رياض القرآن - روضة المحبّين

رياض القرآن - روضة المحبّين

روضة المحبين لربهم والمحبين لنبيّهم صلى الله عليه وسلم والمحبين للوحي.

(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167) يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (168) البقرة)

روضة المحبين نتحدث فيها عن محبة الله سبحانه وتعالى ونحن في زمان استخدمت فيه لفظة الحب استخداماً سيئاً حتى تشوّهت هذه المفردة فيظن بعض الناس أننا عندما نتحدث عن الحب نشير إلى تلك العلاقات الغرامية التي حرّمها الله سبحانه وتعالى والتي تقع بين الرجال والنساء من غير المحارم، في حين أن الله سبحانه وتعالى ذكر في القرآن الكريم والنبي صلى الله عليه وسلم لفظة الحب ومحبة العبد المؤمن لربه وتعلّق العب المؤمن بربه وهذه الآية كما يقول الرازي رحمه الله: اِعلم أنه لا نزاع بين الأمة في إطلاق هذه اللفظة وهي أن العبد قد يحب الله تعالى والقرآن ناطق به كما في هذه الآية وكما في قوله تعالى (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ (54) المائدة) وكذا الأخبار: روي أن إبراهيم عليه السلام قال لملك الموت عليه السلام وقد جاءه لقبض روحه: هل رأيت خليلاً يميت خليله؟ فأوحى الله تعالى إليه هل رأيت خليلاً يكره لقاء خليله؟! فقال يا ملك الموت الآن فاقبضني. وجاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول الله متى الساعة؟ فقال: ما أعددتَ لها؟ قال ما أعددت لها كثير صلاة ولا صيام إلا أني أحب الله ورسوله، فقال عليه الصلاة والسلام المرء مع من أحبّ فقال أنس رضي الله عنه: فما رأيت المسلمين فرحوا بشيء بعد الإسلام فرحهم بذلك.

قضية حب الله سبحانه وتعالى تعلق العبد بالله وأحب لقاءه "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه" وأنت إذا أحببت الله سبحانه وتعالى وتعلقت به أحببت الطاعة وأحببت الصلاة وأحببت الزكاة وأحببت الحج وتعلقت بالعبادة وأما إذا لم يكن بقلب الإنسان من الحب لله سبحانه وتعالى يقوم إلى الطاعة متثاقلاً كسولاً ولذلك ذكر الله سبحانه وتعالى عن المنافقين هذه الصفة فذكر في سورة محمد (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (28)) هم كرهوا ما أنزل الله فكرهوا الإنفاق وكرهوا الصلاة وكرهوا الجهاد وكرهوا الزكاة فأصبحوا يتهربون منها فأحبط الله أعملهم. ويقول الرازي أيضاً: واعلم أن الأمة وإن اتفقوا في إطلاق هذه اللفظة فقد اختلفوا في معناها. ما معنى محبة الله سبحانه وتعالى؟ نحن بدون فلسفة وأنا أميل إلى تبسيط المفاهيم وإيصالها للناس بسهولة، ألم نقرأ في روضة المتبعين قول الله سبحانه وتعالى (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ (31) آل عمران) ونحن نقول إن محبة الله سبحانه وتعالى هي كمال اتباع النبي صلى الله عليه وسلم فكلما كنت أكمل اتباعاً للنبي صلى الله عليه وسلم كلما كنت أكثر حبّاً لله وحباً للرسول صلى الله عليه وسلم هكذا فقط بدون فلسفة.

الإنسان يضحي ويعمل من أجل الله عز وجل وهذا دليل على المحبة ولذلك عبد الله بن حرام الأنصاري رضي الله عنه عندما دخل أرض المعركة وقُتل وقيل أنه كلمه الله عز وجل من غير ترجمان، قال عبدي تمنّى فقال يا رب أريد أن أعود للدنيا مرة ثانية فأُقتل في سبيلك.

يقول ابن القيم رحمه الله: اعلم رحمك الله أن المحبة لله عز وجل لا تُعرّف بتعريف أوضح منها فالحدود والتعاريف لا تزيدها إلا خفاء فلا توصف المحبة بوصف أظهر من المحبة ومن تكلم عن تعريف المحبة إنما تكلم عن علاماتها وشواهدها وثمراتها. نحن لا نريد أن نتفلسف على الناس محبة الله سبحانه وتعالى كمال اتباع النبي صلى الله عليه وسلم وسوف تظهر آثارها وثمرتها على الإنسان يجدها في قلبه، يجدها في إقباله على الله، يجدها في تعلقه بكتاب الله سبحانه وتعالى ولذلك الإنسان التائب عندما يُقبل على الله سبحانه وتعالى تجده في بداية إقباله على التوبة وعلى طاعة الله سبحانه وتعالى يجد لذة عظيمة كان محروماً منها، يجد صفاء في نفسه، يجد إقبالاً على ربه، يجد انشراحاً في صدره يبحث عنه كل الناس بل حتى الكفار يبحثون عن السعادة وعن انشراح الصدر ولا تكون هذه السعادة إلا بالذكر والله سبحانه وتعالى قال (أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) الرعد) أي لا تطمئن القلوب إلا بذكر الله سبحانه وتعالى وكل من يبحثون عن انشراح الصدر وعن السعادة في غير هذا الأمر لا يجدونه.

أيضاً البعض يستحي من قول كلمة الحب وهذه الكلمة واردة في القرآن الكريم فلذلك الإنسان الذي يحب الله عز وجل تجده يتلذذ في الطاعة والشخص إذا أحبّ عبداً يقول له أحبك في الله، حب الأم، لفظ الحب هذا لفظ شرعي والمفترض أن يكون متداولاً لكن للأسف الشديد أن البعض الذي مال إلى الطريق غير الصائب أخذ لفظ الحب وأصبح يسير في الطريق غير الصحيح.

الأسباب الجالبة لمحبة الله سبحانه وتعالى: ما هي الأشياء التي تجلب محبة الله عز وجل لعبده وتجلب محبة العبد لربه.

ابن القيم رحمه الله في كتابه روضة المحبين قال:

1.      أحدها قرآءة القرآن بالتدبر لمعانيه وما أريد منه. ولا شك أن هذه من أقوى أسباب جلب محبة الله سبحانه وتعالى لأنك تتعرف على ربك من خلال القرآن ومن خلال تدبره تتعرف على صفاته وأسمائه ووالله ما تعرف أحد على الله بأسمائه وصفاته إلا أحبه لأنك تجد من صفاته الرحمة والمغفرة والتوبة والعزة والرزاق والمحيي، هذه صفات يُحَبّ صاحبها سبحانه وتعالى.

2.      التقرب إلى الله سبحانه وتعالى بالنوافل بعد الفرائض كما في الحديث القدسي (ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أُحبه) رواه البخاري. ولو لم يكن في الإكثار من هذه النوافل إلا طلب المحبة. البعض يقول سأتنفّل لكن متى أعرف أن الله أحبني؟ نقول لا علاقة، أكثِر من النوافل ما استطعت إلى ذلك سبيلاً وأنت في نيتك أن تصل إلى هذه المرتبة (فإذا أحبته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنّه)

3.      دوام ذكر الله سبحانه وتعالى على كل حال باللسان، وتكلمنا في روضة الذاكرين عن ذكر الله سبحانه وتعالى والشخص الذي لا يذكر الله عز وجل قال الله تعالى (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) الزخرف) فأنت إما أنت تكون ذاكراً لله سبحانه وتعالى ومع الله عز وجل وإما أن تكون ذاكراً مع الشيطان والعياذ بالله!

4.      إيثار محابّ الله سبحانه وتعالى على محابّك. تجد نفسك بين خيارين: خيار يحبه الله وخيار تحبه أنت قدِّم ما يحبه الله. هذا من علامات محبتك لله سبحانه وتعالى، أحد الصحابة رضي الله عنه كان يُكري الأرض "أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يَكري أرضَه حتى بلغه أنّ رافع بنَ خَديجٍ الأنصاريَّ كان ينهى عن كِراءِ الأرضِ. فلقِيَه عبدُ اللهِ فقال : يا ابنَ خَديجٍ ! ماذا تحدِّثُ عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في كِراءِ الأرضِ ؟ قال رافعُ بنُ خَديجٍ لعبدِاللهِ : سمعتُ عمي (وكان قد شهد بدرًا) يحدِّثانِ أهلَ الدار؛ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ نهى عن كِراءِ الأرضِ. قال عبدُ اللهِ: لقد كنتُ أعلمُ، في عهدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، أنَّ الأرضَ تُكرى. ثم خشيَ عبدُ اللهِ أن يكون رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أحدَث في ذلك شيئًا لم يكن علِمَه. فترك كراءَ الأرضِ. الراوي: سالم بن عبدالله بن عمر المحدث:مسلم - المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 1547، خلاصة حكم المحدث: صحيح" فقال عبد الله رضي الله لقد نُهينا عن شيء كان لنا فيه نفع ولكن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم أحبّ إلينا من اختيارنا لأنفسنا. يكفي أن تعرف أن هذه هي السُنّة لكي تحبها وتعمل بها ولذلك تقديم محبة الله ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم على محبة نفسك وعلى هواك هذه ميزة وعلامة من علامات صدق محبتك من عدمها كما يقول الشاعر

تعصي الإله وأنت تزعم حبه هذا قياس في الغرام بديع

لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع

5.      مطالعة معاني أسمائه وصفاته ومشاهدتها وكيف تتحقق في عالم الإنسان. نحن نقرأ الحديث (إن لله تسعاً وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة) والناس تسأل هل هي تسع وتسعون؟ هل هي مائة؟ كم تحفظ من هذه الأسماء وماذا تعرف من معانيها ومن دلالاتها؟ وكيف تتحقق في حياتنا اليوم؟ تأمل فيها وأكثِر من التأمل فيها وستجد أثر ذلك في قلبك.

6.      مشاهدة برّ الله سبحانه وتعالى وإحسانه ونعمه الظاهرة والباطنة. هذه أظهر من أن يدل عليها الإنسان ولكن نحن لكثرة ما نراها نغفل عنها، انظر إلى الشمس مثلاً لو انقطعت عن الناس أسبوعاً كي يكون حالهم؟ لكن لأنها تظهر كل يوم فالناس في غفلة ولذلك تقول العرب كثرة الإمساس تقل الإحساس. ولذلك يقول العلماء: إذا شرقت الشمس من مغربها انتبه الناس وهذه تعتبر من علامات الساعة الكبرى فلماذا لا ينتبه الإنسان لهذه النعم العظيمة ويتفكر فيها حتى يحبّ الله سبحانه وتعالى.

7.      من أعجب ما ذكره ابن القيم من أسباب جلب محبة الله سبحانه وتعالى انكسار القلب بين يديه. ما أجمل الانكسار بين يدي الله سبحانه وتعالى في الخلوة، بينك وبين الله سبحانه وتعالى تشكو إليه همومك وتعرض عليه حاجتك. ولذلك يقول أحد السلف رضي الله عنهم: هنيئاً لك يا ابن آدم لم يجعل الله بينك وبينه حجاب إذا أردت أن تناجيه تقرأ القرآن وإذا أردت أن تناديه تدخل في الصلاة

8.     الخلوة به وقت النزول الإلهي آخر الليل وتلاوة كتابه

9.     مجالسة المحبين الصادقين والتقاط أطايب ثمرات كلامهم

10.مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله عز وجل من المعاصي والذنوب

11.  وذكر من الأسباب الجالبة لمحبة الله عز وجل: التقوى (فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (36) آل عمران) الصبر (وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) آل عمران) الإحسان (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) البقرة) التوبة (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ  (222) البقرة) الطهارة (وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) التوكل (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) آل عمران) العدل والقسط ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) المائدة) القتال في سبيل الله (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ (4) الصف) لو يعمل كل واحد منا هذه الأعمال وهو يقول في نفسه لعل الله يحبني. عندما يداوم أحد على الوضوء فإذا سأله أحد لماذا تتطهر يقول لأن الله تعالى يحب المتطهرين، هذه تكفي. لا شك أن هذا يتعرض لمحبة الله سبحانه وتعالى.

العبد يعلم أنه يحب الله عز وجل لكن هل الله يحبنا؟ لذلك الإنسان يُكثر من الدعاء: اللهم إني أحبك فأسألك أن تحبني. فيحتاج الإنسان أن يستشعر هذا المعنى.

أما موانع محبة الله سبحانه وتعالىفهي عكس الأسباب التي تجلب محبته مثل هجر القرآن الكريم، هذا من أسباب البعد عن محبة الله سبحانه وتعالى. ولذلك يذكر العلماء علامات محبة العبد لله سبحانه وتعالى أن يحب ما يحبه الله ورسوله ولا يمكن أن تتعلق بغير ما يحب الله ورسوله ثم تقول أنك تحب الله ورسوله (ورجل قلبه معلّق بالمساجد) يحب ما يحب الله، هذه الأماكن الشريفة التي هي أماكن الصلاة والدعاء وذكر الله سبحانه وتعالى تعلق الإنسان بها دليل على أنه يتعلق قلبه بما يحبه الله وما يحبه رسوله صلى الله عليه وسلم. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل