قصة آية (ويؤثرون على أنفسهم)

قصة آية - مدح الإيثار وأهله

(وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) الحشر)

نتوقف اليوم مع الآية التي تتحدث عن الأنصار رضي الله عنهم في سورة. رضي الله عن هؤلاء الأنصار وجزاهم عن المسلمين خير الجزاء. نحن نتحدث في هذه الآية عن أجدادنا الأنصار والأنصار رضي الله عنهم هم الذين نصروا النبي صلى الله عليه وسلم ووقفوا معه في بداية الإسلام حتى نصره الله ولذلك أحبهم النبي صلى الله عليه وسلم حباً شديداً وكان صلى الله عليه وسلم في قسمة الغنائم يقسم للمؤلفة قلوبهم الحشر ويقسم للقبائل الأخرى ويترك الأنصار في حنين فلما شعر النبي صلى الله عليه وسلم أن الأنصار  جمع الأنصار وقال يا معشر الأنصار والله لو سلك الناس شعباً وسلك الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار والله لولا الهجرة لكنت امرءأ من الأنصار اللهم ارض عن الأنصار وأبناء الأنصار فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يحبهم حباً شديداً لأنهم وقفوا معه ونصروه وأوصى بهم فقالوا المنة لله ورسوله وبكوا بكاء شديداً لكن حظوظ الناس أحياناً وقع في أنفسهم وهم يرون الناس يقتسمون الغنائم وهم الذين أعطوا معظم الجيش منهم لكن الرسول صلى الله عليه وسلم قال أما رضيتم يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله؟ لهم النيا ولكم الآخرة. هؤلاء الأنصار رضي الله عنهم ضحوا بكل شيء في سبيل نصرة هذا الدين وهذه الآية تتحدث عن الأنصار وهذه الصفة من صفاتهم رضي الله عنهم. والله سبحانه وتعالى في هذه الآية يقول (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ) من الصحابة من الذين جاؤوا من مكة وغيرها (وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا) يعني يعطون ويبذلون بكل أريحية ولا يشعرون بأي حسرة ولا حزن لما يعطونه وينفقونه في سبيل الله قال (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) وهذه الآية لها قصة.

روي في سبب نزول هذه الآية روايات من أصحّها ما رواه البخاري ومسلم أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني أصابني جوع، فالرسول صلى الله عليه وسلم أرسل إلى بعض نسائه عائشة، أم سلمة، حفصة، هل عندكم شيء؟ فكل واحدة منهن تقول: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، ثم أرسل إلى أخرى فقالت مثل ذلك حتى قلن كلهن مثل ذلك. وقد ذكرنا في حلقة ماضية أن الرسول صلى الله عليه وسلم كانت حياته بهذه الطريقة، كفاف، بل كانت عائشة رضي الله عنها تقول كان يمر علينا الهلال وفي رواية أخرى يمر علينا الشهر والشهران والثلاثة لا يوقد في بيتنا نار. وفي رواية أخرى: ما هما إلا الأسودان الماء والتمر. فالنبي صلى الله عليه وسلم وقع في حَرَج من هذا الضيف المسكين الجائع، بيوت النبي صلى الله عليه وسلم كلها ما فيها شيء! فقال النبي صلى الله عليه وسلم لمن كان معه من الأنصار من يُضيف هذا الليلة رحمه الله؟ فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله، فاصطحبه إلى بيته فلما دخل إلى بيته قال لامرأته هل عندك شيء؟ قالت لا والله، إلا طعام صبياني. قال فدعيهم يتلهّون بشيء فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج وأريه بأنا نأكل وضعي الأكل عنده فقط فقعدوا وأكل الضيف. فلما أصبحوا غدا للرسول صلى الله عليه وسلم الضيف والأنصاري فقال الرسول صلى الله عليه وسلم للأنصاري: قد عجِب الله من صنيعكما بضيفكما البارحة، وفي رواية البخاري فأنزل الله تعالى (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ). في بعض الروايات تذكر أن هذا الصحابي الأنصاري هو أبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه. هذه قصة هذه الآية، لاحظ كيف أنهم آثروا ضيفهم على أنفسهم بالرغم من هذا الفقر وهذه الخصاصة وهذه الحاجة. فمعنى قوله تعالى (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) يعني لو كان بهم حاجة لو كان بهم فقر فإنهم بالرغم من هذا الفقر وهذه الحاجة نفوسهم طيبة ببذل ما يملكون. ولذلك ليس بالضرورة أن تكون غنياً حتى تنفق وليس بالضرورة أن تكون ثرياً جداً حتى تتصدّق، لا، وإنما تصدّق الإنسان بريال أو ريالين أو ثلاثة قد تفوق مليارات! وسبق درهم ألف درهم. والعبرة هي بالنيّة الطيبة ويصدق الإقبال على الله سبحانه وتعالى والثقة في وعد الله سبحانه وتعالى ولذلك ينبغي أن يكون هذا الأنصاري والصحابي الجليل قدوة لنا جميعاً أنك تقدّم أمر الله وتقدّم ما عندك لوجه الله سبحانه وتعالى وهذا الذي كان يصنعه أبو بكر، أبو بكر لما دخل في الإسلام أصبح يقدم ماله للنبي صلى الله عليه وسلم ينفق كل ما عنده ولذلك لما جاءت الهجرة أخذ كل ماله وجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول الله هذا في سبيل الله لك وللهجرة، فقال صلى الله عليه وسلم وماذا تركت لأهلك؟ قال تركت لهم الله ورسوله. لذلك عمر رضي الله عنه يقول يوماً حاولت أني أسابق أبا بكر فجاء عمر بنصف ماله ونظر أن أولاده وأهله لهم حق فترك لهم النصف من المال وأخد النصف وهذا كثير فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فما جاء أبو بكر جاء بماله كله فقال عمر لا أسابقك بعد اليوم! فالشاهد أن هؤلاء رضي الله عنهم سواء من المهاجرين أو الأنصار كانت هذه أخلاقهم رضي الله عنهم لكن هذه الأخلاق تجلّت في الأنصار رضي الله عنهم لأنهم هم كانوا أصحاب الأرض في المدينة وكانوا أصحاب الدار فلما جاءهم المهاجرون رضي الله عنهم ظهر خلق الإيثار في الأنصار فجاء الأنصار فأسكن معه المهاجر في منزله وأسكن أولاده معه وقسم له بيته وقسم له ماله فبلغوا في هذه الصفة مبلغاً وضُرب بهم المثل. عبد الرحمن بن عوف خيّره الأنصاري بين زوجاته قال له أطلقها وتتزوجها وهي مضرب المثل في مسألة الإيثار ولذلك خلّدها الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم وقال (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) رضي الله عنهم. والحقيقة الدين لا يقوم إلا على أمثال هؤلاء الرجال ولذلك سمّاهم الله الأنصار عندما قال الله سبحانه وتعالى (لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ (117) التوبة) وسُموا الأنصار لأنهم نصروا الله سبحانه وتعالى بنصرتهم للنبي صلى الله عليه وسلم ونصرهم الله نصرهم في المعارك ونصرهم في خدمة الدعوة وكانوا مادة الإسلام ولذلك لا بد أن يُعرف فضل الأنصار وأبناء الأنصار حتى اليوم وحتى يوم القيامة لأنهم نصروا النبي صلى الله عليه وسلم ووقفوا معه وجاهدوا دونه صلى الله عليه وسلم بالسيوف ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان يريد أن يسمع رأي الأنصار عندما يستشير الناس لأنهم هم أصحاب الدار وهم الذين سيقفون ويحاربون ولذلك في إحدى المناسبات قام النبي صلى الله عليه وسلم يستشير الناس في خروجه لمقابلة المشركين من عدمها في المدينة فلما استشار الناس قام من المهاجرين في بدر فقالوا كلهم يا رسول الله نحن معك، من المهاجرين، فقال صلى الله عليه وسلم أشيروا عليّ أيها الناس ففهم الأنصار رضي الله عنهم أنه يقصدهم يعني ما هو رأيكم أنتم أيها الأنصار أريد أن اسمع رأيكم لأن المهاجرين الذي يؤيدونني جاؤوا معي من مكة يؤيدونني لكن أنتم أصحاب الأرض هل تؤيدونني فعلاً في أن ندخل معركة مع قريش؟ فقام سعد بن معاذ وفي مناسبة أخرى قام المقداد بن الأسود وكلهم من الأنصار فقالوا يا رسول الله والله لو خُضت بنا برك الغِماد (وهي منطقة بعيدة عنهم في ذلك الوقت) لخضناها معك والله لا نقول كما قال بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ولكن نقول إنا معك مقاتلون نحميك مما نحمي منه أنفسنا وأموالنا ونساءنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم أما الآن فنعم. فالأنصار رضي الله عنهم كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتني برأيهم وبدعمهم ولذلك سعد بن معاذ رضي الله عنه وهو من كبار الأنصار والذي اهتز لموته عرش الرحمن كما في الحديث الصحيح كان مؤيداً للنبي صلى الله عليه وسلم وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يسمع رأي سعد وتأييده. ولذلك في قصة بني قريظة المشهورة عندما غدر بنو قريظة بالنبي صلى الله عليه وسلم وأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يحكم فيهم فاستشار سعد بن معاذ وقال اليهود نرضى بحكم سعد بن معاذ. سعد بن معاذ شيخ من شيوخ الأنصار الكبار واليهود يعرفون له كلمته ووزنه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن معاذ ماذا تحكم فيهم يا سعد؟ فسعد بن معاذ رضي الله عنه أراد أن ينتقم من هؤلاء اليهود الذين غدروا به وغدروا بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو صاحب خبرة طويلة في التجربة مع اليهود ويعرف كيف يتعامل معهم. فقال سعد بن معاذ لليهود: ترضون بحكمي؟ قالوا نعم، لأن بينه وبينهم تعاملات طويلة وأشار إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من الصحابة : من هنا يرضون بحكمي؟ ويقول علماء السيرة أنه لم يقل هل يا رسول الله ترضى بحكمي الذي أحكم به؟ ولكنهم يقولون أنه نظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو مُطرِق تأدباً وقال: ومن هنا أترضون بحكمي؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم نعم، فقال أما أنا فأحكم قتل مقاتلتهم كل واحد فيهم يحمل السلاح يُقتَل وسبي ذراريهم وأخذ أموالهم. حكم دموي! حكم دموي وقاسي جداً لكنه حكم الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم حكمتَ بحُكْم الله من فوق سبق سموات، هذا الحكم الذي حكمت به يا سعد هو حكم الله وهذا الذي نُفِّذ فيهم وقُتِل منهم في ذلك اليوم من اليهود الذين غدروا بالنبي صلى الله عليه وسلم سبعمائة رجل وغنمت ذراريهم وسُبيت نساؤهم. فالأنصار رضي الله عنهم لهم في الإسلام ميزان عظيم وهذه الآية في سورة الحشر تبين لنا صفة من صفاتهم رضي الله عنهم وهي صفة الإيثار

 

والفائدة التي نخلص بها من هذه الآية هو أنه ينبغي على المسلم أن يكون فيه هذا الخلق وهو خلق الإيثار أنك تؤثر غيرك في مسائل الدنيا كرماً منك وخُلُقاً منك فتؤثره بالمال وتؤثره بالركوب وتؤثره بالمقعد وتؤثره بما يدخل على نفسه السرور وأن هذا من مكارم الأخلاق. ولكن في العبادات وفي القُربات فإن العلماء يتوقفون في هذا ويقولون أن الإيثار في القربات مكروه وأنه ينبغي عليك أن تسارع إلى الطاعات فلا تؤثر أحداً بالصف الأول وترجع أنت إلى الصف الثاني مثلاً بعض العلماء ينهى عن هذا وبعض العلماء يقول حتى في هذه فهي من مكارم الأخلاق إذا كان له عليك فضل، تقدّم والدك في الصف الأول وترجع أنت إلى الصف الثاني إذا لم يكن هناك مكان ولكن تبقى صفة الإيثار من صفات ومن مكارم الأخلاق التي لا يختلف عليها ولذلك الله سبحانه وتعالى ذكرها هنا. وأيضاً من فوائد هذه الآيات معرفة حق الأنصار رضي الله عنهم وفضلهم وسابقتهم في الإسلام وأيضاً سابقة أبنائهم وأحفادهم حتى اليوم وأن هذا من ديننا وإكرامهم وإكرام أبنائهم أنه من إكرام الله سبحانه وتعالى لهم كما في هذه الآية العظيمة في سورة الحشر وهناك آيات أخرى تحدثت عنهم في سورة التوبة وغيرها تشير إلى مكانتهم وتعظيم الله سبحانه وتعالى لجهدهم ولموقفهم الذي وقفوه مع النبي صلى الله عليه وسلم في بداية الإسلام بعد أن ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ورُدَّ من أهلها وقريش رُدّ من أهلها فلما ذهب إلى المدينة آواه الأنصار ونصروه ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار عندما عاتبهم في ذلك الموقف: والله لو شئتم لقلتم يا معشر الأنصار فلصدقتم ولصُدقتم جئتنا طريداً فآويناك وجئنا فقيراً فأعطيناك ولكن لم يقولوا ذلك فقالوا يا رسول الله المنّة لله ورسوله. لكن بالرغم من ذلك أثبت الله سبحانه وتعالى لهم هذه الصفات. ولا شك أن الاعتراف لصاحب الفضل بفضله هو من حُسن الخلق ومن الوفاء، والقرآن الكريم لو تأملته لوجدته أنه يحث على مكارم الأخلاق بالتوازي مع توحيد الله سبحانه وتعالى والإيمان بالأنبياء والرسل والإيمان باليوم الآخر فمزج الأخلاق بالعقيدة مثل (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴿١﴾ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴿٢﴾ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴿٣﴾ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ﴿٤﴾ المؤمنون) تجد أنها صفات شيء عقيدة وشيء أخلاق ممزوجة مع بعضها، تقرأ سورة الحجرات فإذا بها العقيدة مع الأخلاق فديننا هو دين الأخلاق وقام على الأخلاق وفي الحديث "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا وإياكم الاستقامة على أمر الله سبحانه وتعالى وأن يجعلنا ممن يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة اقتداء بالأنصار رضي الله عنهم. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل