قصة آية (ومن يتق الله)

قصة آية - ثمرات التقوى

(وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3) الطلاق)

هذه الآية من سورة الطلاق وسورة الطلاق سورة مدنية وعنوانها يتحدث عن العلاقات الاجتماعية وكما يسمونها اليوم الأحوال الشخصية قضية الطلاق وما يقع بين الرجل وزوجته وهي قضايا تقع بين الناس بكثرة. الله سبحانه وتعالى يتحدث عن ثمرة التقوة يقول (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا) والحديث عن التقوى هو حديث عن الإسلام كله ولذلك جاءت الوصية بالتقوى في مواضع كثيرة في القرآن الكريم منها في سورة الحشر (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18)) كررها في نفس الآية مرتين، ومنها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71) الأحزاب) وغيرها كثير في سورة البقرة وفي سورة النساء تكرر الحديث عن التقوى في مواضع كثيرة في القرآن الكريم ولو تتبعنا المواضع التي وردت في التقوى والسياق الذي وردت فيه والآية التي معنا اليوم ورد الحديث عن التقوى في سياق الحديث عن الطلاق وعن المحيض ويأتي في وسطها فيقول (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا).

ما هي التقوى؟ قال العلماء هي أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية ويعجبني تعريف علي بن أبي طالب لما سأله رجل: ما التقوى؟ قال هل سرت في أرض ذات شوك؟ قال نعم، قال فماذا تصنع؟ قال أشمّر وأنظر موضع أقدامي، فقال: تلك التقوى. أن تتقي الله سبحانه وتعالى فلا يراك إلا حيث أمرك ولا يراك حيث نهاك ولذلك يقول أحد الشعراء وأظنه ابن المعتز:

خلِّ الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى

واصنع كماشٍ وسط أرض الشوك يحذر ما يرى

لا تحقرنّ صغيرة إن الجبال من الحصى

هذه هي التقوى وأنت عندما تلتزم بهذه الآية فأنت ستستقيم على أوامر الله. لاحظ أنه يقول (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا) المخرج لا يكون إلا من ضيق، فهو يصوّر حال ذلك الرجل الذي يعيش في ضيق وفي ضنك لكن الله سبحانه وتعالى يسهّل له مخرجاً من هذا الضيق ما كان يظن أنه سيخرج منه فالله سبحانه وتعالى يعرض هذا العرض أنه من التزم بالتقوى فإن الله سبحانه وتعالى سيفرّج همومه ويجعل له من كل ضيق مخرجاً يخرج منه، لا تسأل كيف فالله على كل شيء قدير لكن أنت اِصنع ما أُمرت به (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا) هذه مسألة الخروج من الضيق لكن التي بعدها قال (وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) الآن الراتب لا يدخل في هذه الآية لأنك أنت تحتسب الراتب في أول الشهر ستعلم أن في نهاية الشه سيأتيك الراتب لكن الله سبحانه وتعالى يقول لك (وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) ثم من الذي تكفّل لك بهذا الرزق ومن الذي تكفل بهذا المخرج؟ الله سبحانه وتعالى وأنت تعلم أن الله على كل شيء قدير وتعلم أنه لا يعجزه شيء في السموات والأرض وتعلم أن عنده خزائن السموات والأرض فكل هذا يدفعك أن تأخذ هذه الآية على محمل الجد (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ). ثم يقول (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (4) الطلاق) فكل هذه ضمانات وتأمينات إن صح التعبير أن الله يؤمن لك تأميناً على الحياة وعلى الرزق وعلى النجاة لكن العجيب من الناس أنهم ينشغلون ويكدحون فيما ضمنه الله لهم! تجد الإنسان يبالغ ويستهلك حياته في طلب الرزق ويفرط في الفرائض ويفرط في السنن ويفرط فيما أُمر به من عبادة الله، نحن لا نقول انقطع في المسجد للعبادة واترك طلب الرزق، لا، لكن على الأقل توازن فأعط العبادة حقها والانقطاع لها وأعط الرزق حقه فلا تبالغ في الانقطاع للرزق على حساب دينك ولا تنقطع عن الدنيا بسبب الانقطاع للدين فتصبح عالة على الناس لكن بالرغم من ذلك لا يأتيك مهما كدحت ومهما تعبت إلا ما قدّره الله لك، ما اتقى الله فيه بارك الله له فيه. أن الشاهد التوازن في حياة المسلم هذه الآيات تأمر به وتدل عليه ولكن من هو الذي يوفق له إلا القليل.

مذكر قصة هذه الآية: يقول الحاكم النيسابوري أخرج الحاكم في مستدركه عن جابر أن هذه الآية (ومن يتق الله يجعل له مخرجا) نزلت في رجل من أشجع كان فقيراً خفيف ذات اليد كثير العيال، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله، - ورسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان دائماً عنده شيء يعطيه فقد كان يعيش عيشة المساكين في بيته عليه الصلاة والسلام النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن في يوم من الأيام أنه كان يملك أكثر من قوت يومه ويخطئ من يظن أن الآية التي في سورة الضحى تدل على ذلك (ووجدك عائلاً فأغنى) فيظن البعض أن المقصود بـ(أغنى) هنا أنه جعله غنياً كالأغنياء المترفين، الغنى المقصود في الآية هو الكفاف ولذلك ابن كثير رحمه الله في تفسيره أراد أن يبعد هذا الظن وهذا الوهم من نفوس من يقرأ التفسير فيظن أن معنى (ووجدك عائلاً فأغنى) أي مترفاً ذا غنى وذا مال وذا ثروة فأورد قول النبي صلى الله عليه وسلم "ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس" ليدل على أن الغنى المقصود في الآية ليس كثرة المال – فالنبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه هذا الرجل ما عنده شيئ يعطيه فقال له: اتق الله واصبر- فأمره بالتقوى علاجاً للفقر والحاجة التي هو فيها- فلم يلبث إلا يسيراً حتى جاء ابن له بغنم وكان العدو أصابوه فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبرها فقال: كُلْها، فنزلت هذه الآية. بمعنى هذا الرجل كثير العيال وقليل المال وأسر العدو ابنه فوجد ابنه هذا غِرّة من العدو فهرب وكانوا مشركين وهو مسلم فهرب منهم وأخذ غنمهم فجاء بها إلى والده ووالده محتاج فجاء رسول الله فقال له ابني حصل له كذا وكذا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم كُلها، غنيمة، ففتح الله عليه ووسع عليه بما لزمه من التقوى ولما استجاب من أمر النبي الله صلى الله عليه وسلم.

 

نحن نقول آيات القرآن الكريم ليس بالضرورة أن تكون كل آية لها سبب نزول خاص، سواء كانت هذه القصة سبب نزول مباشر لهذه الآية أو كانت مما يدخل في معنى الآية أن من لزم التقوى سيجعل الله له من كل هم فرجاً وسيجعل له من كل ضيق مخرجاً هذه لا نشك فيها ولا نتردد فيها لأن القائل هو مالك الملك سبحانه وتعالى لن يذكر المفسرون هذه القصة كسبب لنزول هذه الآية. وآيات القرآن الكريم من حيث النزول ومن حيث أسباب النزول يمكن أن نقسمها قسمين: آيات نزلت ابتداء دون أن يكون لها قصة أو سبب نزول مباشر نزلت من أجله وهذه معظم آيات القرآن الكريم ولو شئنا لقلنا أن هذه الآيات نزلت لهداية الناس، يمكن أن تقول أن أي آية نزلت هي لهداية الناس لأن الله سبحانه وتعالى قال في أول سورة البقرة بل في سورة الفاتحة (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ (6)) فسورة الفاتحة أشبه ما تكون بخطاب استدعاء في أول القرآن الكريم كتبها المؤمنون طلباً من ربهم الهداية (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) وحددوه قالوا (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ) فالله سبحانه وتعالى في الصفحة الثانية أبشروا (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2)) ولذلك القرآن الكريم لو تلمست أي آية أو أي مفردة من مفرداته لوجدت الهداية حتى في قصص الأنبياء تجد الهداية والعبرة حتى في الآيات التي معنا (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3)) هداية أيضاً، هذا سبب عام يصلح أن يكون سبباً لنزول كل آيات القرآن الكريم لكن هناك آيات لها أسباب نزول مباشرة وأسباب النزول المباشرة لها فائدة في قبول هذا الحكم قبول هذا التوجيه مثلاً على سبيل المثال عندما وقعت قصة الإفك لعائشة رضي الله عنها والنبي صلى الله عليه وسلم ابتلي بهذه القصة ابتلاء شديداً اتهم في عرضه عليه الصلاة والسلام وجلس شهراً ينتظر الوحي والناس يلوكون عرض النبي صلى الله عليه وسلم ويتهمون عائشة والنبي صلى الله عليه وسلم يقول يا عائشة إن كنت ألممت بذنب فتوبي أو نحو ذلك. تخيل هذا الموقف، موقف صعب وعصيب ولكن بعد شهر نزل قول الله سبحانه وتعالى (إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11) النور) كيف كان وقع الآيات على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى الصحابة؟ وقعها عظيم، الله سبحانه وتعالى أنزل وحياً يبرّئ فيه عائشة ويطهّر عرض النبي صلى الله عليه وسلم ويفضح المنافقين كيف لو كانت هذه الآيات نزلت ابتداء دون أن يكون لها هذه القصة؟ ولذلك القصة عندما ينزل الوحي (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا (1) المجادلة) جاءت مسكينة ومهمومة فنزل الوحي وهذه قد ذكرناها في إحدى الحلقات. فالشاهد أن آيات القرآن من حيث أسباب النزول تنقسم إلى قسمين: قسم نزل ابتداء لهداية الناس وهذه معظم آيات القرآن وقسم ما كان لقصص خاصة وهذه أكثرنا منها من برنامج قصة آية وذكرنا لكل آية قصتها التي وقعت وكانت سبباً في قبولها وهذه الآية فيها من الفوائد أن كل من لزم التقوى فالله ضمن له ما ضمنه في هذه الآية أن يخرجه من كل ضيق وأن يرزقه من حيث لا يحتسب وهذه هي التي يطلبها الناس، ماذا يريد الناس أكثر من أن الله سبحانه وتعالى يفرج عنهم الكربات ويوسع له في الرزق حتى لا يحتاج للناس والله ضمنها له مع التقوى وقصص كثيرة لو أردنا أن نفصلها قصص كثيرة في كتب التفسير والسيرة كيف أن من لزم التقوى فتح الله عليه من حيث لا يحتسب في الرزق والمال والقصص في القرآن كثيرة كيف أن الله سبحانه وتعالى بارك لمن شكر وانتقم ممن كفر وأعرض ونجّى أتباع الأنبياء وأهلك أعداءهم في قصص كثيرة من نوح إلى محمد صلى الله عليه وسلم قصص كثيرة تكررت كثيراً وكلها تؤكد هذه القناعة أنه من لزم التقوى وصبر واستقام على أمر الله سبحانه وتعالى وانقاد لأمر الله لأن بعض الناس يتردد في قبول أمر الله يسمع الآية تتلى عليه فيتردد ويشاور كأنه عرض عليه هذا الأمر من بشر ولذلك قال الله سبحانه وتعالى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا (36) الأحزاب) المسألة هذه يجب أن تكون محسومة عند كل مؤمن أن يقدّم أمر الله سبحانه وتعالى وتقوى الله سبحانه وتعالى على كل أمر ويراعي تقوى الله في كل التفاصيل في حياته ويُبشر بما ضمنه الله سبحانه وتعالى له ولذلك روى أحمد والنسائي أن العبد ليُحرم الرزق بالذنب يصيبه ولا يرد القدر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البرّ. وأيضاً ليس المقصود بالتقوى والتوكل على الله سبحانه وتعالى التواكل والانقطاع عن الدنيا والانقطاع للعبادة وإنما المقصود منها العمل الدؤوب والتوكل على علّام الغيوب، تعمل وتجتهد ولكنك تتوكل على الله سبحانه وتعالى وترضى بقضاء الله وتسلم بأمر الله وتتوازن ولذا أنا أنصح بقرآءة التوكل على الله وحقيقته وأنه ليس المقصود به التواكل والانقطاع عن العمل أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا فهم كتابه على الوجه الذي يرضيه عنا.



التعليقات

  1. islamiyyat علق :

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    جزاكم الله خيرا على حسن نكم وثقتكم بموقع إسلاميات أسأل الله تعالى أن يوفقني لتقديم الجديد المفيد النافع في علوم القرآن الكريم وأرجو أن يتحقق هدف الموقع من نشر العلم وتقريب الناس إلى كتاب الله العزيز الحكيم
    وما توفيقي إلا بالله فله الحمد والفضل والمنّة وجزاكم الله خيراً على المتابعة والتشجيع

  2. البندري حمود المطيري علق :

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله الذي سخر لنا موقع إسلاميات اللهم أنا نشهد بأننا نحب هذا الموقع نسأل الله ان يكون هذا العمل في موازين حسنات جميع القائمين ع هذ العمل الجيد والرائع والمليء بالفائدة
    يتميز موقعكم حسب ماأرى بالاتي :
    ١-سرعة تحميل المواد وبكفاءة عاليه
    ٢-سهولة الوصول الى فرعيان الموقع
    ٣-شمولية الموقع من حيث المواضيع
    وأخيرا وفقكم الله وجزاكم الله خيرا

  3. عثمان علي كومارا علق :

    أعجبني هذا شرح وجيز

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل