رياض القرآن – روضة المتعاونين

رياض القرآن – روضة المتعاونين

(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ﴿١﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿٢﴾ المائدة)

هذا مطلع سورة المائدة وسورة المائدة هي من السور المدنية وهي مليئة بالأحكام حتى قال المفسرون إن هذه السورة من أواخر ما نزل وكل الآيات التي فيها ناسخة وليس فيها آيات منسوخة لأن الأحكام الناسخة دائماً تكون متأخرة والمنسوخة تكون متقدمة ويقول أحد التابعين وهو أبو ميسرة رضي الله عنه يقول: في سورة المائدة ثماني عشرة فريضة ليست في غيرها. يعني انفردت سورة المائدة بثمانية عشر حكماً جديداً لم تسبق أن نزلت في أية آية من آيات القرآن الكريم. وأضاف القرطبي رحمه الله حُكماً انفردت به أيضاً وهو حكم مشروعية الأذان للصلوات الخمس وقال إن المفسرين أو الفقهاء يستدلون بقول الله تعالى في سورة الجمعة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ (9) الجمعة) وقال هذا خاص بنداء الجمعة أما في سورة المائدة في قوله سبحانه وتعالى (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا (58) المائدة) فأشار فيها إلى مشروعية النداء لكل الصلوات الخمس ولذلك التفقه في سورة المائدة مما كان يحثّ عليه السلف رضي الله عنهم وكانوا يعتنون بتعلم أحكام سورة المائدة ولذلك أنصح بضرورة القرآءة في تفسير سورة المائدة والتفقه فيها ومعرفة ما فيها من الحلال وما فيها من الحرام لأنها اشتملت على أحكام كثيرة.

نركز في روضتنا على ما تضمنه قول الله تعالى في الآية (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) وهذه الآية تعتبر من قواعد الإسلام العظيمة ومن قواعد القرآن العظيمة وهي الأمر بالتعاون على البر والتقوى وقد سبق الحديث في روضة البارين عن معنى البر وقلنا أن البر مأخوذ من البَرّ وهو المكان الواسع. والبرّ هو جماع خصال الخير ولذلك أمرنا الله سبحانه وتعالى بالتعاون على كل خصال الخير وخصال البر لخصال التي تعيننا على تقوى الله سبحانه وتعالى. وكما يقول علماء الاجتماع أن الإنسان مدني بطبعه لا يستطيع أن يعيش بمفرده كما تفعل الوحوش ولذلك الذين ينفردون عن الناس قلة في المجتمع ولذلك يحضرني أبيات للحسين بن المطير وكان شاعراً من الصعاليك الذين زهدوا في مصاحبة الناس وذهبوا إلى الفلاة يصاحبون الوحش يقول في أبيات مشهورة عنه:

عوى الذئن فاستأنست بالذئب إذ عوى وصوّت إنسان فكدت أطير

ويقول الحطيئة في إشارة إلى رجل كريم كان يعيش في مجتمع ولكنه فقير فلا يستطيع أن يكرم كل من يأتي إليه من الناس فرأى أن أنسب حلّ أن يذهب في فلاة ويستوحش من الناس فيقول:

وطاوي ثلاث عاصب البطن مرمل بتيهاء لم يعرف بها ساكن رسما

أخي وحشة فيه من الإنس جفوة يرى البؤس فيها من شراسته نُعما

هؤلاء يعتبرون قلة في حياة الناس الذين يستوحشون من المجتمع وينكفئون على أنفسهم لكن الأصل في الإنسان أنه مدني بطبعه لا بد أن يعيش في مجتمع يتعاون معه يحتاج إلى أشياء عندهم وهم يحتاجون إلى أشياء عنده فيحصل التكامل ولذلك جاء الإسلام ليرسّخ هذه الفطرة التي فطر الله الناس عليها وهي قضية التعاون والتناصر فيما بينهم.

الإنسان عليه كذلك أن يبتعد عن التعاون الذي لا يرضي الله سبحانه وتعالى فعلي سبيل المثال تجد بعض الطلاب يقول أريد أن أتعاون مع زميلي في مسألة مثلاً الغش في الاختبار والله عز وجل يقول (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) ولكن الله عز وجل يقول في ختام الآية (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) فلذلك لا بد من مسألة الفهم الجيد للتعاون أن التعاون يكون فيما يرضي الله سبحانه وتعالى. وأيضاً مسألة التعاون يسبب الألفة والمحبة بين الناس والله سبحانه وتعالى دائماً يدعونا إلى مسألة الألفة والمحبة (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) الحشر) فلذلك هذا الدين العظيم يطلب من المسلمين أن يتوجهوا إلى الألفة والمحبة مما يتولد عنها التعاون فالإنسان يتعاون سواء مع صديقه أو مع اي فرد من افراد المجتمع وما أجمل تلك الصور الرائعة عندما يسير إنسان في الطريق فيجد ذلك الرجل الضرير الذي لا يستطيع أن يسير لوحده فيأخذ بيده ويتعاون معه حتى يوصله وما أجمل ذلك الرجل الفقير الذي ليس لديه مال فيذهب هذا ليسعى لهذا الرجل يحضر له المال أو يسعى لتلك الأرملة حتى يأخذ الأجر وتجد أن السنة مليئة بالأحاديث التي فيها تحفيز بأن يتعاون الإنسان مع غيره.

ولو رجعنا إلى بناء الدولة الإسلامية لم تقم إلا بالتعاون، النبي صلى الله عليه وسلم ما كان ليستطيع بمفرده أن يقيم هذه الدعوة ولكنه لما أعانه الله سبحانه وتعالى ونصره بالمهاجرين وبالأنصار رضي الله عنهم فتعاونوا معه ففتح الله له القلوب وفتح له البلاد ودانت له الجزيرة ثم استطاع الصحابة رضي الله عنهم بالتعاون فيما بينهم ففتحوا الأمصار ونشروا الدين ولذلك نقول أن الإسلام قام على مبدأ التعاون وأنه لولا هذا المبدأ ولولا هذه القيمة العظيمة التي جاء بها الإسلام وهي قيمة التعاون والتكاتف وخاصة نحن نتحدث عن التعاون ديانة واحتساباً لوجه الله سبحانه وتعالى وأننا ينبغي علينا ديانة أن نتعاون فيما بيننا. التعاون بين الزوج والزوجة، هل يمكن أن تنجح حياة زوجية دون تعاون؟ لا يمكن، إذا كان الزوج يريد أن يفعل كل شيء بمفرده ويستقل بنفسه والزوجة تريد أن تستقل بأفكارها وبحياتها لا يمكن أن تنجح الحياة الزوجية لأنها مبنية عل التعاون وفي نفس الوقت مبنية على التنازلات التي يقدمها كل واحد للآخر حتى تستمر الحياة ولذلك من ضمن أساسيات التعاون التنازل للآخرين. الأستاذ في فصله لا يمكن أن ينجح في فصله إلا إذا تعاون معه الطلاب والآن يوجد ما يسمى التعليم التعاوني وهو من أفضل طرق التعليم التعاون بين الطلاب والمعلمين. أيضاً المجتمع الإسلامي بكامله إذا لم يتعاون فيما بينه على حفظ الأمن وعلى نظافة المجتمع. نحن في البلاد عندنا وزارة الداخلية ولديها أذرع أمنية كثيرة جداً لا يمكن أن تنجح الوزارة في حفظ الأمن إذا لم يتعاون المواطنون معها ويقولون أن المواطن هو رجل الأمن الأول لأنه هو عين على حفظ الأمن وعلى حفظ الثغور وعلى حفظ الممتلكات وعين ينفع وزارة التجارة في مراقبة السلع والبلدية في مراقبة النظافة والأمن في مراقبة الأمن وقس على ذلك ولذلك مفهوم التعاون في الدين الإسلامي يدخل في تفاصيل التفاصيل.

ولذلك الإنسان لا بد أن يعي جيداً أنه قبل مسالة التعاون هناك تحمل المسؤولية والشعور بأن هناك مسوؤلية ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فعندما يستشعر الإنسان المسؤولية سواء كان مسؤولاً فيما يتعلق بالأمن أو ما يتعلق بعلاقات الإنسان بين أهله وبين جيرانه وأن الإنسان مسؤول على من يعول ومسؤول في عمله على الموظفين وهذه المسؤوليات كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم "كلكم راع كلكم مسؤول عن رعيته" هذه تصل بك بعد ذلك إلى التعاون ويحصل التعاون بين المجتمع وتستطيع الأمة أن تنتصر بالتعاون والله سبحانه وتعالى يقول (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) الأنفال) لما يحدث نوع من التعاون هذا يُبعِد الإنسان عن النزاع.

يقول القرطبي في شرحه لهذه الآية في سورة المائدة: وهو أمر لجميع الخلق بالتعاون على البر والتقوى أي ليُعن بعضكم بعضاً وتحاثوا على ما أمر الله تعالى واعملوا به وانتهوا عما نهى الله عنه وامتنعوا منه وهذا موافق لما روي عن أنس رضي الله عنه قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجلٌ يستحمله فلم يجد عنده ما يتحمله فدلّه على آخر فحمله فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: الدال على الخير كفاعله. قال النووي رحمه الله: المراد أن له ثواباً كما أن لفاعله ثواباً ولا يلزم أن يكون قدر ثوابهما واحداً. ويقول الماوردي رحمه الله تعليقاً على هذه الايات: ندب الله سبحانه وتعالى إلى التعاون على البر وقرنه بالتوقى له لأن في التقوى رضى الله تعالى وفي البر رضى الناس ومن جمع بين رضى الله تعالى ورضى الناس فقد تمت سعادته وعمّت نعمته. ويقول ابن عاشور رحمه الله: وفائدة التعاون تيسير العمل وتوفير المصالح واظهار الإتحاد والتناصر حتى يصبح ذلك خُلُقاً للأمة. فمن مقاصد الدين أن يكون التعاون سمة ظاهرة في المجتمع ولذلك لما النبي صلى الله عليه وسلم يبني المسجد النبوي كان صلى الله عليه وسلم بنفسه يحمل معهم الطين واللِبن يشاركهم عليه الصلاة والسلام فاستطاعوا بناء المسجد واستطاعوا بناء الدولة بالتعاون وكان النبي صلى الله عليه وسلم يضرب المثل دائماً في التعاون مع الصحابة في كل أمر ولذلك القائد الناجح هو الذي يشارك ويراه الذين يقودهم وهو يعمل معهم ويشاركهم في الأعمال ولذلك لما قرر النبي صلى الله عليه وسلم أن يحفر الخندق في غزوة الخندق كان مما شجع الصحابة رضي الله عنهم أنهم رأوا النبي صلى الله عليه وسلم معهم كان يمسك بالمعول ويضرب الصخور التي تعترض الصحابة رضي الله عنهم.هذا المبدأ مبدأ التعاون نتمنى أن يصبح خُلُقاً ظاهراً في المجتمع الإسلامي، في المجتمعات الحديثة للأسف الشديد أصبح التقاطع سمة وأصبح كل واحد من الناس يعيش في شقته منعزلاً عمن حوله والمشكلة أن الناس استغنوا عن بعضهم فأصبح كل واحد يجد أنه يستطيع أن يتقاضى راتبه ويذهب إلى لسوق بنفسه فقلّت حاجته لإخوانه وجيرانه فوقع التقاطع والتنافر بين الناس. من سنوات قريبة كنا في المجتمعات القروية لا يستغني بعضنا عن بعض أنا أحتاج إليك في الزراعة، في قطع الثمر، في بناء البيت،  في حفر بئر، في دفن ميت، في مناسبات الزواج فتشعر أن الإنسان شاء أم أبى لا يملك إلا أن يكون جزءاً من هذا المجتمع يتعاون معه. ولذلك يحدثني والدي رحمه الله يقول كانت العقوبة التي نوقعها على الشخص الذي كان يخالف الجماعة يقولون لا ندفن ميته ولا نحضر معه زواج وإذا وقع ثوره في البئر لا نساعده على إخراجه (وهذه من العقوبات النادرة التي كانت عندنا) هذه كانت من القضايا الموجودة عندنا بكثر، الناس تستخرج الماء من الآبار بالثيران فتكثر حادثة أن يسقط الثور في البئر فإذا لم يعين الناس في إخراجه من البئر كيف تخرجه؟ فمن العقوبات التي كانت توقع على الشخص أن لا يُساعد في انقاذ ثوره. هذا التعاون الموجود في المجتمعات القديمة سببه اليوم هذا الاستغناء الذي نحن فيه

أيضاً أحد الجيران كان قد سُرِق بيته وجاره بجواره كان يشاهد السارقين ويحسبهم عمالاً وهذا من التباعد لعدم المعرفة، وصلت المرحلة للسرقة ولذلك أذكر أحد الجيران عندما أراد أن يسافر قال أريد أن أودعك وأنا مسافر وأوصيك بالبيت. وهذه تدل على روح المحبة وروح الأخوة. ونحن الآن مع التوسع الموجود يوجد بعض الجهات الرسمية مثل مراكز الأحياء والمكاتب التعاونية وجميعة البر أو الندوة العالمية للشباب الإسلامي أو غيرها من المجتمعات. على سبيل المثال إمام المسجد عندما يريد أن يقيم برنامجاً أن يكون هناك تعاون مع هذه الجهات ويبحث هل هناك بعض الجهات التي يمكن أن تقوم بمساندته أو عمدة الحيّ وغير ذلك، البحث عن أهل الحي، التواصي والتواصل معه واللقاء معهم بعد صلاة الجمعة بحيث يوجد تواصل. هذا ما يتعلق بإمام المسجد كذلك ما يتعلق بالمعلم، ما يتعلق بالطبيب، بالجميع بحيث يكون هناك تعاون فيما بينهم.

يقولون في الأمثال العامّية: قومٌ تعاونوا ما ذلّوا. إذا تعاون الناس فيما بينهم فإنهم في الغالب فإنهم ينتصرون ويصعب أن يدخل بينهم المخربون حتى على مستوى الوطن الوطن إذا كان وطناً متعاوناً متكاتفاً بين أفراده فإنه يصعب أن يدخل بينهم الجواسيس والعملاء وينتصروا عليهم وأثبتت الحروب في التاريخ أنه لم ينهزم المسلمون في معركة من المعارك إلا بواسطة الجواسيس والعملاء من داخلهم فتقع الهزيمة جعلنا الله من المتعاونين. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل