رياض القرآن - روضة الذاكرين لله سبحانه وتعالى

رياض القرآن - روضة الذاكرين لله سبحانه وتعالى

نتوقف مع روضة الذاكرين، الذاكرين لله سبحانه وتعالى نسأل الله أن يجعلنا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات.

(اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿٣٥﴾ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ ﴿٣٦﴾ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ﴿٣٧﴾ النور)

هذه الآيات العظيمة من سورة النور وهي التي سُميت بها سورة النور كما يذكر المفسرون أن سورة النور سُميت بهذا الاسم لورود هذه الآيات فيها (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ). وفي قوله سبحانه وتعالى هنا (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) والحديث عن فضل ذكر الله سبحانه وتعالى ومن ثمّ في هذه الآية ربط الله سبحانه وتعالى بين ذكر الله وبين المساجد. وقد روى الامام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفّتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده".

من المواقف الطريفة في المؤتمر الدولي لتطوير الدراسات القرآنية الذي عُقد في الرياض في جامعة الملك سعود عن القرآن والدراسات القرآنية حضر معنا أستاذ أمريكي من جامعة ستانفوردهو مصري أمريكي يقول أنا لي في الولايات المتحدة 47 سنة وأنا أدرُس في هذه الجامعة وأدرّس وهذه أول مرة أشعر فيها بمعنى هذا الحديث، بمعنى حفّتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة فهل تشعرون مثل هذه الشعور الذي أشعره؟ وكرر هذا المفهوم أكثر مرة في الجلسات، بعض الناس بكى لأن بعض الحقائق ما تشعر بها إلا نادرًا.

هذا الشعور الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم هنا قال: إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفّتهم الملائكة ولذلك نحن نقول للمسلم أو للمؤمن هل تستشعر نعمة الله سبحانه وتعالى عليكبهذه الرحمة وبهذه السكينة التي تغشاك وقد منّ الله عليك بالإسلام وبالصلاة وبالذكر وبالقرآن الكريم وبحفظه وفهمه وتدارسه وتدبره؟ هذه نعمة حرم الله منها ملايين من الناس.

وأيضًا في قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: خرج معاويةُ على حلقةٍ في المسجدِ. فقال: ما أجلَسَكم؟ قالوا: جلَسْنا نذكرُ اللهَ. قال: آللهِ ! ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: واللهِ ! ما أجلسَنا إلا ذاك. قال: أما إني لم أستحلفْكم تهمةً لكم. وما كان أحدٌ بمنزلتي من رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أقلَّ عنه حديثًا مني. وإنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ خرج على حلقةٍ من أصحابِه. فقال " ما أجلَسَكم؟ " قالوا: جلسْنا نذكرُ اللهَ ونحمدُه على ما هدانا للإسلامِ، ومنَّ به علينا. قال " آللهِ ! ما أجلسَكم إلا ذاك؟ " قالوا: واللهِ ! ما أجلسَنا إلا ذاك. قال " أما إني لم أستحلِفْكم تهمةً لكم. ولكنه أتاني جبريلُ فأخبرَني؛ أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يباهي بكم الملائكةَ ". الراوي: أبو سعيد الخدري، المحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 2701- خلاصة حكم المحدث: صحيح

لو لم يكن لذكر الله سبحانه وتعالى في المسجد ومذاكرة القرآن من فضل إلا هذا الفضل أن الله يباهي بنا الملائكة ألا يستحق هذا أن يعمل من أجله؟ نلاحظ كيف أن معاوية رضي الله عنه فهم من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وسؤاله عما يفعل أصحابه في الحلقة في المسجد أن هذا لهم ولكل من يفعل فعلهم.

ولذلك ينبغي أن ننصح بعضنا البعض أن بعد أن يفرغ الإمام من الصلاة إذا تحدث أحد الوعّاظ أو ألقى موعظة إذا لم يكن لديه شيء ضروري وهامّ عليه أن يجلس ويستمع لتلك الموعظة فيكفي أن الملائكة تحفّ ذلك الشخص وتغشاه الرحمة لكن الملاحظ أنه هناك استعجال للخروج من المسجد بشكل سريع جدًا ومن الملاحظ لما دخلت علينا وسائل التقنية وأصبح في جيب كل واحد منا جوالًا قل حرصنا على مجالس العلم،كنا قبل الجوالات نلقي درسًا أو كلمة بعد الصلاة تجد الناس يجلسون ويستمعون ويحظون بهذا الأجر الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بينما اليوم تلاحظ إذا جلس أحدنا يلقي كلمة لمدة خمس دقائق ترن الجوالات في جيوب الناس فهذا ينسل من هنا وهذا يخرج من هنا وأصبحت هذه التقنية وبالًا علينا تحرمنا من هذا الفضل الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن الله سبحانه وتعالى يباهي بنا ملائكته.

يقول الله عز وجل (فاذكروني أذكركم) فماذا نريد أكثر من أن الله سبحانه وتعالى يذكرنا عنده؟

نرجع للآية الكريمة (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ ﴿٣٦﴾ رِجَالٌ) ما هي صفات هؤلاء الذاكرين؟ قال (رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ) مدح هؤلاء الرجال أنهم لا يلهيهم التجارة ولا البيع عن ذكر الله سبحانه وتعالى ونجد الآن أن أكثر ما يستعجل لأجله الناس التجارة! طلب مني أحد التجار أن أخصص لهم درسًا في التفسير في المسجد وألحّ في الطلب فلما أقمنا الدرس كان هو أقل الناس حرصًا عليه ولما سألته عن غيابه عن الدرس قال نحن التجار الدقيقة الواحدة تفوّت عليك صفقة! فذكرت له هذه الآيات وقلت إن الله سبحانه وتعالى امتدح الذين يذكرون الله في المساجد بأنهم لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر ولما ذكر في سورة الجمعة قال الله سبحانه وتعالى (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴿١١﴾) أنت تستعجل لتلحق رزقك والرزق بيد الذي تركت الجلوس في حلقة ذكره! بعد هذا الموقف ما رأيته غاب عن حلقة! وقال لي جزاك الله خيرًا، والله لقد وجدت طمأنينة في نفسي. فلو يستحضر الإنسان هذه المعاني!

أيضًا الله سبحانه تعالى في سورة الأعراف قال (وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ (205)) لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وهنا أيضًا فالله عز وجل كرر ما يتعلق بموضوع الغفلة عن ذكر الله سبحانه وتعالى.

نحن بشر والله سبحانه وتعالى هو الذي خلقنا وهو يعلم ما يُصلحنا ولذلك قال الله سبحانه وتعالى في سورة الملك (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14)) فالله سبحانه وتعالى عندما أمرنا بذكره ودلّنا على ذلك وقال النبي صلى الله عليه وسلم "سبق المفرّدون، سبق المفردون، قالوا من هم يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات. الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات هم المفرّدون السابقون الذين يسبقون الناس يوم القيامة. والأمر الآخر أن هذا العمل وحتى نعلم أنه توفيق من الله سبحانه وتعالى أن ذكر الله من اسهل الأعمال وأيسرها قد حرم الله منه أناساً كثيرين. الله سبحانه وتعالى يقول من قال لا إله إلا الله، من قال سبحان الله وبحمده، ورتب عليها أجورًا عظيمة ورغم ذلك لا يفعلها إلا قلّة من الناس وهذه ذكرها الشيخ ابن عثيمين رحمه الله قال: تيقن بأن الذي لا يذكر الله عز وجل هو ممن لا يوفّقه الله عز وجل.

نأتي لبعض الأحاديث التي وردت في فضل الذكر قد  يذهل البعض عنها وليس من باب الغفلة:

عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة ومن أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا بلى يا رسول الله، قال ذكر الله عز وجل. رواه أحمد. خير من إنفاق الذهب والفضة ومن الجهاد.

وفي صحيح البخاري عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم: مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحيّ والميت.

وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: يقول الله تبارك وتعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ  ذكرته في ملأ خير منهم وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعًا وإن تقرب ّ ذراعًا تقربت منه باعًا وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة.

وقال الله سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) الأحزاب) وقال (وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ (35) الأحزاب)

وقال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: لكل شيء جِلاء وإن جلاء القلوب ذكر الله سبحانه وتعالى.

عندما نشاهد دقيقة واحدة فقط يغفر الله عز وجل ذنوبك ولو كانت مثل زبد البحر، دقيقة واحدة فقط! ألا تستطيع أن تعطي من وقتك دقيقة واحدة؟! من قال سبحان الله وبحمده مئة مرة حسبت لك ما يزيد عن دقيقة.

مما أذكر عن والدي رحمه الله كان عند شريط للشيخ سعد الحجري حفظه الله وكان حريصًا على سماعه عنوان الشريط "غذاء القلوب" يتكلم عن ذكر الله سبحانه وتعالى كلما جلست معه أسمعني الشريط وكنا إذا خرجنا يأخذه في جيبه وكان لا يقود السيارة فإذا ركبنا في السيارة شغل الشريط حتى كاد يحفظه. فضل الذكر عظيم! ثم مرت الأيام ومرض الوالد وأدخلناه المستشفى في عسير وتوفي رحمه الله فلما جئنا نصلي عليه وجدت محاضرة للشيخ سعد الحجري في نفس المسجد فلما أردنا الصلاة على الوالد طلبت من الشيخ أن يصلي عليه فصلى على والدي فلما ليقت الشيخ بعد ذلك أخبرته عن حرص والدي على سماع الشريط "غذاء القلوب"

نحن نقول للناس نحن لا نأتي بجديد عندما نقول لهم اِحرصوا على ذكر الله سبحانه وتعالى، تفننوا في ذلك. كتاب حصن المسلم للشيخ سعيد بن وهف القحطاني أنا حريص عليه جدًأ وعندي نسخ منه في كل مكان وأرى أنه من أهم ما ينبغي على الإنسان أن يحفظ هذه ويذكر الله سبحانه وتعالى صباحًا ومساءًا ويحصّن نفسه وأبناءه وأسرته بذكر الله سبحانه وتعالى، وقد وُفّق في تسميته حصن المسلم لأن الحصن الحقيقي لك هو ذكر الله سبحانه وتعالى وفي سورة الذاريات قال الله سبحانه وتعالى (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (50) الذاريات) قال العلماء: الفرار يكون من مكان الخوف الى مكان الأمن ومكان الخوف هو المعصية والشرك ومكان الأمن هو توحيد الله وذكره والإلتجاء إليه.

 

وهذه دعوة لأن يكون لدينا برنامجًا عمليًا بالانضباط في قول سبحان الله وبحمده مئة مرة وأيضاً قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مئة مرة أضف إلى ذلك الأذكار التي في أدبار الصلوات وأذكار الصباح والمساء  تقيك بإذن الله سبحانه وتعالى وتعصمك من كثير من الشرور في الدنيا وتضاعف حسناتك في الآخرة ولذلك عندما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم "سبق المفرّدون" يأتي أحدهم يوم القيامة ولديه حسنات أمثال الجبال وهذا كله من ذكر الله سبحانه وتعالى. وتأمل في حديث النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال "خير لكم من إنفاق الذهب والفضة" تأتيك جبال من الحسنات بمجرد ذكر الله بلسانك وبقلبك. نسأل الله أن يجعلنا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات وأن يعيننا على أنفسنا في المواظبة على ذكر الله سبحانه وتعالى. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل