قصة آية - جزاء التكذيب بآيات الله

قصة آية جزاء التكذيب بآيات الله

(ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ﴿١١﴾ وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا ﴿١٢﴾ وَبَنِينَ شُهُودًا ﴿١٣﴾ وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ﴿١٤﴾ ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ﴿١٥﴾ كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآَيَاتِنَا عَنِيدًا ﴿١٦﴾ سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا ﴿١٧﴾ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ﴿١٨﴾ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴿١٩﴾ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴿٢٠﴾ ثُمَّ نَظَرَ ﴿٢١﴾ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ﴿٢٢﴾ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ ﴿٢٣﴾ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ﴿٢٤﴾ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ﴿٢٥﴾ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴿٢٦﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ ﴿٢٧﴾ لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ ﴿٢٨﴾ لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ ﴿٢٩﴾ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ﴿٣٠﴾)

سوف نتوقف اليوم مع قصة آيات من سورة المدثر نزلت في أحد صناديد قريش وكبار قريش الذين عارضوا النبي صلى الله عليه وسلم ووقفوا للدعوة الإسلامية في بدايتها وحاربوها بكل طريقة. يقص الله سبحانه وتعالى علينا قصة هذا الرجل المتكبر وهو الوليد بن المغيرة. سورة المدثر هي تكاد تكون السورة الثانية أو الثالثة نزولاً على النبي صلى الله عليه وسلم فنحن نتحدث عن أول الإسلام وإن كان آخر الآيات قد تأخر قليلاً إلا أنها من أوائل ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم وهي تحكي لنا الصراع الذي عاشه النبي صلى الله عليه وسلم والمعارضة الشديدة من قومه. هذا الوليد بن المغيرة المخزومي والعجيب أنه هو أبو خالد بن الوليد رضي الله عنه، إذا ذكر خالد ذكر الجهاد وذكر الانتصار وذكرت العزة وإذا ذكر والده المغيرة، الوليد المخزومي ذكر الاستكبار والكفر والجحود فشتّان بين الوالد والولد! يخرج الحيّ من الميت. وهذا دليل على أن الهداية بيد الله سبحانه وتعالى وإلا فإن الوليد بن المغيرة من كبار بني مخزوم وبنو مخزوم هم من كبار بطون قريش وكانوا يتفاخرون فيما بينهم بنو هاشم وبنو مخزوم وبنو التيم وغيرهم. يقول الوليد بن المغيرة للنبي صلى الله عليه وسلم كان أولاً الوليد بن المغيرة يرى نفسه يُفاخر بنفسه ويفاخر بوالده المغيرة يقول أنا الوحيد بن الوحيد ليس لي في العرب نظير ولا لوالدي في العرب نظير وكان يفاخر بكثرة الأبناء ولذلك يقول سبحانه وتعالى (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ﴿١١﴾ وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا ﴿١٢﴾) كان عنده ثروة طائلة (وَبَنِينَ شُهُودًا) يشهدون معه المحافل وكان يجعل خمسة على يمينه وخمسة على يساره وكان أبناؤه فيهم من الشهامة وفيهم ما فيهم ويكفيك خالد بن الوليد هو من أبناء هذا الرجل! إلا أنه طغى واستكبر وتجبر وكذب النبي صلى الله عليه وسلم وناصبه العداء بل وكان يسخر من النبي صلى الله عليه وسلم ومن دعوته وقد نقلت كتب السيرة كثيراً من أخبار الوليد بن المغيرة ومحاربته للإسلام وإصراره على ذلك فأنزل الله هذه الآيات (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ﴿١١﴾ وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا ﴿١٢﴾ وَبَنِينَ شُهُودًا ﴿١٣﴾) يقولون أنه كان يسمي نفسه "الوحيد" فالله سبحانه وتعالى ذكره بهذه الصفة إشارة أنه خلقه وحيداً ليس معه هؤلاء الأبناء وأنا الذي رزقته بهؤلاء الأبناء وبهذا المال لكن الله سبحانه وتعالى يتهدده (وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ﴿١٤﴾ ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ﴿١٥﴾ كَلَّا) يقولون لم يزل في نقص منذ ذلك اليوم، نقص في الأبناء ونقص في المال ونقول نقص في الذكر ويكفيه قبحاً أننا ما زلنا نقرأ هذه الآيات التي فيها هذا الوعيد الشديد له (كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآَيَاتِنَا عَنِيدًا ﴿١٦﴾ سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا ﴿١٧﴾) نعوذ بالله! وهذا الحقيقة جزاء المكذبين المعرضين في كل زمان وهذا ليس جزاء خاصاً بالوليد بن المغيرة وإنما هو جزاء لكل من عارض الدين وكذبه وناصبه العداء فإن الله سبحانه وتعالى سيرهقه صعوداً وسيعذبه وسوف ينتقم منه وهذا سنة الله سبحانه وتعالى. ولذلك لاحظ في القرآن الكريم كيف قصّ الله سبحانه وتعالى قصص الأنبياء على النبي صلى الله عليه وسلم من نوح إلى عيسى عليهم الصلاة والسلام، قصص النبي موسى عليه الصلاة والسلام كما قال ابن عباس كاد القرآن أن يكون لموسى من كثرة قصص بني إسرائيل وكثرة أخبار موسى وكلها للاعتبار بها، قصص القرآن ليست للمتعة والتسلية وإنما للاعتبار. الآن تقع حوادث في زماننا هذا ثم تقرأ القرآن فوالله كأنها نزلت البارحة، أذكر مرة من المرات لما وقعت حوادث ضرب اليهود لإخواننا في غزة وخذلان المسلمين لإخواننا في غزة كما هو واقع الناس اليوم، الآن نحن تخاذلنا عن نصرة المسلمين وإخواننا في كل مكان وهذه عواقبها وخيمة فقلت لأحد الزملاء من الأساتذة ليتك تكون ضيفي نتحدث عن سورة الأحزاب وكنت أقصد اختيار سورة الأحزاب بالذات ولما بدأنا نتحدث قلت في نفسي والله كأنها نزلت البارحة ما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الخندق! تعالج أوضاعنا اليوم كما تعالج أوضاع الناس في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. ولذلك القصص القرآني وقصص الأنبياء السابقين قصّها الله سبحانه وتعالى على النبي صلى الله عليه وسلم لتكون عبرة له ويرى أن الذي يحدث لك يا محمد قد سبقك إليه أناس، طردك قومك؟ ابراهيم عليه الصلاة والسلام طرده قومه وخرج وأمثاله كثير وموسى. أدموا ظهرك أو كسروا رباعيتك؟ قد قُتِل بعض الأنبياء وقِس على ذلك. رفض عمك أبو طالب أن يستجيب لك؟ هذا ابراهيم والده رفض وهذا لوط زوجته رفضت وهذا نوح ابنه رفض فلك فيهم عبرة ولذلك كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو تنزل عليه هذه الآيات وتثبت قلبه صلى الله عليه وسلم. تأملت في سورة هود فإذا قد ذكر الله فيها ست حضارات كلها تحمل بذور فنائها في داخلها، ذكر الله نوح وقوم نوح كان فيهم جبروت وعندهم امكانيات لكن الله أهلكهم بتكذيبهم. قوم هود، قوم صالح، قوم ابراهيم، نفس القضية، قوم موسى وهكذا فكل هذا عندما يقرأه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقوم الليل بهذه الآيات وختمها بقوله عز وجل (وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَـذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (120) هود) وفي نهايتها (وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (121)) الحق أبلج (وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ (122)) خاتمة عجيبة! وكأنك تنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو تنزل عليه الآيات (وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123)) القرآن حيٌّ سبحان الله وكأنه نزل البارحة.

ذكرت في إحدى الحلقات قول أحمد شوقي:

آياته كلما طال المدى جُدُدٌ   يزينهن جمال العتق والقِدَم

كأنها نزلت أمس وهذا لو كان من عند غير الله لوجدنا فيه اختلافاً كثيراً. كلام الله سبحانه وتعالى يتحدث عن النفس البشرية ولذلك عندما تصف شيئاً أنت تصفه بما عندك من العلم وبما عندك من الجهل أيضاً لأن الإنسان منا الجهل يكتنفك من كل مكان فأنت تكتب وتصف وأنت محاط بالجهل. الله سبحانه وتعالى عندما يصف شيئاً يصفه سبحانه وتعالى بعلم ولذلك لا يختلف على مرّ الزمان أنزله بعلم والملائكة يشهدون ولذلك لا يتغير مع مرور السنين والدهور ولا تغيره الأحداث ولذلك حفظه الله لنا الآن نتلوه ونتمتع به كما تمتع به النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة وهذا من أعظم النعم وأعظم المعجزان ولهذا قال (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ (51) العنكبوت) معجزة النبي صلى الله عليه وسلم معجزة موسى عليه الصلاة والسلام العصا ولذلك قال (فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) النازعات) عيسى عليه الصلاة والسلام آيته الكبرى أن يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، ابراهيم عليه الصلاة والسلام رمي وسط النار فأنجاه الله، ناقة صالح، كلها راحت وما أبقاها لنا إلا القرآن يذكرها. وحتى موسى عليه الصلاة والسلام لما أراد أن يقيم الحجة على فرعون وعلى السحرة وعلى الناس اختار وقتاً الشمس ساطعة والمكان واسع (قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (59) طه) لماذا؟ حتى يرى الناس لأن المعجزة التي عنده معجزة تعتمد على المشاهدة، يرمي العصا فتتحول إلى حية ليس هناك شاشات تنقل وإنما تشاهد مباشرة لذا يجب أن يكون الضوء كاملاً في الضحى والناس في اجتماع كبير. تعالَ عند القرآن الكريم، القرآن الكريم هو معجزة عقلية وليس معجزة حسية بخلاف معجزات الأنبياء السابقون كلهم معجزاتهم حسية، العصا، الحية، كلها. ثم مسألة أخرى وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم معجزته هي نفسها الشريعة فالقرآن الكريم هو آية النبي صلى الله عليه وسلم الكبرى وفي نفس الوقت متضمن للشريعة فمصدر التشريع عندنا القرآن والسنة وأيضاً الدليل على أن السنة مصدر للتشريع هو من القرآن نفسه كما قال ابن مسعود -وهذه فائدة مهمة لو يتأملها الإنسان - عندما جاءت امرأة إلى عبد الله بن مسعود فقالت بلغني أنك تلعنني وكانت تنمص شعر الحواجب، فقال لها وكيف لا ألعن من لعنه الله؟ قالت وأين لعنهم الله؟ قال في القرآن، قالت لقد قرأت القرآن من الجلدة إلى الجلدة فما وجدت فيه ما تقول أن القرآن يلعن النامص، قال إن كنت قرأتيه فقد وجدتيه، قالت أين؟ قال ألم تسمعي قول الله تعالى (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا (7) الحشر)؟ قالت بلى، قال والنبي صلى الله عليه وسلم لعن النامصة والمتنمصة. فأعجبني هذا الحديث أنه نسب لعن النبي صلى الله عليه وسلم للنامصة نسبه لله واعتبر لعن النبي صلى الله عليه وسلم هو لعن من الله مباشر واعتبر أن لعن النبي صلى الله عليه وسلم لها في السنة أنه لعن في القرآن بدلالة آية واحدة (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) أي شيء تجده في السنة تستطيع أن تقول هذا في القرآن بدلالة هذا وأنت مقلد لعبد الله بن مسعود وإذا قلدته فاطمئن فهو من أعلم الصحابة بكتاب الله.

 

نعود إلى (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا) وهذا الكبر وهذا العتو الذي كان يمارسه الوليد بن المغيرة، أين ذهب الوليد بن المغيرة؟ ذهب وأصبحنا لا نذكر إلا هذه اللعنة وهذا التقبيح له ووعيد الله سبحانه وتعالى له في النار (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا) يقول المفسرون أنه جبل في جهنم يرهقه الله سبحانه وتعالى في الصعود والنزول فيه تعذيباً له. وقد كانت الهداية بين يديه والنبي صلى الله عليه وسلم يدعوه وهو من كبار زعماء قريش ولو أسلم لكان له شأن في الإسلام ولكن الله لم يرد هدايته (وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا (41) المائدة) (وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23) الزمر) وهذا في الحقيقة كما أنه توبيخ للوليد بن المغيرة فإنه تحذير لنا أن الإنسان لا يأمن على نفسه ويسأل الله سبحانه وتعالى الثبات في صباحه وفي مسائه لأن الله سبحانه وتعالى ليس بينه وبين أحد نسب ولو كان النسب ينفع الوليد بن المغيرة المخزومي من أعلى قريش نسباً لكنه لم ينفعه نسبه "من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه" ولذلك سبق بلال وسبق صهيب وسبق سليمان وتأخر أبو طالب القرشي وتأخر الوليد بن المغيرة المخزومي وتأخر العاص بن وائل السهمي وتأخر أبو جهل وهؤلاء رؤوس قريش ولو أسلموا لكانوا من رؤوس المسلمين. عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما هو شيء مقارنة بهؤلاء في قيادة القوم ولكن هذا محض اختيار واصطفاء (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ (68) القصص). أسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا بكتابه وأن يزيدنا يقيناً فيه وأن يرزقنا الثبات عليه وعلى العمل به وعلى تدبره ومن أثمن الفرص أن يجد الإنسان فرصة يجلس ويتناقش في آيات كتاب الله سبحانه وتعالى وينتفع بها والمسلمون. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل