رياض القرآن - روضة العابدين

رياض القرآن - روضة العابدين

د. عبد الرحمن الشهري

اليوم سوف نتحدث عن روضة من رياض القرآن وهي روضة العابدين سنتوقف من خلالها عن آيات من القرآن الكريم تتحدث عن العبودية لله سبحانه وتعالى وعن العبادة وننطلق من خلال هذه الروضة للحديث عن الآيات المماثلة التي تناولت موضوع العبادة في القرآن الكريم.

(وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (49) فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (50) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (51) كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (53) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ (54) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55) وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58) الذاريات)

هذه الآيات من أواخر سورة الذاريات وهذه السورة هي سورة مكية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في مكة والعلماء دائماً يتحدثون أن السورة المكية دائماً تركز على مفهوم التوحيد وتقرير العقيدة وترسيخ هذا المفهوم في نفوس المسلمين ونحن نستفيد من هذا حتى اليوم من أننا إذا أردنا أن نطّلع على آيات العقيدة وكل ما يدعم ويعزز هذا المفهوم في نفوس الناس فإننا نركز على الآيات والسور المكية هذا ظاهر فيها جداً. هذه الآيات وهذه الروضة روضة العابدين تتحدث عن هذه الآية المفصلية (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ). وهذه الآية على قصرها تختصر العبرة والغاية التي خلق الله من أجلها البشر بل والجنّ لذلك قال (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ولذلك كثير من الذين يعيشون اليوم في العالم لا يدركون هذه الحقيقة كما يدركها المسلم الذي يقرأ هذه الآيات فلذلك نحمد الله سبحانه وتعالى أن هدانا لما اختلف فيه الناس.

فتأمل في قوله سبحانه وتعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58))

نسبة المسلمين في العالم اليوم لا يشكّلون ولا يمثّلون خمس أو عُشر العالم والبقية الباقية على أديان محرّفة مما يدل على فضل الله سبحانه وتعالى علينا وعلى المشاهدين الذين هدانا لهذا الدين ولهذه العقيدة ولهذا التوحيد ولذلك ينبغي على الإنسان وهو يقرأ مثل هذه الآيات أن يحمد الله على نعمة الهداية ونعمة العبودية ولذلك الله سبحانه وتعالى عندما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم في أشرف المواضع ذكره بوصف العبودية. ووصف العبودية لله سبحانه وتعالى هو شرف لنا علماً أن العبودية في أصلها هي ذلّة وليست تشريفاً، عندما تقول فلان عبدٌ لفلان فهذه ليست تكريماً له وإنما نوع من الذلّة والانقياد لهم لكن العبودية لله سبحانه وتعالى هي شرف وفخر للإنسان أن يفخر بأنه عبد لله سبحانه وتعالى ولذلك أجاد أحد الشعراء عندما قال:

ومما زادني شرفاً وتيهاً       وكدت بأخمصي أطأ الثريا

دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيّرت أحمد لي نبيا

لذلك لما وصف النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم في أشرف المواضع مثل قوله سبحانه وتعالى (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ (1) الكهف) ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وقت نزول الوحي ونزول القرآن الكريم وهذا وقت شرف للنبي صلى الله عليه وسلم ذكره بلفظ العبودية وعندما ذكره أيضاً في موقف الإسراء (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً (1) الإسراء) فذكره في موطن شرف تميز به على كل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهو موقف الإسراء والمعراج فذكره بوصف العبودية. وأيضاً لما قام النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله ذكره بوصف العبودية فقال (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (19) الجنّ). هذه الآيات مع الآيات في سورة الذاريات تؤكد على مفهوم العبودية لله سبحانه وتعالى وهو غاية الخضوع والتذلل لله سبحانه وتعالى باتباع الأوامر واجتناب النواهي وأنه ينبغي على كل واحد منا وهو يعبد الله سبحانه وتعالى أن يستشعر هذاالشرف عندما يوفقك الله سبحانه وتعالى إلى الصلاة جماعة وإلى المحافظة عليها فقد وفقك إلى عبوديته الحقة وقد هداك في حين حرم غيرك. ولذلك استحضار هذه النعمة العظيمة عليك وأنت تصلي وأنت تسجد وأنت تؤدي السنن الرواتب وتحافظ عليها هذه نعمة اختصك الله بها فحافظ عليها فذلك فضل الله وليحرص الإنسان عليها.

هل نحن نستشعر ونحن نتحدث في هذه الآيات ونبلّغ عبر هذا البرنامج أو عبر خطبة الجمعة التي تخطبها أو عبر تعليمك لطلابك وأنت أستاذ أننا نقوم بوظيفة النبي صلى الله عليه وسلم وننوب عنه في تبليغ هذا القرآن الكريم وفي بيان معانيه إلى الناس كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل.  كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي إلى الناس وهم مجتمعون فيتلو عليهم القرآن بغية هدايتهم والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يتقاضى أيّ مقابل من الناس وهو يدعوهم إلى الإسلام ولذلك قال الله عز وجل (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6) الكهف) النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصاً على تبليغ الرسالة ومن الجيد أن نحرص على الدعوة ونبلّغ الدعوة ولكن هل عندنا الحرص الشديد على أن تصل الدعوة بالشكل الصحيح والمطلوب أو أننا نقول (إن علينا إلا البلاغ) وانتهى الأمر؟! لا بد لنا من استشعار هذا المعنى.

أضف إضافة مهمة جداً وهو أننا عندما نتحدث عن مفهوم العبودية في روضة العبودية في سورة الذاريات هل تعلم أننا نجيب عن أعظم سؤال في الوجود حيّر الملاحدة حيرة شديدة، يجيب الله سبحانه وتعالى لماذا خلقنا؟ (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)) فقط (مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ (57)) لماذا؟ (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)) ولذلك كثير من الباحثين المعاصرين – وأنا أتفق معهم- يرون أن سورة الذاريات موضوعها ومقصدها الأساسي هو الرزق وأن الله سبحانه وتعالى قد تكفل به ولذلك تفرّغ أنت للعبادة. كأن الله سبحانه وتعالى يقول ركّز على العبودية ودع الرزق علينا. وقد تجد البعض يعترض على رزق غيره لماذا أُعطي مالاً كثيراً وأنا لم أعط؟ فيرد الله سبحانه وتعالى (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاء إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (27) الشورى)

كنت أقرأ في كتاب من كتب التاريخ الروسية التي وضعت في عهد الشيوعية والإلحاد لا تجد في هذا الكتاب ذكر لا لله ولا لخلقه ولا لعبودية الناس له أبداً، يتحدثون عن الخلق وعن الإنسان كأنه خُلق من ذاته وهذا هو الانحراف انحراف الفطرة. ولذلك انظر إلى النظريات العلمية التي نشأت في ظل الإلحاد والكفر والرأسمالية كلها تهمّش مفهوم العبودية لله سبحانه وتعالى ولذلك ينبغي على الطالب المسلم ونقولها لأبنائنا وبناتنا وهم يقرأون في الفيزياء والكيمياء والرياضيات والجيولوجيا والأحياء تجد خلق الإنسان ظاهر في عظمة الله سبحانه وتعالى في خلق الإنسان، في خلق السموات والأرض، خلق الجنين في الجهاز الدموي والجهاز التنفسي وكل هذه الأجهزة تؤكد على مفهوم خلق الله للإنسان وأن هناك قوة غيبية خارقة وهو الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق وهو الذي رزق وهو الذي أعطى لذلك تعظيم هذا المفهوم في نفوس أبنائنا وبناتنا يعزز في نفوسهم حتى لما يتلقون مثل هذه العلوم يتلقونها بروح المؤمن الخاضع لأوامر الله سبحانه وتعالى.

نعود لموضوع العبودية والحيرة في قوله سبحانه وتعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) يجيب على أعظم سؤال حار فيه الملاحدة والمؤرخون وأصحاب المذاهب الكلامية والأفكار ولذلك قصيدة إيليا أبي ماضي المشهورة التي قالها في مثل هذه الظروف، هو شاعر نصراني عاش في بداية عصر النهضة بالرغم من هجرته إلى أميركا الجنوبية ورأي بداية الحضارة كان يشعر بقلق شديد لأنه غير مسلم ولا يهتدي لماذا خُلق فيقول:

جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت

ولقد أبصرت قدامي طريقا فمشيت

وسابقى سائراً إن شئت هذا أم أبيتُ

كيف أبصرت طريقي ولماذا جئت لست أدري لست أدري

ثم يسترسل في القصيدة:

كم سألت البحر يوماً هل أنا يا بحر منك

في أسئلة كلها تدل على الحيرة وعلى عدم معرفة سر الخلق ولماذا خلقك الله وإلى أين المصير وما معنى القضاء والقدر وما معنى الإيمان بالغيب وما معنى الإيمان بالجنة والإيمان بالنار والإيمان بهؤلاء الأنبياء والرسل؟ 

لو تتأمل في القرآن الكريم كيف يقص الله سبحانه وتعالى على النبي صلى الله عليه وسلم قصة نوح وقصة إبراهيم وقصة موسى وعيسى ويونس وسليمان وداوود وهؤلاء القدوات وكل هذا من الغيب بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقرأ ولم يكن عند اطلاع على هذه الثقافات عليه الصلاة والسلم لذلك لما فاجأه جبريل بالوحي زقال له اقرأ، قال ما أنا بقارئ، معنى كلام النبي صلى الله عليه وسلم أنا لا أحسن القرآءة وليس معناه أني لن أقرأ حتى لو أمرتني وإنما لست بقارئ وبالرغم من ذلك لما جاءه هذا الوحي وجاءه بسيَر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أتخيل النبي صلى الله عليه وسلم وهو ينظر إلى هؤلاء الأنبياء الذين سبقوه هؤلاء القدوات بالنسبة له عليه الصلاة والسلام.

لو ننظر مفهوم العبودية حتى النبي صلى الله عليه وسلم طبق مفهوم العبودية حتى قالت عائشة رضي الله عنها عندما رأت النبي صلى الله عليه وسلم يبالغ في قيام الليل وفي التعبد حتى تفطرت قدماه من كثرة الوقوف قالت: يا رسول الله ألم يغفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم أفلا أكون عبدا شكورا. هذه المغفرة تقتضي مني المبالغة في الشكر. انظر لهذا الفهم سبحان الله العظيم! أنا أتصور لو وقع مثل هذا عليّ لقلت الحمد لله، ما دام أن الله غفر ما تقدم من ذنبي وما تأخر سأرتاح!

النبي صلى الله عليه وسلم في سورة العنكبوت جاءت لفتة مهمة وهذه من المسائل التي ينبغي للجميع أن يعتني بها ممن يقرأ القرآن الكريم كيف تأتي إشارات مقصودة من الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم تشير إلى مراحل دعوة النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكر الله سبحانه وتعالى قصة نوح عليه السلام ذكرها الله في كثير من المواضع في السور المكية ذكرها في سورة نوح وفي سورة الأعراف وفي سورة هود، أفاض في قصة نوح ولكن ولا في موضع واحد من هذه المواضع ذكر الله سبحانه وتعالى مدة بقاء نوح في قومه وإنما ذكرها في موضع واحد في سورة العنكبوت (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (14)) يسأل السائل لماذا ذكرت هذه اللفتة من قصة نوح في هذا الموضع من سورة العنكبوت؟ لما تأملت ودرست هذه السورة وجدت أن سورة العنكبوت على أقوال العلماء كانت آخر سورة نزلت في مكة وبعضهم يقول نزلت في الطريق إلى المدينة وبعضهم يقول نزلت أول سورة في المدينة، على الاحتمالات الثلاثة الحكمة واضحة كأن الله سبحانه وتعالى يقول للنبي صلى الله عليه وسلم أنت كم لبثت في مكة؟ 13 سنة ولكن كذّبوك وأخرجوك ولم تجد أي مجال للدعوة في مكة فهاجر إلى المدينة، نوح بقي في قومه 950 سنة وأنت بقيت في قومك 13 سنة فكان في هذا عزاء للنبي صلى الله عليه وسلم ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان يقتدي بهؤلاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ويرى في سيرهم التي يقصها الله سبحانه وتعالى عليه في القرآن الكريم ميداناً للقدوة.

ولذلك ينبغي علينا ونحن نقرأ القرآن الكريم أن نقتدي بهؤلاء القدوات لأن القرآن الكريم عظّم لنا هذه النماذج البشرية وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والصالحين من هذه الأمم التي سبقتنا وهؤلاء الذين ينبغي أن نقتدي بهم لا أن نقتدي بحثالة الناس الذين يحاول الإعلام الغربي أو الشرقي أن يلمع هؤلاء لكي يكونوا نجوماً الذين ينبغي على أبنائنا أن يقتدوا بهم.

 

نسال الله أن يرزقنا وإياكم صحة الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وأن يرزقنا صدق العبودية لله سبحانه وتعالى. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل