لنحيا بالقرآن - أوائل سورة العلق

برنامج لنحيا بالقرآن - أوائل سورة العلق

د. محمد الخضيري ود. محمد الربيعة

(تفريغ موقع إسلاميات حصريًا) 

عرض في رمضان 1430 هـ على قناة الخليجية (هذا تفريغ كل ما لدي من حلقات وهناك حلقتين أو ثلاث لم تعرضا فمن كانت لديه هذه الحلقات أرجو مراسلتي لتفريغها وإضافتها إن شاء الله وجزاكم الله خيرًا.

 الحلقة الأولى:

د. الربيعة: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد فحياكم الله أيها الإخوة الفضلاء في هذا البرنامج المبارك (لنحيا بالقرآن) والذي نسير وإياكم فيه مسيراً نرجو أن نبث فيه حلقات مباركة نحيي بها قلوبنا في ضوء وظل كتاب الله عز وجل وآياته البينات. لعلنا دكتور محمد بعد هذه الآيات الخمس التي نزلت كما نعلم نزلت بعدها آيات ليست معها وإنما هي تتمة لها وهي إذا أردنا أن نجعل لها موضوعاً خاصاً أي موضوع الآيات الباقية فإنها تبين لنا أثر الجهل وأنه يدعو الإنسان إلى الطغيان وإلى التصرف الأحمق وإلى الكفر والتكذيب وتبدأ هذه الآيات من قول الله تعالى (كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى (6) العلق) أي إن الإنسان بغير هذا العلم وغير علم الله عز وجل لا عقل له حقيقة يعقل به حقيقة الحياة ويقيس به المقاييس الصحيحة يعرف به قيمة المال ويعرف به قيمة التعامل مع البشر ويعلم به قيمة وجوده في هذه الحياة. فإذا كان بلا علم صحيح فإنه سيرى نفسه أنه على شيء وهو ليس على شيء (كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى (6) أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى (7)) رآه أي رأى نفسه أنه استغنى ولا يمكن أن يستغني.

د. الخضيري: بالفعل كما ذكرت متى رأى الإنسان نفسه أنه استغنى فقد ولج باب الطغيان، متى رأيت في نفسك أنك غني عن الله عز وجل وأنه لا حاجة لك بالله وأن ما عندك من مال وعرَض وما عندك من نفوذ وخدم أن هذا كاف في حياتك، هنا تدخل الطغيان شئت أم أبيت. وهنا نقول يجب على المسلم أن يستشعر دائماً وأبداً أنه مفتقر إلى الله وأن كل هذا المتاع الذي بين يديه لن يغنيه عن الله طرفة عين. ولذلك نقول الآية جاءت بقوله (كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى (6) أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى (7)) يعني رأى نفسه قد استغنى أما إذا لم ير نفسه قد استغنى فإنه لا يضره الغني بإذن الله عز وجل فقد يكون الإنسان غنياً بماله عنده مال وعنده دنيا واسعة لكنه لا يستغني عن الله طرفة عين ولا يرى هذا المال شيئاً فهو مفتقر إلى ربه سبحانه وتعالى فهذا لا يجعله يطغى. ولذلك نقول أن هذا يدلنا على موضوع آخر وهو الزهد. الزهد ليس هو عدم كثرة المال في اليد بل قد يكون الإنسان من أكثر الناس مالاً وهو أزهد الناس إن لم تكن الدنيا في قلبه لم يتعلق بها ولم يركن إليها ولم يعتدّ بها ويرى أنها تصنع له كل شيء، هذا الرجل قد يكون زاهداً مع أن الدنيا في يده يسكن قصراً ويركب سيارة فارهة وعنده خدم وحشم لكنه لا يطغى.

د. الربيعة: لا يطغى لأنه لا يرى أن هذه هي حياته. ولو أننا ضربنا نموذجاً لهذا الطغيان الذي يبعث الناس إلى الاستغناء نضرب مثل الرجل الذي نزلت فيه هذه الآيات وهو أبو جهل. انظر وتأمل الآيات الأولى من السورة ترمز إلى اشرف الناس وهو الرسول صلى الله عليه وسلم عندما أُنزل عليه هذا الوحي فشرف به فكان أشرف عالِم.

د. الخضيري: عندما قيل له اِقرأ فقرأ أما أبو جهل لما قيل له اِقرأ لم يقرأ ولم يؤمن بل تحول إلى ما ذكره الله عز وجل في هذه الآيات (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى ﴿٩﴾ عَبْدًا إِذَا صَلَّى ﴿١٠﴾ أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى ﴿١١﴾ أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى ﴿١٢﴾ أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ﴿١٣﴾ العلق) وصفه الله بصفات كثيرة جداً وبين أنه صار في صف من يصدون الناس عن الدعوة ومن يقومون بإيذاء الدعاة ومن يحاربون الرسل والرسالات وكل ذلك جهلاً منه وكل ذلك استكباراً منه وكل ذلك لأنه كما مر بنا نسي الرجعى إلى الله عز وجل ونسي الدار الآخرة وهذه قضية في غاية الأهمية وهي أننا متى نسينا الآخرة ونسينا الجنة والنار ونسي البعث والجزاء والحساب حصل منا ما حصل من هذا الرجل الذي ذكر الله عز وجل صفته في هذه الآيات.

د. الربيعة: إن أعظم ما يمنع الإنسان من الطغيان في ماله وفي جاهه وفيما آتاه الله هو أن يعلم أنه منتقل إلى الله وأنه راجع إلى الله وأنه له أجل سينتهي له وأنه سيموت وأن هذا الجاه وهذا الشرف وهذه الدنيا التي جعلت الإنسان يطغى ستنتهي وأن إلى ربك الرجعى وأنك راجع إلى الله. والإنسان إذا تذكر ورأى نفسه في هذه الدنيا وأعطاه الله لكنه تذكر أنه إلى الله صائر وأنه إلى الله راجع فإن هذا أعظم ما يبعثه على الإتزان في الحياة وأنه يعرف حقيقة هذا المال ولا يطغى به هذا المال إنما أوتي من أوتي من قِبَل ماله بنسيان الآخرة وطغيانه بماله، يبطر بالنعمة فيتباهى على خلق الله عز وجل ونسي أمر الله عز وجل.

د. الخضيري: ولذلك قوله تعالى (إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (8) العلق) يجب أن تكون نبراساً لحياتنا. عندما يعلم الإنسان أنه سيرجع إلى الله تعالى سيتصاغر ويتواضع ويحرص أن لا يترفع على الله أو على عباد الله أو أن لا يستكبر على الدعوة الحقة أو على ما يقال له أو ما يسمعه من الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى وهذه نلاحظها في الذين تأتيهم الدعوة لأول مرة قد يردونها لأنهم ينسون الآخرة وأنهم سيبعثون لأن الحق دائماً عليه بينة وعليه نور فإذا نسي الإنسان فإنه يضرب بالحق عرض الحائط ولا يبالي برد الحق لكن إذا كانت الآخرة حية في قلبه ويخاف من لقاء الله عز وجل ويخشى أن يموت على حال هو ليس فيها على الحق فإنه في هذه الحالة سيرجع ويتذكر ويتعظ ويتقبل الحق ولا يستغني عنه طرفة عين.

د. الربيعة: لعلنا نأخذ من هذه الآية أن أعظم ما يوعظ به أولئك الناس الذين طغوا بأموالهم وأملاكهم هو أن يوعظوا بنهايتهم وموتهم وعاقبتهم وأنهم إلى الله صائرون لأن الله تعالى قال (إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى) أي أيها الإنسان الطاغي الذي قد استغنيت بمالك إعلم أنك راجع إلى الله. لذلك ينبغي أن نجعل هذا في معالجة أهل الطغيان إذا رأينا إنساناً ألهاه ماله فينبغي أن نذكره بمآله.

د. الخضيري: لو نقف عند قوله الله عز وجل (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (14) العلق) عندما عاتب الله سبحانه وتعالى الإنسان الذي نهى وطغى وآذى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعده بقوله (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى) ما هي الفائدة العملية التي نستفيدها في حياتنا من هذا التأنيب والعتاب من الله سبحانه وتعالى؟

د. الربيعة: الحقيقة أن هذه الموعظة وهذا الخطاب كاف للإنسان أن يزجره عن طغيانه وعن صده عن سبيل الله وعن إعراضه فيقال له (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى) ألم تعلم أن الله قادر رب الخلق أجمعين والملك سبحانه وتعالى ذو السلطان العظيم يراك فكيف سوف يعاملك؟ لا شك أن هذا سوف يدعوه إلى الخوف من الله عز وجلز ثم إننا نأخذ من هذه الآية منهجاً في حياتنا نحن بأننا نجعل هذه الاية منهج حياة، كيف ذلك؟ ألم نعلم بأن الله يرة، إجعل هذه الكلمة أمام عينيك في كل حياتك فأنت أخي الشاب وأنت أختي الفتاة عندما يأتيكم الشيطان ليغريكم بشهوة تطغوا بها ادعلوا هذه الجملة أمام عينيكم.

د. الخضيري:

وإذا خلوت بريبة في ظلمة  والنفس داعية إلى العصيان

فاستحي من نظر الإله وقل لها       إن الذي خلق الظلام يراني

هذا الذي خلق الظلام أو جعلني في غرفة وحدي أو في مكان لا يراني فيه أحد من البشر فإن الله سبحانه وتعالى مطّلع ويراني فيه. ونحن يجب أن نربي أبناءنا على مراقبة الله في كل شيء. قيل أن مربياً أراد أن يربي تلاميذه على هذا المعنى فأعطى كل واحد من طلابه دجاحة وقال إذهب واذبحها في مكان لا يراك فيه أحد فذهبوا وكل واحد اختبا في مكان لا يراه فيه أحد فذبحوا الدجاجة التي أعطاهم إياها ثم عادوا فعادوا جميعاً وقد ذبحوا ما معهم إلا طالب واحد فقال له لم لم تذبح الدجاجة التي أعطيتك إياها؟ فقال لم أجد مكاناً لا يراني فيه أحد، قال ولم؟ قال لأنه لا يوجد مكان إلا والله سبحانه وتعالى يراني فيه فقال أحسنت وأعطاه جائزة.

د. الربيعة: وذكر لي أحد الإخوة الشباب يقول أكون لوحدي أحياناً في غرفتي فيغريني الشيطان بفتح بعض المواقع الإباحية على الانترنت يقول فأقع أحياناً في ذلك فيقول أرشدني أحد الإخوة أن أضع هذه الكلمة أمام عيني وأضعها أمامي على شاشة الكمبيوتر فقصصت هذه الآية ووضعتها (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى) موعظة يجدد بها مراقبته لله عز وجل فالحق أن هذه الآية منهج حياة.

د. الخضيري: لعلنا نختم بقول الله عز وجل (كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19) العلق) يعني أن الداعية إلى الله عز وجل ومن يريد إنقاذ الناس ومن يقوم بأمر الله ينبغي له أن يصبر على ما يلاقيه من العذاب وأن يثبت على دينه ودعوته وأن لا يبيع دينه لأجل ضغوط قليلة أو بعض محاولات من أعداء الدعوة أو مناوئين لها يريدون قطع الطريق على الداعية بل يثبت والعاقبة للتقوى والعاقبة للمتقين (كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) فكان أبو جهل يحاول أن يصد النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يصلي وأن يقوم بأمر الله عز وجل فالله عز وجل يثبته ويقول له لا تطعه ثم يأمره بما يدل على التوحيد (كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) يعني اسجد لله سبحانه وتعالى فإنك إن سجدت لله حصل لك القرب من الله سبحانه وتعالى وهذا يفسره قول النبي صلى الله عيله وسلم "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا من الدعاء.

د. الربيعة: لعلنا نلمس من ختام هذه السورة بهذه الجملة العظيمة أنه ابتدأها بالأمر بالعلم والعلم إن لم يحكمه تقوى الله فإنه قد يؤدي بالإنسان إلى الطغيان فإذا ملك الإنسان علماً أيّ علم سواء علم الشرع أو علم الدنيا فينبغي أن يُخضعه ذلك لله عز وجل وأعظم سبيل للخضوع إلى الله هو العلم لأن الله عز وجل قال (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء (28) فاطر) الذين يعرفون على الحق والحقيقة ويقفون عليها فيدفعهم ذلك إلى معرفة الله. وأيضاً نلمس من هذه الآيات العظيمة أنه قال (كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) هل يمكن أن نلمس منها معنى يدلنا على أمر السجود؟

د. الخضيري: السجود أعظم أعمال الصلاة فأنت لن تكون أقرب إلى الله عز وجل في حال مثلما تكون في حال السجود فكلما سجد الإنسان اقترب إلى الله لأنه يظهر العبودية لله عز وجل ويجعل أشرف أجزاء جسده مستوية مع مواطئ قدميه خضوعاً لله عز وجل.

 

د. الربيعة: يعني نستطيع أن نقول أيها المسلم إذا أردت أن تقترب من الله وتتقرب منه صلة به ومنزلة عنده فأكثر من السجود ولعل هذا يدلنا على قصة خادم النبي صلى الله عليه وسلم حينما جاء له بوضوئه قال من أتى بوضوئي؟ قال أنا، قال سلني، قال أرجئني، فكر في الأمر لأن هذه دعوة سيدعو له النبي صلى الله عليه وسلم فلما كان الغد قال اسألك مرافقتك في الجنة فقال أعني على نفسك بكثرة السجود. إذا كنت تريد المراتب العالية والمراتب  السامية فعليك بالخضوع والذل إليه سبحانه وتعالى. ما أعظم هذه السورة وما أعظم أن نتدبرها لنشرف بها ونشرف بالعلم ونشرف بالقرب من الله عز وجل ونشرف بهذا الوحي العظيم الذي أنزله الله تعالى ليكون شرفاً لنا وعزاً لنا فلنقرأ هذه السورة أيها الإخوة قراءة متدبرة لنسير فيها مسيراً نصعد به في أمتنا وفي أنفسنا إلى علوٍ وسمو نسأل الله عز وجل أن يشرفنا بالقرآن والعلم وإلى اللقاء بإذن الله عز وجل في جلسة أخرى وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل