيقية فيه. سورة الفاتحة تعطيني هذا المعنى حين أقول وأردد (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) حين أكون مستحضراً لهذه المعاني مقرراً لها بقلبي وفعلي ولساني أن الرب الذي يصرّفني في أموري الرب الذي يكتب لي المرض التعب الشقاء أحياناً الأشياء التي لا تروق لي رب رحمن رب رحيم وهذه معاني عظيمة تحققها سورة الفاتحة لتفتح لي طبيعة العلاقة الجديدة بيني وبين الله عز وجل.

بهذه المعاني العظيمة استحقت هذه السورة أن تكون أعظم سورة في كتاب الله. بهذه المعاني وهذه التربية وهذه المراحل التي تنقّلت بها سورة الفاتحة في تربية الإنسان المؤمن ليصبح عبداً حقيقياً لله مستحقاً لهدايته الهداية الخاصة مستحقاً لرحمته الرحمة الخاصة القريبة من عباده المحسنين، بهذه المعاني استحقت أن تكون فاتحة في كل شيء، فاتحة الكتاب الذي هو منهج الذي لا يمكن أن أدخل عليه في علاقتي دون أن أدرك طبيعة العلاقة بيني وبين الله عز وجل. ومن معجزات هذا الكتاب العظيم أن سورة البقرة التي جاءت بعد سورة الفاتحة جاءت محققة للإستجابة لهذا الدعاء، أنا دعوت قبل قليل قلت (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) اُنظروا لقوله عز وجل (الم (1)ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) البقرة) تريد الهداية؟ تطلب الهداية؟ لا يكفي فقط الدعاء، عليك كمؤمن كعبد أن تسير وفق المنهج الذي جعله ربي هداية عليك الأخذ بالأسباب. سورة الفاتحة تحققت بهذه المعاني.

ربي سبحانه قادر على أن يهديني وقادر على أن يرحمني ولكن أنا عليّ كعبد أن أقوم بموجبات ومقتضيات هذه العبودية وأن أترقى فيها واحدة واحدة كما أمرني فيها ربي عز وجل. وكلما ازداد العبد عبودية لله عز وجل واحساناً في ترقّيه في منازل تلك العبودية كما بنتها سورة الفاتحة كلما زادت المعونة من الله له سبحانه، كلما زاد ربي سبحانه عطاء له بالهداية الخاصة هداية التوفيق. وربما هذا يكون معنى من معاني الحديث الصحيح الذي جاء فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان جالساً وكان عنده جبريل إذ سمع نقيضاً فوقه فرفع جبريل بصره إلى السماء فقال: هذا باب قد فُتح من السماء ما فتح قطّ فنزل منه ملك فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أبشِر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لم تقرأ منهما حرفاً إلا أُعطيته.

إذاً هي سورة الفاتحة بكل عطاءاتها، بكل ذلك النور الذي يعطيه ربي عز وجل للمؤمن لكي يهديه لكي يوضّح له الطريق الذي جاء بيانه في هذا الكتاب العظيم.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفتح علينا في هذا الكتاب العظيم وأن يجعل الفاتحة فاتحة لنا لكل خير إنه سميع مجيب الدعاء والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

 



التعليقات

  1. islamiyyat علق :

    جزاكم الله خيرا أختي الكريمة رحمة
    كل ما تم تسجيله من محاضرات للدكتورة رقية العلواني قمت بتفريغه ولله الحمد وأنتظر استكمال تسجيل سورة النساء ونشرها على اليوتيوب لتفريغها بإذن الله تعالى.

  2. رحمة احمد محمد علق :

    جزاكم الله خير نرجو تنزيل دروس تدبر باقي السور اذا وجدت

  3. islamiyyat علق :

    جزاكم الله خيرًا ونفعنا وإياكم بعلم علمائنا الأفاضل وزادنا فهمًا بكتابه العزيز

  4. ابو محمد علق :

    احسن الله إليك وجعلها في موازين حسناتكم

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل