رياض القرآن – روضة السائلين

رياض القرآن – روضة السائلين

السائلين عن الحق والطالبين للحقيقة والباحثين عن العلم.

(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴿٦١﴾ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿٦٢﴾ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴿٦٣﴾ العنكبوت)

هذه الآيات من سورة العنكبوت نلاحظ من خلالها النبي صلى الله عليه وسلم كيف كان يثير الأسئلة ويطرح الأسئلة على هؤلاء المشركين الذين كانوا يعارضون، وفقه السؤال في القرآن الكريم موضوع واسع سواء الأسئلة التي كان يطرحها النبي صلى الله عليه وسلم على هؤلاء المشركين أو الأسئلة التي كان يطرحها المشركون على النبي صلى الله عليه وسلم أو الأسئلة التي كان يطرحها الصحابة رضي الله عنهم على النبي صلى الله عليه وسلم وكلها موجود في القرآن الكريم. وهذه الأسئلة التي نتحدث عنها في هذه الحلقة أسئلة النبي صلى الله عليه وسلم التي كان يوجهها للمشركين فالآية تقول (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ) أي لئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وسخر الشمس والقمر؟ قال الله سبحانه وتعالى (لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) توحيد الربوبية (فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) ما دام تؤمنون بأن الله هو الخالق وهو الرازق وهو الذي سخر الشمس والقمر فلماذا لا تعبدونه وتوحدونه؟! (فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) فأنى يُصرفون عن هذا الإيمان وعن هذا التوحيد؟. (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) هذه الآيات تتحدث عن هذا الأسلوب الذي كان يتبعه النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة وهذا أسلوب رائع جداً. ذكررنا في إحدى الحلقات أن الشيخ عبد المجيد الزنداني سأل أحد الملحدين الذي كان لا يؤمن بإله فقال له أن تلبس هذا النعل فلماذا تلبسه؟ قال حتى تقيني من حرارة الشمس ومن برودة الثلج، فقال إذن هي موجودة لحكمة؟ قال نعم، فقال: أنت، هل خلقت عبثاً؟! هكذا يظن الملاحدة! والله سبحانه وتعالى يرد عليهم (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116) المؤمنون). الأمر الثاني هو أسلوب يتبعه الداعي في إقناع الآخرين وهو من أجود وأفضل الأساليب في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى أن يطرح السؤال بطريقة مناسبة وفي مكانه المناسب. والنبي صلى الله عليه وسلم استفاد من سيدنا إبراهيم عليه السلام وكيف كان يطرح الأسئلة حتى يريهم الإسلام (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ (258) البقرة) هي في هيئة سؤال: هل تستطيع أنت أن تحيي وتميت؟ قال نعم ولكن مفهومه للإحياء والإماتة مفهوم خاطئ فسأله إبراهيم (قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ) فما استطاع!. كذلك هنا الآيات تشير إلى مسألأة مهمة جداً وهي موجودة في القرآن بكثرة وهي الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية. توحيد الربوبية هو توحيد الله بأفعاله هو التي لا يقدر عليها غيره فلا تنسب إلا له، الإحياء، الإماتة، الرزق كما قال تعالى في الآيات (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ) الرزاق، الرازق، هذا الأمر لا ينسب إلا إلى الله سبحانه وتعالى. فالاستدلال بهذا النوع من التوحيد ما دام أنك تؤمن بأن اللهو هو الخالق وأنه خلق السموات والأرض وهو الذي يبسط الرزق وهو الذي نزل من السماء ماء فلماذا لا تعبده؟! هنا السؤال. ونلاحظ أن أسماء الله وصفاته كثيرة في القرآن وكل هذا الحشد الهائل من أسماء الله وصفاته من أجل إقناع الناس بأنه هو الذي يستحق العبادة، فمن غير المعقول أن تؤمن أنه هو الخالق والرازق ثم تصرف العبادة لغيره، لا تستقيم منطقياً! فالله سبحانه وتعالى استدل كثيراً في القرآن الكريم بهذا لأنها طريقة عقلية لا يتجادل فيها أحد ولذلك يقول الشنقيطي رحمه الله: وهذا النوع من التوحيد (توحيد الربوبية) جُبِلت عليه فِطَر العقلاء قال تعالى (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (9) الزخرف) وقال (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ (31) يونس) وإنكار فرعون لهذا النوع من التوحيد في قوله (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) الشعراء) تجاهل من عالم أنه عبد مملوك بدليل قوله (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَٰؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ (12) الإسراء) وقوله (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا (14) النمل) وهذا النوع من التوحيد لا ينفع إلا بإخلاص العبادة لله كما قال تعالى (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ (106) يوسف) والآيات الدالة على ذلك كثيرة جداً. ولذلك لم تكن معركة الرسل مع أقوامهم في توحيد الربوبية وإنما كانت معهم في توحيد الألوهية.

يفترض من الإنسان وهو يقرأ القرآن أن يتدبر هذه الآيات القرآنية ويستنبط من هذه الآيات بشكل جيد حتى يكون له أثر إيجابي في حياته العملية. من الأشياء التي ذكرها الشيخ الزنداني قال أنه اتصل على وكالة ناسا الفضائية فقال ما هو أصل السموات؟ فقالوا أصل السموات هو عبارة عن غبار، فقال لهم أصل السموات هو عبارة عن دخان وليس غباراً ثم اتصل عليهم بعد فترة وسألهم ماذا وجدتم أصل السموات؟ فقالوا وجدنا أصل السموات هو عبارة عن دخان، فقال هذا الشيء موجود عندنا في القرآن والله عز وجل يقول (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا (11) فصلت) وكذلك (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا (53) الفرقان) هذه الأشياء الموجودة وتم اكتشافها من قبل الملاحدة عندما يُستعرض لهم القرآن ويوضح لهم القرآن العظيم الذي أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم هذا يزيدهم قرباً من الإسلام.

مثل هذه القضايا تزيدنا نحن طمأنينة وتفتح آفاقاً للبحث العلمي في هذه القضايا التي يعمل فيها العلم الحديث بأدواته وقدراته ولكن ينبغي أن يكون الباحثون على حذر شديد لسبب بسيط وهو أن تحميل القرآن معاني غير صحيحة ولا يحتملها إساءة للقرآن الكريم ولذلك بعض المتسرعين أحياناً يسارع ويرى أن هذا فيه خدمة للإسلام عندما يقول الإسلام سبق في هذا ويكون هو قد أخطأ في فهم الآية وحمّلها ما لا تحتمل ثم أيضاً حمل عليها معاني غير محققة مثلاً قد تكون نظرية لم تثبت بعد، فهذه خطيرة!.

في قوله سبحانه وتعالى (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ (106) يوسف) أقوال السلف من المفسرين من الصحابة والتابعين وأتباعهم تؤكد على أن المقصود بهذه الآية هو أنهم يؤمنون بتوحيد الربوبية ويكفرون بتوحيد الألوهية فيقولون (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ) يقرّون له بالرزق والإحياء والإماتة ولكنهم يجحدون جدارته للعبودية وتوحيده بالعبادة.

ونحن نتحدث عن روضة السائلين نتحدث عن أهمية الحوار والأسئلة في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى قد حاولت أن أجمع من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم بعض القصص فوجدت في مسند الإمام أحمد النبي صلى الله عليه وسلم طرح أسئلة على أحد المشركين اسمه حصين، فقال يا حصين كم إلهاً تعبد اليوم؟ قال سبعة في الأرض وإلهاً في السماء فقال النبي صلى الله عليه وسلم فإذا أصابك الضيق فمن تدعو؟ قال الذي في السماء، قال فإذا هلك المال فمن تدعو؟ قال: الذي في السماء، قال فيستجيب لك وحده وتشركهم معه؟! هذه لا يقبلها العقل! طالما هو الذي يستجيب لك فلماذا تُشرك معه الذين في الأرض؟! قال أما رضيته أو (كلمة نحوها) تخاف أن يُغلب عليك؟ قال حصين لا واحدة من هاتين وعرفت أني لم أكلِّم مثله فقال يا حصين أسلِم تسلم قال إن لي قوماً وعشيرة فماذا أقول لهم؟ قال قل اللهم إني أستهديك إلى أرشد أمري وأستجيرك من شر نفسي علمني ما ينفعني وانفعني بما علمتني وزدني علماً ينفعني، فقالها حصين فلم يقم حتى أسلم (هذه القصة في مسند الإمام أحمد وفي سنن الترمذي). وهذه الحادثة ولها نظائر وأذكر أني وجدت كتاباً عن أدب السؤال في السنة النبوية تكلم عن السؤال الذي كان يطرحه النبي صلى الله عليه وسلم على الصحابة كان يطرح عليهم الأسئلة بعد الصلاة وكان يطرح الأسئلة على الأطفال لأن أسلوب طرح السؤال والنقاش والحوار يفتح لك منافذ ويجعل المسؤول يتشوق للجواب مثلاً عندما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: شجرة مثل المؤمن ما هي هذه الشجرة؟ فالصحابة كل واحد ذهب فكره إلى شجرة فذهب الناس في شجر البوادي (كما قال عبد الله بن عمر) فلما قال النبي صلى الله عليه وسلم هي النخلة فقال عبد الله بن عمر لأبيه والله كدت أن أقولها، فقال لو قلتها. فقه السؤال وأسلوب السؤال والحوار موجود في القرآن الكريم بكثرة كما في هذه الآيات التي معنا، النبي صلى الله عليه وسلم كان يسأل المشركين من خلق السموات والأرض؟ وهذا أسلوب رائع حتى عند الملحدين، يكفي أن تشكك الملحد في إلحاده وتلفت نظره إلى أن الله سبحانه وتعالى هو الخالق وهو الرازق وهو الذي يدبر الكون سبحانه وتعالى وأنه هو الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له، هذا في حد ذاته يكفي لأن تدفع هؤلاء إلى البحث والسؤال والذي يقرأ في كتب الفيزياء والأحياء يجد نظريات الإلحاد منتشرة في هذه الكتب وتجد أنهم يقولون دائماً: غضب الطبيعة، الطبيعة فعلت، الطبيعة تريد أن تنقي نفسها بنفسها ويحاولون أن يطمسوا أيّ أثر يدل على أن الله سبحانه وتعالى هو الخالق. ولذلك تعجبني أبيات لأبي نواس بمجرد أن نظر إلى الطبيعة الجميلة يقول:

عيونٌ من لجينٍ شاخصاتٌ   بأهداب هي الذهب السبيك

على قضب الزبرجد شاهدات بأن الله ليس له شريك

خلق الله سبحانه وتعالى والله سبحانه وتعالى يقول في سورة لقمان (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ (11))

وأيضاً الأبيات المشهورة:

فيا عجباً كيف يعصي       أم كيف يجحده الجاحد

وفي كل شيء له آية         تدل على أنه واحد

 

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الإنابة والتوحيد له سبحانه وتعالى وأن يوفقنا للإجابة عن هذه الأسئلة الكبرى التي حيرت البشرية ونجدها في القرآن الكريم (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) الذاريات) هذا سؤال حيّر البشرية حتى جاءهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ودلوهم على الطريق ولا يمكن أن نصل إلى الحق إلا من هذا الطريق. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا جميعاً للحق.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل