رياض القرآن – روضة الصادقين

رياض القرآن – روضة الصادقين

(إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴿٣٥﴾ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ﴿٣٦﴾الأحزاب)

هذه الآية العظيمة في سورة الأحزاب ومن ضمن الأوصاف التي وصف الله سبحانه وتعالى المؤمنين بها الصدق قال (وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ) ولعل من أوضح الآيات التي تحدثت عن الصدق في القرآن الكريم في سورة التوبة وذلك في قصة توبة الثلاثة الذين خُلّفوا وكان صدقهم سبباً لنجاتهم ووكان صدقهم سبباً لتوبة الله سبحانه وتعالى عليهم ولذلك ختم الله قصتهم بقوله سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ (119) التوبة) بل إن كعب بن مالك رضي الله عنه لما جاءه البشارة بتوبة الله عليه في القصة المعروفة فقال للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله وإن من تمام توبتي إلا أن أحدِّث إلا صدقاً ما حييت. المحافظة على الصدق ليست سهلة واليوم أصبحنا وللأسف الشديد نستجيز الكذب بمناسبة وبغير مناسبة، يتصل أحياناً الشخص فتقول قل أنا غير موجود، يطرق الباب أحد فيقول لابنه إذا سألوا عني قل أنا غير موجود فالابن يستغرب ولكني أقول للناس غير موجود فيتعلم الابن الكذب والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق" - يعني المسألة تحتاج إلى تدريب وتحتاج تربية – "ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صدّيقاً" ولذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه لقّب بالصديق لأنه كان كثير التصديق للنبي صلى الله عليه وسلم وكان صادقاً في نفسه وصادق في حياته كلها، أبو بكر كان خلوقاً في الجاهلية وكان يحب مكارم الأخلاق وكان أشبه الناس بالنبي صلى الله عليه وسلم ولم يشرب الخمر لا في الجاهلية ولا في الإسلام. فتعويد النفس على الصدق والالتزام به في الحياة سواء الصدق في القول أو الصدق في العمل وهذه المسألة ليست سهلة.

ولو عدنا لما يتعلق بقصة الثلاثة الذين خُلّفوا كيف أن الصدق هو عبارة عن ابتلاء وهل يستطيع الإنسان أن يثبت أم لا، لأن الإشكالية التي نقع فيها أن الإنسان يبحث عن نتائج فورية ولذلك حال المنافقين قالوا المسألة سهلة جداً نذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ونقول له لدينا عذر فمنهم من قال لا أستطيع أن أقاوم بني الأصفر وأعطورا أعذاراً فعذرهم النبي صلى الله عليه وسلم لكن هؤلاء لأنهم تربوا على الصدق ما استطاعوا أن يكذبوا وحتى كانوا صادقين والنتائج كانت لصالحهم لأن الله عز وجل أنجاهم بطلك الصدق، حتى في قول المنافقين (الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (168) آل عمران) الإنسان عندما يتحرى الصدق ويكون صادقاً مع الله عز وجل لأن الصدق مفهوم واسع وشامل: الصدق مع الله عز وجل الصدق مع النبي صلى الله عليه وسلم الصدق مع الناس هذا يجعل الإنسان يتوجه التوجه الصحيح وأن الله عز وجل ينجيه في الخاتمة التي نبحث عنها جميعاً.

والصدق هو من الخصال التي يتصف بها المؤمن والكذب من الخصال التي يتصف بها المنافق ولذلك جعله النبي صلى الله عليه وسلم أمارة من أمارات المنافق عندما قال: آية المنافق ثلاث، وإذا حدّث كذب. الأمر الثاني أن الله سبحانه وتعالى أثنى على الصادقين أنهم هم المتقون وأنهم هم أصحاب الجنة جزاء لصدقهم كما قال (أُولَٰئِكَ  الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) البقرة) وقال سبحانه وتعالى في سورة المائدة (قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119) المائدة) وأيضاً الله سبحانه وتعالى كما في آية سورة التوبة أمرنا بأن نكون مع الصادقين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ (119) التوبة) والنبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الصحيح: إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقاً وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذاباً. أيضاً تنويهاً بمنزلة الصدق والرغبة فيه والدعوة إليه أثنى الله سبحانه وتعالى على كثير من أنبيائه بالصدق منهم إبراهيم عليه السلام في سورة مريم (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا (41) مريم) وقال عن اسماعيل (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ (54) مريم) وقال عن يوسف (يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ (46) يوسف) وقال عن ادريس (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا (56) مريم) والصدق كان صفة ملازمة للنبي صلى الله عليه وسلم طيلة حياته حتى كان يلقبه قومه قبل الإسلام بالصادق الأمين لأنه صلى الله عليه وسلم كان يحرص على التخلق بهذا الخلق حتى قبل الإسلام.

ولا بد أن نتعامل مع الشخص الذي أمامنا بأن الأصل فيه يكون الصدق وليس الكذب وهذه دعوة لمن يعلم الطلاب سواء في حلقات التحفيظ أو المدارس على سبيل المثال لما نسأل الطالب هل حللت الواجب؟ فيقول أنا حللت الواجب ولكن نسيت الدفتر في البيت فنقول اجلس، لأن الأصل فيه الصدق وليس الكذب، حتى تعجب بعض الطلاب! وهذه عن تجربة شخصية وجدنا بعض الطلاب الذين نعتبرهم غير جيدين أخلاقاً لكنهم قالوا طالما تتعامل معنا وتربينا على الصدق سنتعامل مع بالصدق وهذا يحتاج منا أن يكون تعاملنا مع الناس بالصدق والأصل فيهم الصدق. والرسول صلى الله عليه وسلم لما تعامل مع المنافقين أصحاب الأعذاؤ قبل عذرهم.

قد يقول قائل ستكون ساذجاً بهذه الطريقة. التربية على هذا الأسلوب والثقة بالناس ولكن البعض يقول هؤلاء يضحكون عليك! يأتيك أحد الطلاب يقول أنا حللت الواجب ولكن نسيت الكتاب! يقولها أول مرة ثم مرة بعد مرة سيصدق. أضف إلى ذلك أننا يجب أن نشيع في مجتمعنا الثقة ونترك الإنسان الذي يكون كاذباً ودائماً يتحرى الكذب سيصبح منبوذاً في المجتمع لكن يبقى احترام الآخرين، تصديق الناس والثقة فيما يقولون في مرحلة معين وفي مستوى معين يبقى هو الأصل.

هناك مسألة أخرى تكثر في مجتمعنا اليوم التهاون في بعض القضايا فيقول هذه كذبة بسيطة، يتصل أحدهم على شخص فيقول أنا مشغول وهو ليس عنده ارتباط معين! فإذا قيل لم قلت هذا؟ قال هي كذبة بسيطة، لا وقت لدي له! التهاون. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، حتى في هذه القضايا قل أنا ليس عندي ارتباط اليوم ولكني سأقرأ كتاب، هذا الصدق، ليس عندي موعد ولكني أعتذر، ما الذي يضيرك أن تكون صادقاً واضحاً؟ حتى تربي أبناءك على هذا الأسلوب.

من أكثر المشاكل التي تحدث للآباء والأمهات إذا كان هذا الإبن أو تلك البنت لم يتربوا على الصدق لأنه إن كان صادقاً  وحدث له مشكلة أو اقترف ذنباً عظيماً وهو تربى على الصدق فلن يكذب فعدم الكذب هذا يؤدي إلى أن تعالج المشكلة، الإشكالية عندما يكون هناك عدم صدق!

الحال التي وصل بها الإبن إلى هذه المرحلة هي بسبب تربية الوالدين عندما كنت تتهاون معه في الأشياء البسيطة حتى أصبح عنده الكذب شيء طبيعي فإذا كبر يكذب عليك وربما يكذب عليك في المدرسة فيقول أنا ممتاز، الطالب يخرج من البيت ويقول هو ذاهب إلى الجامعة وهو لا يأتي إلى الجامعة ثم بعد فصل دراسي أو فصلين يُطوى قيده ويأتي الوالد يريد أن يسأل عن ابنه فيفاجأ أن ولده مطوي القيد ولا أنسى موقفاً يوم جاءني أحد أولياء الأمور وكنت مسؤولاً عن الاختبارات في كلية الشريعة فأعطاني الرقم الجامعي لابنه فأخرجت النتيجة وكان الرجل وقوراً ما توقعت أنه رجل مريض أو لديه مشكلة فقلت ابنك مطوي قيده فأُغمي عليه في المكتب فلما حاولنا معه أفاق صار يبكي كما يبكي الصبي بكاء مرّاً فقلت له اتق الله، الحمد لله على كل حال، فقال الله أكبر والله منذ سنتين وأنا أوفر له كل شيء وإذا سألته قال كل شيء تمام والآن أفاجأ بأنه بهذا المستوى!. فتعاطفت معه وقلت له على كل حال كل شيء من عمر الدنيا سهل وما دام الولد بخير وصحته طيبة فكل شيء يتعالج وساعدته فيما يتعلق بالمعدل لكنني فوجئت وناديت الولد وقلت والدك بذل كل هذا الجهد وهذا العناء وأنت تكذب عليه طيلة هذه السنوات! ماذا ترجو من هذا الكذب وقد كاد أن يموت من هذا الموقف!. وقال الوالد لو تعرف والدته بهذا لأصابها مكروه. فأقول لو رُبي الابن على الصادق فسوف تجني أنت أيها الوالد وأيتها الوالدة من هذه التربية أنه لا يكذب عليك وسوف يتعامل بالصدق في حياته كلها. ونحن نقول لا ينبغي لنا أن نتهاون في موضوع الصدق وبعضنا كعادتنا نسمي الأشياء بغير اسمها فنقول هذه كذبة بيضاء وهذه كذبة سوداء وليس في الكذب أبيض واسود إلا ما أذن الرسول صلى الله عليه وسلم به إن كان يراد به الإصلاح بين الزوجين أو يراد به الإصلاح بين متخاصمين فلو كان بينك وبين أحد خصومة أقول لك إنه يثني عليك ويدعو لك بالخير ولا يذكرك إلا بخير فتطيب نفسه بذلك وأقول للآخر مثل ذلك لكن أن يستحل الإنسان الكذب في كل أمر ويتهاون فيه مع أبنائه، مع طلابه، مع الناس، فإن هذا سوف يجرّئك على ما هو أعظم من ذلك ولذلك الإنسان ينبغي أن يكون صادقاً مع نفسه وصادقاً مع الآخرين وليس في ذلك حرج، عندما تعتذر من الآخرين، يتصل عليك شخص في وقت غير مناسب لك قل أعتذر منك لا أستطيع أن اسجل البرنامج اليوم، عندي ارتباط سابق لكن أن تكذب ويتعود على الكذب حتى يصبح خلقاً يلازمه فهذا لا شك مخالف لهذه الآيات ولهذه الروضة. نسأل الله أن يجعلنا من الصادقين ونسأله أن يرزقنا ملازمة الصدق وأن نحرص أن نربي أنفسنا ونربي أبناءنا وبناتنا على الصدق في الأقوال وفي الأفعال لأن الله سبحانه وتعالى قد وعد الصادقين بالأجر العظيم يوم القيامة عندما قال (قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ). 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل