رياض القرآن – روضة الراحمين

رياض القرآن – روضة الراحمين

(الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ﴿٧﴾ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٨﴾ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿٩﴾ غافر)

هذه الآيات ومناسبتها في سورة غافر، الآيات التي سبقتها تتحدث عن إظهار الكفار العداوة الشديدة للمؤمنين فجاءت هذه الآيات تتحدث عن أشرف طبقات المخلوقات وهم الملائكة عليهم السلام كأن الله سبحانه وتعالى يقول إذا كان هؤلاء الأراذل من الكفرة والمكذبين والمشركين يُظهِرون لكم العداوة والكره فإن أشرف طبقات المخلوقات وهم الملائكة بينهم من التراحم ويكنون لكم من المحبة ويدعون لكم كما قال الله تعالى (وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ)

نتوقف ونحن نتحدث عن الرحمة في قوله سبحانه وتعالى (وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا) والقرآن الكريم لمن يتأمله يتحدث عن الرحمة كثيراً بل حتى في سورة الفاتحة تكررت الرحمة في قوله سبحانه وتعالى (الرحمن الرحيم) ولذلك يتحدث المفسرون دائماً لماذا جاءت هذه الصفتين مشتقتين من صفة واحدة: الرحمن والرحيم كلاهما مشتق من الرحمة لكن الرحمن على وزن فعلان والرحيم على وزن فعيل، ما الفرق بينهما؟ قالوا الرحمن أبلغ من الرحيم لأنها صيغة فعلان وهي تدل في اللغة العربية على الامتلاء فكأن الرحمن للجميع والرحيم للمؤمنين ويستدلون بقوله تعالى (بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (128) التوبة). العلماء يعرّفون الرحمة بأنها رقة تقتضي الإحسان للمرحوم وقد تسعمل تارة في الرقة المجردة وتارة في الإحسان المجرد عن الرقّة والله سبحانه وتعالى قد قرن استواءه على العرش بلفظ الرحمن كثيراً كما في قوله سبحانه وتعالى (الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ (5) طه) (ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ الرَّحْمَٰنُ (59) الفرقان) وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عند فوق العرش إن رحمتي غلبت غضبي، كما رواه البخاري. ولذلك الرحمة الحقيقية التي ينبغي أن ينتحلى بها جميعاً تقتضي إيصال المنافع إلى الخلق وتقتضي أن يكون المؤمن مستشعراً هذه الصفة العظيمة وهي من صفات الله العظيمة وهي صفة الرحمة وقد وُصف بها النبي صلى الله عليه وسلم وينبغي أن يتصف بها المسلم.

في قول الله عز وجل (الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ) المعلوم أن العرش له عظمته وقد يتساءل سائل لماذا لم يقل العظيم أو القوي على العرش استوى ولكن هنا يدلنا على قربه سبحانه وتعالى من عباده وبأن هذه الرحمة تسبق الغضب فقال الرحمن على العرش استوى

ومن سياق الرحمة في القرآن الكريم سورة مريم، سورة مريم هي سورة الرحمة تكررت فيها صفة الرحمة والحديث عن الرحمن والرحمة فيما يقارب 16 مرة وعدد آيات السورة 98 آية فتكرر فيها 16 مرة الحديث عن الرحمة من أولها (ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2)) ويذكر الله سبحانه وتعالى كيف رحمه وكيف لطف به في هذه السن وكان لا يولد له فرزقه الله سبحانه وتعالى وبشّره بالابن. أيضاً لما جاءت قصة إبراهيم مع والده -كما ذكرنا في قوله (الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ) المتبادر إلى الذهن أن الاستواء على العرش فيه عظمة وقوة جبروت وفيه سيطرة فالمناسب له أن تقول العظيم أو الجبار على العرش استوى لكنه قال الرحمن حتى يشعرك أنه وهو في عظمته رحمن وأنك لن تيأس من رحمته مهما كان علو قدره سبحانه وتعالى- أيضاً إبراهيم عندما كان يخاطب والده في قوله (يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45)) يقول المفسرون لماذا قال (يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن) لم لم يقل عذاب من الجبار؟ قالوا لأنه إذا كان الرحمن سوف يعذبك فهو لن يعذبك إلا على شيء لا يحتمل العفو لأنه رحمن فهو لا يعذبك إلا وقد استوفيت كل فرصك واستنفذت كل فرص العفو بالرغم من ذلك يعاقبك مما يدل على أنك بلغت في الذنب مبلغاً عظيماً ولا شك أن والد إبراهيم كان مشركاً بالله سبحانه وتعالى وهذا أعظم الذنوب على الإطلاق بدليل أن الله سبحانه وتعالى قال (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء (116) النساء) فدلّ على كل الذنوب أدنى من ذلك وأن أعظمها على الإطلاق هو الشرك بالله سبحانه وتعالى ولذلك قال إبراهيم لوالده (يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا) أنصح بالتفكر في سورة مريم وخاصة مع التركيز على هذه الصفة وهي صفة الرحمة الظاهرة في سورة مريم.

الأسباب التي تجلب الرحمة: تتبعت الايات التي وردت في القرآن الكريم التي تتحدث عن الرحمة ونحن نتحدث عن الرحمة وينبغي أن نتصف بالرحمة لعل الله سبحانه وتعالى أن يرحمنا والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال الراحمون يرحمهم الرحمن فأنت إذا رحمت من هو دونك ييسر الله لك من يرحمك ممن هو فوقك ونحن في المجتمع طبقات لا يوجد أحد إلا وفوقه من هو أعلى منه رتبة أو منصباً أو سلطة فلا بد أن نبحث عن الأسباب التي تجلب الرحمة لنا في مجتمعاتنا وأيضاً تجلب رحمة الله سبحانه وتعالى لنا لأن الله إذا رحم الناس ورحم المجتمع رزقهم وأكرمهم وأعطاهم. ومن الشعائر التي نكررها صلاة الاستسقاء وهي في جوهرها طلب للرحمة واستمطار لرحمة الله سبحانه وتعالى وكأننا بهذه الصلاة نقول يا رب نرجو رحمتك ونخشى عذابك. علّق الله سبحانه وتعالى حصول الرحمة بأمور منها:

·         طاعة الله ورسوله كما في سورة آل عمران (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132)) ولذلك من أعظم حصول أسباب رحمة الله سبحانه وتعالى  للعبد وللمجتمع هي لزوم طاعة الله ورسوله

·         إقام الصلاة وإيتاء الزكاة كما في قوله سبحانه وتعالى (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (56) النور) كل هذه الثلاثة هي من أسباب جلب رحمة لله سبحانه وتعالى إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله.

·         اتّباع القرآن من أسباب جلب رحمة الله سبحانه وتعالى قال الله سبحانه وتعالى (وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) الأنعام) وفي قوله سبحانه وتعالى (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204) الأعراف) فهذه من مواطن استجلاب رحمة الله سبحانه وتعالى

·         الاستغفار من الذنوب من أسباب جلب رحمة الله سبحانه وتعالى كما في قوله سبحانه وتعالى في سورة النمل (قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ ۖ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (46) النمل)

·         التقوىمن أعظم الأسباب الجالبة لرحمة الله سبحانه وتعالى كما في قوله سبحانه وتعالى (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (45) يس) ويقول الله سبحانه وتعالى في سورة الحجرات (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10) الحجرات) (أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (63) الأعراف)

لا شك أن هذه الأسباب التي فرّقها الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم تستوقف المؤمن في روضة الراحمين وفي روضة البحث عن رحمة الله سبحانه وتعالى ولا شك لا يستغني أحد منا عن رحمة الله. لذلك الرسول صلى الله عليه وسلم عندما كان مع الصحابة وتلك المرأة التي تاه عنها ابنها فعندما وجدته احتضنته فعلّق الرسول صلى الله عليه وسلم على هذا الموقف تعليقاً يجعل الإنسان منا يعي رحمة الله سبحانه وتعالى بشكل كبير قال: لله أرحم بعباده من هذه بولدها. لذلك الإنسان عندما يتصور رحمة الله سبحانه وتعالى هذه به ويقرن هذا الحديث بحديث أنا عند حسن ظن عبدي بي فإذ به سيسير في هذه الحياة برحمات الله سبحانه وتعالى التي وسعت كل شيء وسيعيش سعيداً ويموت قريباً من الله سبحانه وتعالى.

وأيضاً في قول النبي صلى الله عليه وسلم عندما شاهد هذه المرأة فسأل الصحابة قال: أترى هذه المرأة ملقية ابنها في النار؟ قالوا لا يا رسول الله، قال: لله أرحم بعبده من هذه بولدها. وأيضاً في قول النبي صلى الله عليه وسلم جعل اللهُ الرحمةَ مائةَ جزءٍ فأمسك عنده تسعةً وتسعين وأنزل في الأرضِ جزءًا واحدًا فمن ذلك الجزءِ تتراحمُ الخلائقُ حتى ترفعُ الدابةُ حافرَها عن ولدِها خشيةَ أن تصيبَه (رواه أبو هريرة، صحيح مسلم)

رحمت الله قريب من المحسنين ونحن نرجو رحمة الله سبحانه وتعالى ولا نقنط ومتفائلون برحمته وبفضله علينا سبحانه وتعالى لكن نريد أن نستشعر هذا المعنى وأن نتعرض لرحمات الله سبحانه وتعالى ولا سيما في الأوقات الفاضلة مثل شهر رمضان المبارك مثل صلاة الجمعة وساعات الإجابة في يوم الجمعة وفي المواطن الفاضلة مثل مكة المكرمة والمسجد النبوي فإن هذه مما تقوي رجاء استجابة الله سبحانه وتعالى وأن يرحمك الله سبحانه وتعالى رحمة لا تبأس بعدها أبداً. (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ (54) الأنعام) هذه الآية تكفي عندما يستشعر الإنسان هذه الآية يعلم أن الله كتب جل في علاه على نفسه هذه الرحمة.

ينبغي أن يكون هذا سلوكاً في حياة المسلم حتى بعض الناس يقول أن في طبعي جلافة والنبي صلى الله عليه وسلم عندما قبّل أحد أبناء علي رضي الله عنه وكان أحد الصحابة موجوداً ممن اسلم حديثاً وهو الأقرع بن حابس فقال الأقرع إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً قال له النبي صلى الله عليه وسلم وما أصنع إذا كان الله نزع الرحمة من قلبك. الرحمة كانت سلوكاً يغلب على تصرفاته صلى الله عليه وسلم وكان صلى الله عليه وسلم يقول إني لأدخل في الصلاة أريد أن أطيل فأسمع بكاء الصبي فأخفف وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بالتخفيف على الناس ورحمة الناس واللطف بالناس والاقتداء بأضعفهم حتى يستطيع المجتمع أن يسير وإذا لم يستشعر المسلم قضية التراحم بين الناس والصبر ونحن أصبحنا نعاني على سعة الشوارع عندنا من تزاحم الناس وضيق الناس من بعضهم البعض، تلاحظ الواحد منا في سيارته ينتظر الذي يريد أن يعبر الطريق ينتظر وقتاً طويلاً حتى يستطيع أن يعبر فلو كنا نحن فيما بيننا كمجتمع متراحمين نقدر ونقدّم هذا الذي يمشي على رجليه نتوقف ونتيح له الفرصة وللأسف الشديد هذا الخُلُق موجود خارج البلاد الإسلامية تجد أن الذي يمشي على رجليه له أولوية في عبور الشارع وفي المرور فهذا من الرحمة ومن علامات الحضارة قبل أن يكون من أوامر الدين وهي التراحم فيما بيننا والرفق بالكبير في السن والرفق بالصغير والرفق بالمريض. في مواقف السيارات تجد مواقف خاصة بذوي الاحتياجات الخاصة فيأتي أحد يقف بسيارته في هذا الموقف وهو ليس من ذوي الاحتياجات الخاصة يقال له هذا موقف خاص فكأنك تكلم جداراً! أين التراحم؟! لا بد أن نكون عمليين في حديثنا عن الرحمة.

مع العلم أن الإنسان يقرأ سورة الفاتحة أكثر من 17 مرة في اليوم وفيها يقول (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿١﴾ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٢﴾ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿٣﴾) يقرأ هذه الآيات والإشكالية أن الإنسان عندما يصلي لا يتفكر فيما يقرأ.

ونذكر بقصة المرأة التي من بني إسرائيل التي رأت كلباً يلهث من العطش وهي كانت امرأة بغيّ فلما رأت عطش هذا الكلب فنزلت إلى البئر وملأت حذاءها أسقت الكلب فغفر الله لها برحمتها لهذا الكلب فكيف برحمتك أنت بالمسلم أو رحمتك بالكافر إذا كان يستحق الرحمة كيف يكون لك من الأجر والثواب؟

 

نسال الله أن يجعلنا من الراحمين المرحومين في الدنيا والآخرة وأن يوفقنا لهذه الصفة العظيمة التي هي من صفات الله سبحانه وتعالى ومن صفات أوليائه الصالحين. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل