قصة آية - (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)

قصة آية - (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)

(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ (206) البقرة)

اليوم سنتوقف مع قصة صحابي جليل جاء من خارج الجزيرة العربية ليس بعربي وسكن في مكة ثم أسلم وآمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وكان قد كثرت تجارته وزادت ثروته فلما أراد أن يخرج من مكة مهاجراً إلى النبي صلى الله عليه وسلم منعته قريش قالت: أما مالَك فيبقى عندنا وأما أنت فاذْهَب.

(وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206) وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ (207) البقرة)

هذه الآيات من سورة البقرة وسورة البقرة يمكن أن نسميها كلية الشريعة. سورة البقرة سورة جامعة للشرائع والأحكام والحِكَم والفوائد. سورة البقرة يجعل المفسرون كل ما عندهم من العلم فيها لأنها في أول التفسير فيودعونها الفوائد والأحكام والاستنباطات وهي مليئة 286 آية. فهذه الآيات التي معنا هي من سورة البقرة والله سبحانه وتعالى يذكر فيها صورتين متقابلتين يقول (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ) خصِم فاجر مخاصِم لله ولرسوله (وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ) ازداد (أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ) ولذلك دليل على أنه كافر وأن إعراضه إعراض كفر قول الله سبحانه وتعالى (فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ) تكفيه جهنم عقاباً وجزاءً لهذا الكبر والفسوق.

نتوقف عند الصورة المقابلة في الاية التي بعدها فيقول الله سبحانه وتعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ) يشري نفسه يعني يبيعها معظم المفسرين على هذا لأن يشري بمعنى يبيع تأتي بمعنى يشتري وتأتي بمعنى يبيع كما في قوله (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ (20) يوسف) يعني باعوه وتأتي شروه بمعنى ابتاعوه لكنها جاءت في السياقات التي معنا بمعنى باعوه. الله سبحانه وتعالى يقول من الناس من يبيع نفسه ابتغاء مرضاة الله وهذا هو مصداق الوعد الذي أخذه الله سبحانه وتعالى على المؤمنين عندما قال (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم (111) التوبة) ماذا بقي لهم؟ إذا الله اشترى منك نفسك وروحك واشترى منك مالك وما هو الإنسان إلا نفسه وماله ولذلك قال صلى الله عليه وسلم "إلا رجل خرج بنفسه وبماله" لأن هذه هي الحياة كلها، تخرج بنفسك وبمالك. فيقول (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم) مقابل ماذا يا رب؟ قال (بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ) وماذا نفعل؟ قال (يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ) أنا وعدتك بالجنة وأخذت منك نفسك ومالك أنها تذهب في سبيل الله ومن أصدق من الله وعداً؟.  

فالله سبحانه وتعالى يقول هنا عن هذا المؤمن (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ) هي آية قصيرة لكن لها قصة، صهيب بن سنان الرومي، صحابي جليل معروف. صهيب رضي الله عنه مولى من الموالي كان يعمل في مكة هو رومي أصلاً من بلاد الروم من سوريا تقريباً والمناطق حولها لأنه كا يقال لها قبل الاسلام تسمى بلاد الروم، هرقل كان حاكم الروم وكان يقيم في سوريا ولذلك لما خرج في عهد عمر رضي الله عنه قال: وداعاً يا سوريا وداعاً لا لقاء بعده وخرج هرقل ولم يعد بعدها وبقيت إسلامية إلى اليوم. صهيب رضي الله عنه أقام في مكة وبدأ يتاجر يشتغل وفعلاً كثرت أمواله وهو جاء إلى مكة وهو فقير ما عنده شيء لكنه نمت أمواله من تجارته. لما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مكة آمن به ودخل في الإسلام مثله في ذلك مثل سلمان الفارسي رضي الله عنه وبلال الحبشي رضي الله عنه وصهيب الرومي. وهؤلاء سابقين لأقوامهم في الدخول في الإسلام فسلمان سابق لفارس الذين دخلوا في الإسلام بالملايين بعد ذلك وأصبح منهم العلماء والمحدثون بعد ذلك. وبلال رضي الله عنه كان سابق الحبشة الذين دخلوا في الإسلام بالملايين بعد ذلك لكن أول واحد دخل في الإسلام منهم هو بلال بن رباح رضي الله عنه ومثلهم صهيب رضي الله عنه كان هو سابق الروم في هذا.

لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أراد صهيب أن يهاجر بعد النبي صلى الله عليه وسلم ولكن صهيب تاجر وعنده أموال فانتظر يضع خطة يحاول أن يأخذ الأموال معه ينتفع بها هي أمواله ولكن قريش تربصت به وحاصرته حتى أمكنه أن يهرب ولكنه أدركه القناصة والرماة وحاصروه، قالوا لا يمكن أبداً أن تخرج بنفسك وبمالك فقال لهم لو دللتكم على مكان المال تتركوني؟ فنظروا إلى بعضهم البعض وتشاوروا ثم قالوا نتركك.

من حقائق التاريخ والحياة أن أعداء الله وأعداء دينه في كل مكان أهدافهم دنيوية اقتصادية يرضيهم متاع الدنيا الزائل ويرون أنهم إن حصلوا عليه قد حصلوا على ما يريدون. ولذلك في قصة طالوت بنو اسرائيل قوم متعلقون بالدنيا، أهم شيء عندهم الاقتصاد وللك اليوم اليهود يهتمون بالاقتصاد بشكل كبير وهذا هو المقياس عندهم أن الرجل يكون كثير المال والرسول صلى الله عليه وسلم حذّرنا من ذلك أن الإنسان ليس يقاس بماله ولا يقاس بنفسه وإنما يقاس بتقواه (  وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا (13) الحجرات) ثم وضع القاعدة (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) وقال الرسول صلى الله عليه وسلم "إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا" وقال "لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى" وقال "كلكم لآدم وآدم من تراب".

في قصة طالوت لما قال لهم نبيهم (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا (247) البقرة) استنكروا مباشرة (قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ) ليس عنده اقتصاد يجعلنا نوليه علينا ملكاً لأنهم يرون أن هذا هو المؤشر (وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ) لأننا من سلالة بني إسرائيل. (قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ) ليس عنده مال لكن هذه المقاييس التي يوزن بها الناس العلم، فهذا يؤشر على قضية الدنيا وتمكنها من نفوس وقلوب اليهود والمشركين والمنافقين وكل مخالف للحق وللدين تجد أنه إذا حصل على الدنيا هذا هو مراده. ولذلك لما قال المشركون لصهيب لما قال لهم أترك لكم المال وتتركوني قالوا ما عندنا مانع فلما تأكدوا من مكان المال ووجدوه قالوا له اخرج!

تخيل أنت جمعت المال الحلال طيلة حياتك بطريق حلال ومشروع في لحظة تجد نفسك بين خيارين: أن تترك كل مالك وثروتك والرجل تاجر، وفعلاً تخلى صهيب عن هذه كلها لوجه الله حتى يذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم. صهيب رضي الله عنه لما خرج من عندهم متوجهاً إلى المدينة كأني به وشعوره أن كل ثروته ذهبت وسيذهب للمدينة لا مال له وما عنده شيء والنبي جاءه الوحي بخبر صهيب فنزلت الآية (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ) فلما دخل صهيب رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم تلقّاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقابله في طرف الحرّة من طرف المدينة لأنه جاءهم الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم بما حصل لصهيب وساومه المشركون على ماله ونفسه فترك لهم المال فتلقوه على طرف المدينة فلما دخل قالوا له: ربح البيع يا صهيب! فقال: وأنتم فلا أخسر الله تجارتكم. وأخبروه أن الله أنزل هذه الآية. ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ربح البيع يا صهيب!

هذا درس، الآية قصيرة ومعناها واضح أن الإنسان الذي يبيع نفسه لمرضاة الله والهجرة في سبيل الله والدعوة في سبيل الله لأن كثير من الدعاة في أنحاء العالم فقراء وربما بعضهم يفكر بالمال والثروة والله سبحانه وتعالى يقول لا، طريق الدعوة تحتاج من يبيع نفسه في سبيل الله فتتنازل عن كثير مما يحرص عليه الآخرون المال، الراحة، الحياة الفارهة، يجب أن تتنازل عنها، اِصبر لأنه من الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله. ولاحظ كيف تختم الآية فوق ذلك أنت لم تخسر يا صهيب، الله رؤوف بك عندما صنع بك هذا الصنيع (وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ)

لاحظ التعبير كلمة (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ) ما قال والله روؤف بهم، قال (وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ) وهذه فيها إشارة أن وصف العبودية عبوديتنا لله سبحانه وتعالى هو شرف لنا نحن لما نقول هذا عبد فلان فهذا نقص بحق الإنسان لكن وصف العبودية لله سبحانه وتعالى فهذا وصف شرف. وسام شرف نتشرف به أننا عباد لله سبحانه وتعالى ولذلك يعجبني قول الشاعر:

ومما زادني شرفاً وتيهاً                 وكدت بأخمصي أطأ الثريا

دخولي تحت قولك يا عبادي          وأن صيرت أحمد لي نبياً

 

كوني أدخل تحت (وبشِّر عباد) (يا عبادي) أنا من هؤلاء العباد. ولذلك لما وصف الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم في اشرف المواضع وصفه بالعبودية فقال في سورة الاسراء قال (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (1)) هذه من المعجزات الكبيرة وأيضاً لما أنزل عليه القرآن (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ (1) الكهف) وهذا موقف تشريف ولما قام يدعو إلى الله (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ (19) الجن) هذه كلها مواقف تشريف وأنا أقول وجود العباد المخلصين في المجتمعات صمام أمان لهم، وجود العلماء في المجتمعات هو صمام أمان لهم تنال المجتمعات من بركة هؤلاء الدعاء المخلصين الصادقين الذين يبيعون أنفسهم في سبيل الله ما يصيبهم من الخير والرحمة والسكينة. وهي شرف لهؤلاء المخلصين وأمانة من جهة أخرى. أسأل الله تعالى أن يرزقنا الإخلاص وأن نؤدي شكر هذه النعم التي أنعم بها علينا.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل