رياض القرآن – روضة الزاهدين

رياض القرآن – روضة الزاهدين

(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) آل عمران)

في روضة الزاهدين نتحدث عن مفهوم الزهد وحديث القرآن الكريم عن الزهد وما هي حقيقة الزهد فالبعض يظن أن الزهد هو الانقطاع عن الدنيا والعيش في فقر وفي حاجة وأن هذا هو الزهد ولكن عندما تتأمل في هذه الآيات وفي آيات أخرى تتحدث عن الزهد تجد أن القرآن الكريم لا يحثك على ترك الدنيا رغبةً عنها وإنما يحثّك على ترك الدنيا رغبة في الآخرة فكأنك حتى لو ملكت الدنيا كلها وأنت تنفق منها في سبيل الله كما أُمرت فأنت من الزاهدين ولا ينفي أن تكون زاهداً وغنياً في نفس الوقت وستة من العشرة المبشرين بالجنة كانوا تجاراً لكن الدنيا ليست في قلوبهم وإنما في أيديهم. أبو بكر كان تاجراً ومن كبار التجار وبالرغم من ذلك كان من أكبر الزُهاد. فليس معنى الوهد أن تكون فقيراً معدماً ليس لديك شيء من المال حتى تكون زاهداً.

نأخذ معاني الآيات: الله سبحانه وتعالى ذكر في هذه الآيات أصول الشهوات الدنيوية فقال الله سبحانه وتعالى (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ) فدل هذا على أن هذا مما فطر عليه الإنسان وركزه في فطرته وفي طبيعته أنه مجبول على حب هذه الشهوات. وهذه الشهوات هي (النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) في حقيقة الأمر أن هذه الشهوات التي زينها الله سبحانه وتعالى للإنسان لا تقوم حياة الإنسان إلا بها وأنه لا يمكن أن تستقيم حياتنا في الدنيا إلا بهذه القضايا. شهوة النساء، هل يمكن تستمر حياة البشر ويتكاثر البشر ويتوالد البشر إلا بوجود هذه الشهوة؟ الجواب لا، ولذلك جعلها الله من أصول الشهوات والأمر الثاني أنه هذّبها بالزواج وهذّبها بأن توضع في نصابها الصحيح. فوضعُ هذه الشهوات في نصابها هو الزهد.

الأمر الثاني البنين الله سبحانه وتعالى جعل البنين من أحب ما يطلبه الإنسان ولذلك قال في سورة الكهف (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (46) الكهف) والملاحظ أن يذكر لفظ زينة (زُيّن وزينة) وقدّم ذكر البنين على الأموال (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ) ثم ذكر الأموال (وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ) لأن  أبناء الإنسان أحب إليه من ماله ولذلك إذا خُير الإنسان بين المال والابن قدّم الابن وعنده استعداد أن يدفع ماله كله من أجل الابن، من أجل علاجه إذا احتاج إلى علاج أو تعليمه إذا احتاج إلى تعليم. 

ثم قال (وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ) والقناطير المقنطرة المقصود بها الكثرة الكاثرة لأن القنطار هو الجزء الكثير وليس الجزء المحدد، ولكن القنطار هو الجزء الكثير والمال الكثير قال (مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ)

ثم قال (ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)

الخيل المسومة يدخل معها الآن ما يتعلق بالسيارات والمركوب الموجود الآن فهذا يعتبر من الزينة ونسمع عن سيارات جديدة فهذه أيضاً يصبح الإنسان في شغف في حبها وهي داخلة في الآية.

ولا شك أن الإنسان إذا فُتحت عليه الدنيا فهو في حاجة أن يكفّ من غلوائها وأن يردها إلى السنة وأن يردها إلى ما أمر الله سبحانه وتعالى به فكما كان يقول السلف رضي الله عنهم: لباسٌ دون لباس ومركوبٌ دون مركوب حتى نلقى الله سبحانه وتعالى. لأن النفس طماعة إذا فُتحت لها الدنيا فإنها لا تكتفي إن أعطيتها أفخم سيارة تطمح فيما هو أعلى وإن بنيت لها أفخم بيت تطمح فيما هو أوسع وإن تزوج أجمل النساء طمح إلى من هي أجمل فالشهوات لا تكاد تنتهي. ولذلك الإنسان لا ينظر إلى من هو أعلى منه في شأن الدنيا وإنما ينظر لمن هو دونه حتى يرزقه الله سبحانه وتعالى القناعة وأيضًا يعوّد الإنسان نفسه على البذل وما زاد عن حاجته ينفق منه وهذه فرصة لمن آتاه الله سبحانه وتعالى من الدنيا أن يعوّد نفسه البذل والإنفاق والعطاء والسخاء شكراً لله سبحانه وتعالى على هذه النعمة كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم وكما كان يفعل عبد الرحمن بن عوف وكان من تجار المدينة كما هو معلوم ففي عام الرمادة وعام القحط جاءت قافلة لابن عوف فتجمع تجار المدينة يريدون أن يُربحوا عبد الرحمن بن عوف ويشتروا منه بثمن عالي حتى يبيعوا هم بثمن عالي ويربحوا فكلما زاده تاجر من التجار قال قد أُعطيت أعلى من ذلك، قالوا نحن تجار المدينة من أعطاك أكثر منا؟ فقال إن الله سبحانه وتعالى أعطاني سبعمائة ضعف، أُشهدكم أنها لفقراء المدينة. فهؤلاء التجار هم الزهاد وهم الذين استثمروا الفرصة ونظروا إلى الآخرة وإلى الاستثمار الحقيقي وهو حقيقة الزهد.

(ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) يقول ابن القيم رحمه الله وهو يتكلم عن الزهد وما المقصود بالزهد فقال: الزهد صرف الرغبة إلى الله تعالى وتعلّق الهمّة به والاشتغال به عن كل شيء يشغل عنه ليتولى هو حسم هذه الأسباب عنك. قال رحمه الله: والقرآن مملوء من التزهيد في الدنيا والإخبار بخسّتها وقلّتها وانقطاعها وسرعة فنائها والترغيب في الآخرة والإخبار بشرفها ودوامها. كلام في غاية الروعة وهذا صحيح.

نأخذ بعض الآيات التي حثت على التزهيد في الدنيا:

·         يقول الله تعالى في سورة الحديد (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (20))

·         يقول الله سبحانه وتعالى في سورة الشورى (مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ (20))

·         ويقول في سورة النساء (قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (77))

·         وفي سورة الإسراء (كُلاًّ نُّمِدُّ هَـؤُلاء وَهَـؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا (20))

·         ويقول في سورة الأعلى (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17))

·         إضافة إلى هذه الآية في سورة آل عمران (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14))

وحقيقة الزهد ليست رفض الدنيا فقد كان سليمان وداوود عليهما الصلاة والسلام من أزهد الناس في زمانهما ولهما من المال والملك والنساء ما لهما، الذي ثبت أن سليمان عليه الصلام كان لديه ثلاثمائة زوجة روبما أكثر وكان نبينا صلى الله عليه وسلم من أزهد البشر على الإطلاق وله تسع نسوة وكان علي بن أبي طالب عبد الرحمن بن عوف والزبير رضي الله عنهم من الزهاد مع ما كان لهم من الأموال والزوجات. فليس الزهد في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال ولكن أن تكون فيما في يد الله أوثق منك بما في يدك.

قسّم ابن القيم الزهّاد فقال: الزهد أقسام:

·         زهد في الحرام وهو فرض عين ولا عذر لك في هذا.

·         الزهد في الشبهات وهو بحسب مراتب الشبهة فإن قويت التحق بالشبهة وإن ضعفت كان مستحباً

·         وزهد في الفضول وهو زهد فيما لا يعنيك من الكلام والنظر والسؤال واللقاء والمال وغيره

·         وزهد في الناس واعتزال الناس

·         وزهد في النفس بحيث تهون عليه نفسه في ذات الله سبحانه وتعالى

·         وزهد جامع لذلك كله وهو الزهد فيما سوى الله وفي كل ما يشغلك عنه.

·         وأفضل الزهد إخفاء الزهد والقلب المعلق بالشهوات لا يصح له زهد ولا ورع.

والفرق بين الزهد والورع كما قال ابن القيم أن الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة والورع ترك ما يخشى ضرره في الآخرة فالورع أكمل لأنك تترك بعض الأشياء المباحة خوفاً من أن تقع في المكروه. ولا شك أن الذي يتأمل في الدنيا كما في هذه الآية وفي غيرها وفي سرعة زوالها وانقضائها ونرى في حياتنا الدنيا بالرغم من أننا لا زلنا صغاراً في السن إلا أننا رأينا من تصاريف الدنيا على بعض الناس ما يزهّد فيها فقد رأينا من كان في غاية الغنى ثم ابتلي بالفقر بعد ذلك ورأينا من كان من الأثرياء جداً ثم في بعض الصفقات والأسهم ونحوها افتقر فبعد أن كان من الأثرياء جداً الذين ينفقون ببذخ أصبح يقدم طلب المساعدة. أحدهم كان عنده طائرة خاصة ثم بعد ذلك أصيب بالفقر وحُبس بسبب ديون تراكمت عليه. ولذلك فتصاريف الدنيا تزهد فيها والعاقل هو الذي يزهد في الدنيا قبل أن تزهد الدنيا فيه ولذلك من رزقه الله مالاً وأعطاه فليسارع إلى البذل والعطاء والإنفاق كما كان يفعل هؤلاء الصادقين من الزهاد من الصحابة رضي الله عنه ومن التابعين فيجعل الدنيا في جيبه ويده ولا يجعلها في قلبه وليؤمن بقول النبي صلى الله عليه وسلم ما نقص مال من صدقة، بل هي تزيده وتنميه.

تربية النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه على الزهد

النبي صلى الله عليه وسلم كان يربّي الصحابة رضي الله عنهم على الزهد في الدنيا ومما جمعته وقل النبي صلى الله عليه وسلم لابن عمر رضي الله عنهما (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) كما رواه البخاري، وفي رواية الترمذي (وعد نفسك من أصحاب القبور) وقال النبي صلى الله عليه وسلم (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) كما في صحيح مسلم. وقال صلى الله عليه وسلم مبيناً حقارة الدنيا (ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم اصبعه في اليم فلينظر بم يرجع) رواه مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم (مالي وللدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب قال (اي نام) في ظل شجرة في يوم صائف ثم راح وتركها) وقال صلى الله عليه وسلم (لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء) كما في الترمذي، وقال صلى الله عليه وسلم (ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد في ما أيدي الناس يحبك الناس) وراه ابن ماجة، وقال صلى الله عليه وسلم (اقتربت الساعة ولا يزداد الناس على الدنيا إلا حرصاً ولا يزدادون من الله إلا بعداً) رواه الحاكم.

أسباب تعين على الزهد في الدنيا:

ولا شك أن هناك أسباب تعين على ذلك منها:

·         النظر في الدنيا وسرعة زوالها

·         النظر في الآخرة واقبالها على الإنسانذالإكثار من ذكر الموت والآخرة فإنها توهد في الدنيا

·         تشييع الجنائز واتباع الجنائز يعينك على الزهد في الدنيا

·         إيثار المصالح الأخروية على الدنيوية

·         البذل والإنفاق وكثرة الصدقة

·         ترك مجالس الدنيا والاشتغال بالآخرة

·         الإقلال من الطعام ومن الشراب ومن النوم مما يعين على الزهد في الدنيا

·         مطالعة أخبار الزاهدين والاشتغال بها تعين على الزهد في الدنيا.

 

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على أنفسنا وأن يعيننا على الزهد في هذه الدنيا الفانية وأن يجعلها عوناً لنا على طاعة الله سبحانه وتعالى. 



التعليقات

  1. islamiyyat علق :

    وبارك الله بكم وجزاكم خيرا على المتابعة

  2. dr.gommaa علق :

    بارك الله فيكم

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل