رياض القرآن - روضة المتبعين

رياض القرآن - روضة المتّبعين

إن النجاة الحقيقية هي في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم وفي اتباع الوحي والاستمساك به.

(قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ (30) قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32) آل عمران)

نحن عندما نقول أنه يجب علينا اتّباع الوحي والذي جاء بالوحي هو النبي صلى الله عليه وسلم والاتّباع دائماً فيه معنى التقليد وهو معنى سلبي، عندما تقول لأحد لا تبتكر، لا تُبدع أنت فقط التزم بالتعليمات، اتبع التعليمات فقط، وقد يقول قائل لماذا الاتباع فقط لما تطلبون مني أن أتّبع ألا تتركون مجالاً للابتكار والإضافة؟ وهذا نقول هذا في إدارتنا للأمور. الله سبحانه وتعالى عندما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم أرسله بهذا الوحي وأرسل الأنبياء السابقين أرسلهم بحقائق لا يمكن الوصول إليها بالعقل أبداً، الإنسان لولا هذا القرآن لا يمكن أن يصل إلى الله، لا يمكن أن يعرف حقائق مجيئه لماذا خُلق وإلى أين المصير وما هو المطلوب منه؟ لا يمكن أن يعرف هذا العقل، العقل له حدود. لذلك الذين ضلوا في المذاهب البشرية أرادوا أن يدخلوا العقل في مسائل لا يمكن للعقل أن يحكم فيها فلا يمكن للإنسان بالعقل أن يكتشف أن هناك جنة ونار؟ الجواب لا، هذه قضايا غيبية لا يمكن للعقل أن يستنتجها، ليست قضايا منطقية كما هي في الأشياء البشري التي نتعامل معها، هذه قضايا غيبية اختص الله بها. أخبرنا الله سبحانه وتعالى في هذا الكتاب أن هناك جنة وهناك نار وهناك حساب وهناك عذاب وأيضاً أخبرنا أشياء في الغيب الماضي كيف خلق السموات والأرض كيف أرسل الأنبياء السابقين هذه قضايا لا يمكن أبداً أن يصل إليها العقل ولذلك لما جاء بها الوحي أُمرنا باتباعها لأنها حق لا شك فيه ولا باطل فيه. ولذلك هنا في هذه الآيات (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32)) النجاة الحقيقية هي في اتّباع النبي صلى الله عليه وسلم، عندما يتكلم الله عز وجل عن قضية الاتباع فهو في القضايا التعبدية التوقيفية أما في أمور الدنيا والمعاش فيأمرك بالابتكار والإضافة. وبعضهم يلبّس على الناس ويقول الدين الإسلامي دين تقليد يأمر أتباعه بالتقليد المحض وهذا صحيح في جوانب العبادة.

نستطرد في مسألة العبادة، عبادتنا لله سبحانه وتعالى العبادة التوقيفية تماماً لا نتعبد الله سبحانه وتعالى إلا بما شرع لنا في كتابه الكريم أو في سنة النبي صلى الله عليه وسلم فلو جاء رجل مخلص وصادق وقال أنتم تصلون الفجر ركعتين فقط وأنا سأصلي أربع ركعات لأن أربع ركعات تتيح لي فرصة أن أقرأ أكثر وأركع أكثر أسجد أكثر لن نوافقه ونقول عملك باطل وصلاتك باطلة لأنك أعملت عقلك واجتهدت في مسألة لا تقبل هذا. الرسول صلى الله عليه وسلم قال نصلي ركعتين نصلي ركعتين، نصلي الظهر أربعاً نصليها أربعا ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ، أي باطل. هذا مفهوم الاتباع، نحن نتبع في هذه القضايا العبادية ولا نجتهد فيها ولا نضيف ولا نذكر الذكر الذي أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نذكره في السجود نذكره في الركوع ولا العكس، اتباعٌ تامّ، وهذا من تمام العقل ومن تمام الإسلام ومن تمام الانقياد. ثم لك أن تُطلق عقلك في قضايا المعاش وتبتكر وتبدع كما تحب وكما تشاء أما في القضايا التعبدية فكمال العقل وكمال الفهم هو في كمال الاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم ولذلك ما أُرسل الأنبياء إلا لكي يتبعوا (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ (64) النساء) والاختبار الحقيقي للمسلم هو في الانقياد وفي الإيمان بالغيب ولذلك في أول سورة البقرة عندما ذكر الله صفة المتقين قال (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2)) ثم ذكر صفاتهم (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3)) قال العلماء قدّم الله صفة الإيمان بالغيب لأنها هي المحك الحقيقي في الإيمان لأنك إذا آمنت شيء مشاهد أمامك انتهت القضية كما فعل فرعون لما دخل الماء إلى جوفه ورأى الموت قال (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) يونس) فقال الله سبحانه وتعالى له (آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91) يونس) انتهى وقت القبول. الإيمان بالشهادة يشترك فيه الناس جميعاً لكن الإيمان بالغيب هو الذي يتفرد به المؤمنون الصادقون المخلصون النبي صلى الله عليه وسلم جاءنا بهذا القرآن جاءنا بهذا الحق الذي لا شك فيه ولا شبهة التدر فيه والتأمل فيه يدعو إلى الإيمان واليقين والتسليم وكلما كان الإنسان أكثر إيماناً ويقيناً بما عند الله سبحانه وتعالى كان أكمل إيماناً. (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) الأنعام) ولذلك حتى الإنسان عندما ينام نومته هي لله سبحانه وتعالى وهو يتعبد الله عز وجل فيها عندما يسير الإنسان أو عندما يقوم بأداء أي عمل هي عبادة لله عز وجل كما تعلمنا تعريف شيخ الاسلام ابن تيمية المشهور للعبادة "العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهر والباطن" فلذلك الإنسان يتبع أمر الله عز وجل وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم في كل هذه الأشياء وهذا لا يعني أن الإنسان لا يبتكر ولا يُبدع، بالعكس الإنسان يبتكر ويبدع طالما كله في سياج طاعة الله.

ونحن نتحدث في روضة المتبعين كمال اتباع الإنسان لسنة النبي صلى الله عليه وسلم دليل على الإيمان ودليل على محبته أيضاً لأن البعض يقول أنتم بهذا تحجّرون لأنه عندما نقول روضة المتبعين نحن في الحقيقة نحارب ونردّ البدعة. والبدعة هي عبادة جديدة لم يأذن بها النبي صلى الله عليه وسلم، لو جاءنا أحد بعبادة لم ينصّ عليها النبي صلى الله عليه وسلم ولم يشرعها لنا فنحن نقول لهذا المبتدع هذه ليست موجودة في القرآن وهي موجودة في السنة فهي مردودة عليك بعضهم يغضب ويقول أنتم محجّرين وأنتم لا تحبون النبي صلى الله عليه وسلم ولا تحبون الله. على سبيل المثال يأتي من يحتفل بمولد النبي صلى الله عليه وسلم وصار الاحتفال بالمولد كأنه حجّ فنقول هذه بدعة مردودة وليست من الدين فيقال أنتم لا تحبون النبي صلى الله عليه وسلم فنقول بالعكس بل من كمال محبتنا له أننا لا نحتفل بمولده لأن الله سبحانه وتعالى يقول (فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ) وهذا الذي جئتم به شيء في العبادة، إضافة من عندكم في العبادة كما يفعل الصوفية يجتهدون في باب العبادة وباب العبادة توقيفي لا مجال للعقل فيه فكما أنه لا يمكن أن تجعل صلاة الفجر ثلاث ركعات أو صلاة المغرب أربع هذا لا يمكن لأن هذه عبادات لا يدخلها العقل ولا تجتهد فيها. حتى الأذكار التي تقال في الركوع والسجود وفي التشهد كلها منصوص عليها أخبرنا بها النبي صلى الله عليه وسلم ولذلك تلاحظ الناس الآن يسألون هل يجوز أن اقول في الركوع كذا؟ أضيف؟ لا يجوز إذا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم لأننا في جانب العبادة نحن متعبّدون باتباع النبي صلى الله عليه وسلم كما قال عمر لما جاء إلى الحجر الأسود وقال إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك. هذا هو مفهوم الاتباع بكل بساطة.

ولا يعني عدم الاحتفال بيوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوقف البعض عن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ويقول أنتم تقولون هذه بدعة ويتوقف عن ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم أو ذكر سيرته وهذا غير مطلوب وإنما المطلوب البعد عن الاحتفال.

وأما ما يتعلق بالأذكار فنجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر لنا أذكاراً كثيرة وهذه الأذكار لو استطاع الإنسان أن يلتزمها لامتلأ يومه كله بالأذكار، " من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك"، سبحان الله وبحمده مائة مرة، الأذكار كثيرة فليس هناك داعي بأن نأتي بأذكار أخرى جديدة، لو فقط قمنا بالأذكار التي جاءت في النصوص الصحيحة لاستغرقت وقتاً طويلاً.

ولذلك ابن الجوزي رحمه الله قال في كتابه "تلبيس إبليس" من وسائل ابليس في إضلال الإنسان أنه يأتي للإنسان المسلم والمستقيم ويرى أنه لم يستطع أن يثنيه عن الصلاة فدخل عليه من هذا الجانب فيشغله بالمفضول على الفاضل ويظهر هذا جلياً في جانب الأذكار. لاحظ الآن الناس الذين في الطواف تجده معه دفتر أذكار الطواف وتجد أن الكثير من هذه الأذكار لم يثبت وإذا بالناس يتركون الأذكار الصحيحة التي ثبتت في البخاري وفي مسلم وفي الكتب الصحيحة ويذهبون إلى أذكار مسجوعة ليس عليها دليل وهذا من تلبيس إبلييس على الإنسان وأنه لو اشتغل الإنسان بالأذكار الصحيحة لكان ذلك فيه كمال الاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم والانقياد له والسير في ركابه عليه الصلاة والسلام.

 

في قول الله تعالى (قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) إشارة هنا إلى أن عدم الانقياد كفر لأنه قال في ختام الآية (فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) لأن توليهم عن الانقياد لأوامره عليه الصلاة والسلام كفر ولذلك في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرة الصحابة رضي الله عنهم ويحضرني عبد الله ابن عمر رضي الله عنه كان شديد الاتباع لآثار النبي صلى الله عليه وسلم حتى أنه كان رضي الله عنه يتتبع مواضع ناقة النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة وفي الذهاب إلى الحج لكي يقلد النبي صلى الله عليه وسلم حتى في هذه التفاصيل ولذلك كان مشهوراً رضي الله عنه بكمال اتباعه لسنة النبي صلى الله عليه وسلم ونحن نقول اليوم ولله الحمد والمنة وقد حققت كتب الصحيحة من السنة وأصبح صحيح البخاري ومسلم في متناول الجميع، كتاب رياض الصالحين موجود في متناول الجميع بل حتى اليوم وهي حجة علينا الآن أصبح بإمكانك أن تحمل هذه الكتب على الجوال الذي بين يديك ولا أجد الآن مبرراً لاشتغال الناس اليوم بالقرآءة في الجرائد وما يقرأ في المنتديات وفي مواقع التواصل الإجتماعي يقرأ طيلة يومه ثم يغيب عنه أحاديث صحيحة في البخاري ومسلم ولا يعرفها فتقول له لو قرأت كل يوم وحفظت حديثاً واحداً من الأحاديث في صحيح البخاري ومسلم لكان في ذلك بركة عليك في علمك وفي عبادتك. في يوم من الأيام جاءني طبيب استشاري فدار الحديث حول كتب السنة والأحاديث الصحيحة فسألته إن كان لديه صحيح البخاري فقال لا، وسأل ما ميزة صحيح البخاري؟ قلت هو أصح كتاب بعد كتاب الله سبحانه وتعالى وقد تحرّى فيه الإمام البخاري الصحة واتصال السند وذكرت له بعض التفاصيل وأعطيته نسخة من صحيح البخاري في مجلد واحد وغاب عني أشهراً فلما لقيته قال للأسف الشديد كنت في غفلة عن صحيح البخاري وقد وجدت فيه أجوبة على أسئلة طالما سألت نفسي عنها في عبادتي في حياتي في تصور بدء الخلق وإذا بها كلها في صحيح البخاري فضلاً عما في صحيح مسلم وغيره من كتب السنن. فلا شك أن كمال الاتباع هو في كمال اتباع النبي صلى الله عليه وسلم وكمال اتباع الوحي كما قال الله سبحانه وتعالى في هذه الآية (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ). 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل