قصة آية - (قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ)

قصة آية - المصائب من عند أنفسنا

(أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165) وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوِ ادْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (167) آل عمران)

نتحدث عن آية من الآيات التي نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم بعد معركة أُحُد، هذه المعركة التي وقع فيها على جيش المسلمين والنبي صلى الله عليه وسلم معهم فيهم بعض الجراحات وبعض الانكسارات وهذه الآية التي معنا سوف تتحدث عن هذه المسألة.

تأمل هذه الآية عندما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في أعقاب معركة أحد وهذه المعركة هي المعركة الثانية في الإسلام وكان النبي صلى الله عليه وسلم في معركة بدر قد نصره الله وانتصر وأصيبت قريش بخيبة أمل وانكسار ولذلك أرادت بمعركة أُحد أن تُرجع هيبتها في الجزيرة العربية وأن تُقنع العرب بأن قريش ما زالت قادرة على بسط هيمنتها في الجزيرة. فالنبي صلى الله عليه وسلم مع الصحابة رضي الله عنهم عندما شهدوا هذه المعركة والنبي صلى الله عليه وسلم وزّع أقسام الجيش وترك الميمنة والميسرة ووضع كلٌ في موضعه وكان ممن وضعهم عدد من الصحابة رضي الله عنهم فوق جبل الرماة والقصة معروفة ومشهورة وكيف أن هؤلاء رضي الله عنهم عندما رأوا بشائر النصر ورأوا الغنائم والنبي صلى الله عليه وسلم قال لهم لا تبرحوا هذا المكان ولو تخطفتنا الطير. ولكن سبحان الله العظيم لأمر الله سبحانه وتعالى رأوا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصد في حالة الحاجة أو إذا كان هناك ميل للكفة للمشركين ولا بد من الوقوف في هذا المكان لكن رأوا أن المسألة حُسِمت، سبحان الله العظيم. أحياناً قد يتهاون الإنسان في أمر الله أو يرتكب شيئاً ويرى أنها مخالفة يسيرة ويترتب عليها إنكسار كبير جداً. والنبي صلى الله عليه وسلم موجود وكبار الصحابة موجودون وقع هذا الذنب والمخالفة والرسول صلى الله عليه وسلم وكبار الصحابة وأهل بدر كلهم موجودين. فتركوا أماكنهم وذهبوا ليجمعوا الغنائم. خالد بن الوليد رضي الله عنه كان في ذلك الوقت مع جيش المشركين وخالد ذكي ولهم يهزم في جاهلية ولا في اسلام فلما رأى المسألة رأى من المناسب جداً الالتفاف عليهم والصعود على جبل الرماة وينكشف ظهر الجيش المسلم وهذا الذي حدث. فقام خالد رضي الله عنه وكان على جزء كبير من جيش المشركين والتف وجاءت المقتلة وجاءت الجراحات وأصيب النبي صلى الله عليه وسلم بجراحات عظيمة كسرت رباعيته وقتل من الصحابة رضي الله عنهم سبعون صحابياً منهم حمزة بن عبد المطلب تأثر النبي صلى الله عليه وسلم بموت عمه حمزة تأثراً شديداً وكان يعتبره ذراعه اليمين وكان يتقي به هؤلاء. لو نظرت إلى المخالفة التي وقعت من هؤلاء في نظرهم بسيطة يعني الغنائم انكشفت وهؤلاء انهزموا ولكن سبحان الله كانت عاقبتها شديدة جداً. الحسن البصري يقول: لا تنظر لحجم المعصية ولكن انظر لعظمة من عصيت. وفعلاً الله سبحانه وتعالى ما دام أمرك ونهاك فانظر إلى الآمر والناهي ولا تنظر إلى الأمر، لا تقول هذه بسيطة، ليس هناك حاجة بسيطة. فالله سبحانه وتعالى يقول على لسان الصحابة (أَنَّى هَـذَا) من أين جاءتنا الهزيمة؟ من أين جاءنا الانكسار؟ والنبي صلى الله عليه وسلم معنا؟ ولذلك الله سبحانه وتعالى بمثل هذه الحوادث مع شدتها على النبي صلى الله عليه وسلم وهو أحب الناس إليه وأحب الخلق إليه ما زال أثرها إلى اليوم وسنبقى نكرره لأنه ليس حادثة عابرة يعني قاعدة.

كاد النبي صلى الله عليه وسلم يُقتل في هذه المعركة. ابن قمئة الذي قال لا نجوت إن نجا محمد صلى الله عليه وسلم فدعا النبي صلى الله عليه وسلم فتردّى من الجبل. الشاهد أن الله تعالى سماها معصية (وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ (152) آل عمران)

نعود لأول الآية (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ) سماها الله مصيبة (قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا) أنتم الآن قتل منكم سبعون أنتم قتلتم ضعف هذا العدد وأصبتم مثله والله سبحانه وتعالى قد أراكم ما تحبون من بشائر النصر والغنائم. لو تتأمل في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وفي أسباب نزول هذه القصص ونحن في برنامج قصة آية لوجدت أن هذه القصص ليست هي قصص للتاريخ وإنما هي نبراس ينبغي لنا أن نهتدي به. ولذلك عندما يقول الله (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا) وهذا في الحقيقة  لسان حالنا جميعاً أو لسان حال أكثرنا حتى لا نُعمم، عندما يقع مصيبة يتسخط على القضاء والقدر ويقول من اين أتتنا هذه الأمراض؟! من أين جاءتنا هذه الحوادث؟! فيقول الله سبحانه وتعالى (قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ)

فاطمة بنت النبي رضي الله عنها وأرضاها أنها كانت لما تصاب بالصداع كانت تعصب رأسها وتقول: بذنبي ويعفو عن كثير. وهذا من فقههم وفهمهم للقرآن. لو يتتبع أحد المتتبعين القصص عن الصحابة رضي الله عنهم كيف يفهمون القرآن وكيف فهمت رضي الله عنها وهي بنت النبي صلى الله عليه وسلم وفيها منه من ذكائه وفهمه عليه الصلاة والسلام قالت: بذنبي ويعفو عن كثير. لكن كثير منا يلجأ ويقول من أين جاءتني المصائب؟!

فالل تعالى يقول (قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ) وفي الحقيقة هذا نبراس لنا جميعاً أن الواحد يلوم نفسه أول ما يلوم ولو تأمل الواحد منا في حقوق الله عليه لوجد أن هناك خلل كبير جداً جداً في طاعة الله سبحانه وتعالى وفي الاستجابة لأمر الله سبحانه وتعالى وفي الوقوف عند حدوده وفي الانقياد لأوامره وهؤلاء الصحابة رضي الله عنهم خالفوا مخالفة يسيرة ترتب عليها هذا الخطر العظيم فالله سبحانه وتعالى جعلها درساً وقال تعالوا الإنكسار الي حدث هو من عند أنفسكم بمخالفة أوامر النبي صلى الله عليه وسلم وفي هذه الآية من الفوائد مكانة النبي صلى الله عليه وسلم العظيمة والله سبحانه وتعالى جعل مقامه مقام نفسه في الأمر وفي النهي فمخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم مخالفة لأمر الله (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ (31) آل عمران) (مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ (80) النساء) وهذه الآيات واضحة جداً نقول لمن يحب النبي صلى الله عليه وسلم أن كمال محبة النبي صلى الله عليه وسلم في اتّباعه وأنه يظهر مقدار حبك الحقيقي للنبي صلى الله عليه وسلم بقدر اتباعك لسنته واستجابتك لأوامره ولذلك من ياتي الآن في ذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم يقيم الحفلات ويقيم الاحتفالات بذكرى الني ويذكرون سيرة النبي ومفاخر النبي من السنة إلى السنة لكن عندما تأتي إلى هؤلاء إذا بهم في منأى عن تطبيق سنته واتباعه والاستجابة لأوامره. نقول المحبة الحقيقية ليست في مثل هذه الاحتفالات والمظاهر التي تأتي في كل سنة لكن المحبة الحقيقة هي في اتباعه عليه الصلاة والسلام والانقياد لأمره ولذا قال تعالى (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ) ولاحظ انكسارات الأمة وأثر المعاصي على هزائم الأمة عبر التاريخ تجد أن هذه الآية تتكرر في المواقف كلها. ولذلك عمر رضي الله عنه وهو من فقهاء الصحابة كان يقول للجيش والله ما أخشى عليكم من كثرة أعدائكم ولا من قلة عددكم ولكني أخشى عليكم من ذنوبكم. سبحان الله ما أفقهه. نحن لما نذكر هذا الآن بعض الناس يظن أنه من الدروشة وأن الإعداد والاستعداد بالأسلحة والذخيرة وكل ما يتعلق بها هو العامل الحقيقي للنصر، لا والله. ولذلك الله سبحانه وتعالى يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7) محمد) ويثبت أقدامكم الآن يتحدثون عنها بالعسكرية يسمونها الروح المعنوية مهما كان عندك من أسلحة إذا ما كان عنك روح معنوية قوية لا تأتي النصر.

 

في الاية (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ (60) الأنفال) ما استطعتم من قوة والأمر كله لله ومن جهة أخرى لم يخض المسلمون معركة في التاريخ كانوا هم أكثر من أعدائهم عدداً وعدّة إن وجدت في التاريخ فهي نوادر إنما الأصل المضطرد أن الأعداء دائماً أكثر منا لكن تحققت انتصارات تحققت في بدر وفي الخندق وفي حنين وفي فتح مكة وفي اليرموك في القادسية في حطين ولكن الله سبحانه وتعالى عندما كلفنا بما نستطيع لكن المفاتيح كلها بيده ولذلك قال (وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ (10) الأنفال) مهما بذلت هل تظن أنك تضمن النصر؟ لا. ولذلك لما جاء المسلمون في حنين وكانوا اثنا عشر ألفاً تقريباً قال أحدهملن نُهزَم اليوم قال الله سبحانه وتعالى (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ (25) التوبة) وفيهم النبي صلى الله عليه وسلم. كل الحوادث التي تقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أشبه ما تكون بقواعد لنا وإلا لو كان القرآن الكريم شرح كل التفاصيل ما كان يمكن أن يكون في هذا المجلد الصغير لكن كل آية فيه اشبه ما تكون بقاعدة. ولذلك نحن لما نتوقف مع قصة هذه الآية ونذكر أن سبب هذا الانكسار الذي وقع في الجيش وعلى رأسه صلى الله عليه وسلم وكان الملائكة يؤيدون النبي ومن معه كانت بسبب معصية بسيطة ولو حققت مع الصحابة الذين فعلوا ذلك لما وجدت عنهم نية سيئة تأولوا واجتهدوا لكن الله تعالى أراد أن يقول لنا ولهم أن هذه المخالفة للنبي صلى الله عليه وسلم أحدثت هذا الشرخ الكبير قد كادت أن تودي بحياة النبي صلى الله عليه وسلم فكيف بمخالفاتنا لأوامر الله الصريحة؟! وكيف يمكن اننا ننتصر ونحن نرتكب الكبائر ونجعلها مشرّعة قانوناً الربا يشرّع في بلاد الإسلام ولا يجد من يردعه وترتكب الموبقات ثم نستغرب لماذا نُهزم؟! الغريب كيف ننتصر على أعدائنا ونحن نخالف أوامر الله جهاراً نهاراً؟!! ولكن نحن مستبشرون ومتفائلون برجوع الأمة في أنحاء الأرض إلى دين الله سبحانه وتعالى. يقول أحد السلف: رب معصية تكون سبباً في دخول الجنة لأنه تورث الانكسار والندم والتوبة والاستغفار ما يجعل الإنسان يرتفع في درجته عند الله سبحانه وتعالى وليست نهاية المطاف ورب حسنة كانت سبباً في دخول النار لأنها أورثت الكبر والتعالي والغرور والاعتزاز بالعمل مما جعل صاحبها يترك العمل أو يضل. ونحن نقول هذه المعاصي وهذه الذنوب لا تحتقرها فربما تكون سبباً في انكسارة عظيمة وفي هزيمة عظيمة وأيضاً لا تجعلها نهاية المطاف لأن الله سبحانه وتعالى يقول هنا (قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) حتى في خواتيم الآيات أن الله سبحانه وتعالى يختم الآيات بخواتيم، المتدبر لكلام الله سبحانه وتعالى يجد فيها حكمة متناسبة مع ما تتحدث عنه (إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) لما ذكر أن هذه الهزيمة وهذا الانكسار بسبب هذه المعصية الصغيرة وأن الله سبحانه وتعالى جعل لنا هذا الدرس الذي ما زلنا نتدارسه حتى اليوم نسأل الله أن يرزقنا الفقه في كتابه وأن يرزقنا التوبة وأن يكفينا شر ذنوبنا وشر سيئاتنا.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل