رياض القرآن - روضة المخلِصين

رياض القرآن -  روضة المخلِصين

(اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (61) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (62) كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (63) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاء بِنَاء وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (64) هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (65) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (66) غافر)

روضة المخلصين ننطلق في هذه الآيات للحديث عن الإخلاص والإخلاص في القرآن الكريم ورد في مواضع كثيرة ليس في هذه الآيات فقط لكننا نختار في كل حلقة من الحلقات روضة من الرياض وإلا فالقرآن كله رياض.الإخلاص من أهم ما أمرنا الله سبحانه وتعالى به وقد أمرنا به وأمر الأمم السابقة لأن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً والإخلاص في اللغة هو الصفاء والنقاء فخلوص اللبن وخلوص الذهب هو نقاؤه وصفاؤه، أما الإخلاص الذي نقصده في الشرع فهو صدق التوجه إلى الله سبحانه وتعالى عملاً واعتقاداً أن يصدُق العبد في توجهه إلى الله عملاً واعتقاداً فتكون أعمالك كلها خالصة لوجه الله سبحانه وتعالى ما قال (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) الأنعام) خالصة لوجه الله سبحانه وتعالى. وأيضاً في العمل نفسه أن تصلي لله سبحانه وتعالى مثلاً إذا كنت لا تصلي ثم إذا رأيت مديرك أو رئيسك أو من تخشاه قمت تصلي أو تُحسّن الصلاة. بعضهم ربما لا يصلي إلا إذا رأى الناس أو يصلي ولكن يصلي صلاة غير مكتملة فإذا رأى أن هناك من يراقبه حسّن صلاته فنقول له أنت غير مخلص، المخلص هو الذي يصلي لله ويبالغ في تحسين صلاته وفي تجويدها لله ليس من أجل فلان أو علان. ولا شك أن الإنسان في خلوته أكثر تحرراً من هذه القيود فالذي يصلي بمفرده يصلي بنقاء ويكون أبعد عن الرياء وعن مرآءاة الناس ونقول أن الإخلاص أن تصلي أمام الناس كما تصلي في خلوتك في الإخلاص في تحسين الركوع والسجود وأداء الصلاة كما أمر الله سبحانه وتعالى. أيضاً الإخلاص في النفقة لا شك إن تنفق سراً أدعى للإخلاص (إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ (271) البقرة) لأنه أدعى إلى الإخلاص ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم ذكر من السبعة الذي يظلهم الله في ظل عرشه: رجل أنفق نفقة فأخفاها فلم تعلم شماله ما أنفقت شماله. وهذا لا شك أدعى للإخلاص لكن من جهة أخرى الذي ينفق أمام الناس إذا قصد أن يكون قدوة وأن يفتح باب التبرع للناس وأن يشجع الناس ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم عندما طلب التبرع لقوم جاؤوه من بني عبد القيس فرآهم صلى الله عليه وسلم في حالة من الفقر الشديد فتمعّر وجهه النبي صلى الله عليه وسلم وحثّ الصحابة على الإنفاق فلم يأت أحد حتى جاء رجل بصُرّة تعجز عنها اليدين فقال النبي صلى الله عليه وسلم من سنّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها. فلا يعني أننا ندعو دائماً إلى إخفاء الصدقة أننا لا ندعو إلى إظهارها لكن كلٌ بحسبها لكن نقول أن الإخلاص هو أن تريد بعملك وجه الله سبحانه وتعالى ولا شك أن هذا ليس بسهل، يحتاج إلى معالجة النية من تكاد منا تسلم له نيته ويسلم له إخلاصه إلا من وفقه الله سبحانه وتعالى؟! ولذلك يقول أحد السلف: ما عالجت شيئاً أشد عليّ من نيتي. الفضيل بن عياض قال إنه لا يُقبل العمل إلا بشرطين فقال أن يكون خالصاً صواباً خالصاً لوجه الله سبحانه وتعالى لا رياء فيه ولا سمعة ولا يريد إلا وجه الله سون وأن يكون صواباً على سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهذا هو كمال الاتباع كما تحدثنا عن ذلك في روضة المتبعين سابقاً (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ (31) آل عمران) وهنا نقول كما ذكر الله سبحانه وتعالى (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (62) غافر) وكما قال في سورة غافر أيضاً (هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (65) غافر) قضية الإخلاص وصدق التوجّه وإفراد الله بالعبادة  لا تشرك مع الله أحد. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث القدسي: من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه. وهذا قضية حساسة في عبادتنا وتعاملنا مع الله سبحانه وتعالى وتحتاج إلى مراجعة النية وتجديد النية، فالمدّرس الذي يداوم كل يوم إذا لم تكن نيته خالصة لوجه الله سبحانه وتعالى لن يكتمل أجره ويحتاج دائماً إلى تجديد النيّة، إذا كان لا يداوم إلا من أجل المدير أو من أجل المفتش أو الموجّه ففي إخلاصه نقص بقدر هذا الإشراك في النية وفي العمل لا سيما أن الله عز وجل قال (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ (5) البينة)

والأمر الآخر أن الإنسان إذا اعتراه شيء من عدم الإخلاص يتوب ويستغفر ويكمل أمره ولا يتوقف فبعض الناس يقول وجدت نفسي غير مخلصاً فلا أريد أن أظهر في برنامج لأني أخشى، نقول إذا أتاك شيء من هذا تُب واستغفر وأكمل ولا تتوقف عن عمل الخير لأن الشيطان يدخل عليك من هذا المدخل يوسوس لك أنك غير مخلص ولن يقبل الله منك فتتوقف وهذا الذي يريده هو يريد أن يوقف عملك لكنه يدخل عليك من مدخل الإخلاص فيوسوس أن إخلاصك فيه نقص ولذلك سوف يضر هذا بك فتوقف فيتوقف الخير الذي كنت تفعله ولذلك ينبغي على المؤمن أن يجدد نيته ويحسّن عمله وتأمل في قوله سبحانه وتعالى في سورة الملك (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (2) الملك) وتحدث الفضيل بن عياض وغيره قالوا: أحسنه أصوبه وأخلصه، والحسن هنا مرتبط بالإخلاص بدرجة كبيرة جداً وبالصواب وبالمتابعة النبي صلى الله عليه وسلم فلو تأمل الواحد منا وراجع نفسه بين الحين والآخر لينظر مدى حسن عمله ومدى إخلاصه فيه ولذلك إذا وفّق الله سبحانه وتعالى الإنسان إلى عمل ولو كان الإخلاص فيه يسيراً فإن الله يبارك له وينميه له بخلاف الذي يُكثر من العمل وهو فاقد للإخلاص لله سبحانه وتعالى فإنه لن ينفعه ولذلك ذكر الله سبحانه وتعالى أنه يأتي يوم القيامة على جبال من أعمال الكفار فيجعله هباء منثورا (وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا (23) الفرقان) لأنه لم يكن لوجه الله ولم يكن لله. النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن عبد الله بن جدعان وهو من قريش وكان من كبار الأجواد في الجاهلية بل إنه كان أجود من حاتم الطائي فسُئل النبي عن عبد الله بن جدعان هل يغفر الله له؟ فقال وهل ينفعه جوده عند الله سبحانه وتعالى؟ فقال صلى الله عليه وسلم إنه لم يقل يوماً رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين. لذلك ينبغي علينا أن نستشعر هذا المعنى مع أنه معنى بسيط ولكنه مؤثر جداً في أعمالنا.

في هذه الآيات من سورة غافر فيها تأكيد على مفهوم الإخلاص وأيضاً في سورة الزمر وفي سورة البينة وفي مواضع كثيرة في القرآن الكريم أُمرنا بالإخلاص لوجه الله سبحانه وتعالى ونهينا عن الشرك والله سبحانه وتعالى ذكر لنا (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء (116) النساء) وعدم الإخلاص هو الشرك يدخل فيه الرياء، مرآءاة الناس في الأعمال المرآءاة في الإنفاق، المرآءاة في الصلاة، وفي الصيام وفي الأعمال التي يفترض أن تكون خالصة لوجه الله سبحانه وتعالى فإن هذا يفسد العمل ويحبط العمل

ثمار الإخلاص:

·         من ثمار الإخلاص أنه سبب لمغفرة الذنوب ولا شك أننا كلنا نسعى إلى هذا الأمر ولذلك كما قال ابن تيمية رحمه الله: والنوع الواحد من العمل قد يفعله الإنسان على وجه يكمُل فيه إخلاصه فيغفر فيه الكبائر وإلا فأهل الكبائر كلهم يقولون لا إله إلا الله كالبغي التي سقت كلباً فقد حضر في قلبها من الإخلاص ما لا يعلمه إلا الله فغفر الله لها. عمل هذه المرأة مع أنها بتلك الحالة وأيضاً العمل نفسه عمل بسيط إساقء كلب لكنه كان خالصاً لوجه الله فغفر الله لها وأدخلها الجنة. والرجل الذي أزال الأذى عن الطريق. ولذلك هذه نقطة ينبغي أن ننتبه لها وليست العبرة بكثرة العمل قد يعمل الإنسان أعمالاً ضخمة لكنها غير خالصة لوجه الله فلا تنفع وقد يعمل الإنسان عملاً يسيراً لكنه خالص لوجه الله فينفعه عند الله.

·         أيضاً الإخلاص سببٌ لتنفيس الكروب ويحضرني مثال حديث الثلاثة الذين أُغلق عليهم الغار فتوسلوا إلى الله بثلاثة أعمال كان الشيء المشترك بينها أنها كانت خالصة لوجه الله سبحانه وتعالى (اللهم إن فعلت هذا ابتغاء وجهك)

·         الإخلاص سبب يرزق الله سبحانه وتعالى به الناس الحكمة.

·         الإخلاص سبب للنجاة من الفتن وأن الله سبحانه وتعالى يرزق به الإنسان.

كيف نحقق الإخلاص في نفوسنا؟

·         استحضار أهمية الإخلاص وفضله وثمراته في الآخرة وهذه الآيات وغيرها في القرآن الكريم تؤكد على ذلك والأحاديث.

·         مصاحبة المخلصين والصادقين فإن لصحبتهم تأثيراً عجيباً. بعض الناس عندما تجلس معه تستشعر الإخلاص والصدق من عمله ومن تصرفاته ومن كلماته فينفعك الله سبحانه وتعالى بذلك أكثر ما ينفعك أحياناً من القرآءة في عشرين كتاب.

·         نلاحظ كيف يتفاوت بعضنا في بركة العمل بعضنا يعمل أعمالاً بسيطة ولكن ترى بركتها وتوفيق الله سبحانه وتعالى له وتيسيره وبعضهم يعمل أضعافه لكنه منزوع البركة وهذا والله أعلم يرجع إلى إخلاص هذا وعدم إخلاص ذاك.

·         أن يكثر من الدعاء بأن يرزقه الإخلاص :اللهم ارزقني الإخلاص في القول والعمل.

·         أن يستحضر النية قبل البدء بأي عمل وأن يبتغي بذلك وجه الله سبحانه وتعالى، نسأل الله أن يرزقنا الإخلاص ولا نزكي أنفسنا ولكن نحن نجاهد أنفسنا ونحاول بقدر ما نستطيع أن ندل إخواننا وأخواتنا على الخير وعلى ما فيه الخير وهي كلها من كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم

·         الإكثار من العبادات غير المشاهدة وإخفاؤها، عبادة السر رائعة جداً في تعظيم أمر الإخلاص في نفس الإنسان، فلا تتعب عندها في النية لأنك إذا عملت العمل وأنت وحدك فإن شاء الله أنك لا تريد به إلا وجه الله وإلا أنت لن ترائي وأنت وحدك وأنفقت نفقة وأنت وحدك وعملت عملاً وأنت وحدك لا شك أن هذا أدعى للإخلاص.

·         الاجتهاد في إخفاء الطاعات وعدم التحدّث بها، اتركها بينك وبين الله عز وجل بقدر ما تستطيع إلا إن كان إظهارها فيه فائدة للغير.

 

هذه الوسائل تعين الإنسان على الإخلاص. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل