لنحيا بالقرآن - سورة الفاتحة - 1

برنامج لنحيا بالقرآن - سورة الفاتحة - 1

د. محمد بن عبد العزيز الخضيري - د. محمد الربيعة

(تفريغ موقع إسلاميات حصريًا)

د. الخضيري: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله القائل (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ (29) ص) والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد حياكم الله جميعاً في هذا المجلس المبارك من مجالس برنامجكم لنحيا بالقرآن، برنامج نتحدث فيه عن قضية مهمة، قضية يجب على كل مسلم ومسلمة أن ينتبه لها وهي تدبر القرآن. تدبر القرآن امتثالاً لأمر الله عز وجل في قوله (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24) محمد) وفي قول (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا (82) النساء) وكذلك في قول الله عز وجل التي افتتحت بها هذا البرنامج (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ (29) ص). أنزل الله هذا الكتاب من أجل أن يُتلى وأن يتدبر ليعمل به ليكون منهج حياة يحيا به المسلم وينطلق منه ويعود إليه ويتحاكم إليه ويعيش به حتى يسعد وينجو ويُفلح ويرى الخير في الدنيا وفي الآخرة. فالتدبر أمر عظيم أهمله المسلمون في العصور المتأخرة ولعل هذا هو أحد أسرار تخلفهم في هذا العصر لأنه عندهم كتاب عظيم لكنهم لا يعقلونه ولا يفهمونه ولا يخالط قلوبهم ويغير حياتهم. إن علينا أن نعيش مع القرآن وأن نهتم بالقرآن تدبراً وتذكراً واتعاظاً وعملاً. وهذا ما نريد أن نتحقق منه في هذا البرنامج المبارك ولكن بطريقة نرجو أن نوفق فيها إلى الحق والحكمة والصواب.

د. الربيعة: لا شك ولا ريب أننا نتفق على أهمية التدبر فهو الغاية الأولى التي أنزل الله تعالى من أجلها هذا القرآن ليدعونا ويبعثنا على الحياة به وهو الموصِل إلى العمل. ولذلك قد يسأل سائل كثيراً ما يُسأل هذا السؤال: ما هو التدبر الذي دعا الله تعالى إليه لئلا يكون هناك التباس بينه وبين التفسير وهو فهم المعنى؟ نقول أن التدبر حقيقة هو الوقوف مع كتاب الله عز وجل والتأمل والنظر فيه بقصد الانتفاع والإيمان والعلم والعمل، يون قصدك من قراءتك العمل، الامتثال، الإتباع الذي أمر الله سبحانه وتعالى به نبيه صلى الله عليه وسلم (اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ (106) الأنعام) ثم إذا وفقك الله لذلك فإنك ستجد بإذن الله تعالى أثر هذا القرآن على نفسك. ستجد حياة أخرى غير حياتك التي أنت فيها، لماذا؟ لأن قلبك عاش مع كتاب ربك ومع كلامه الذي مثله النبي صلى الله عليه وسلم بالربيع والربيع هو الجدول الذي فيه الماء يسقي تلك الحديقة في دعائه عليه الصلاة والسلام "أن تجعل القرآن ربيع قلبي" ما معنى ربيع قلوبنا؟ يعني غذاء لقلوبنا يدخل هذه القلوب وفيغذيها ويحييها فتُزهر وتصبح حديقة غنّاء من الإيمان بالله والأنس به سبحانه وتعالى وحتى الحياة العملية في السلوك والعمل وفي الصيام وفي التعامل بهذا القرآن ولهذا كان خُلُق النبي صلى الله عليه وسلم هذا القرآن.  

د. الخضيري: إذن نحن نقول أن التدبر هو أن يُقبل الإنسان بقلبه على القرآن وأن يفتح قلبه لكلام الله عز وجل وهذا ممكن لكل واحد منا. هناك فرق بين التدبر والتفسير، التفسير هو أن تفهم معنى الآية كما أراده الله سبحانه وتعالى وأن تصل إلى المراد منها أما التدبر فهو أن تفتح قلبك للقرآن لتنتفع به فقد تنتفع بجملة من الآية وقد تنتفع بختام الآية وقد تنتفع بفحوى الآية ومدلولها ولذلك التدبر يؤمر به كل أحد، يؤمر به الصغير والكبير والذكر والأنثى والأعرابي والحضري وغير ذلك كل هؤلاء يؤمرون بالتدبر أما التفسير فإنه يحتاج إلى عُدّة وإلى آلة وإلى كتب وإلى نظر فيما قاله الأقدمون. أما التدبر فهو أن تفتح قلبك للقرآن وأن لا تقرأ القرآن بلسانك وأن لا تستمع إلى القرآن بأذنك بل كما قال الله عز وجل (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37) ق)

د. الربيعة: من أجل ذلك أحببنا أن يكون لنا هذا البرنامج الذي أسأل الله عز وجل أن يرزقنا فيه الإخلاص والتوفيق والسداد وأن نعرض فيه منهجاً عملياً في ظل كتاب الله عز وجل نحيا مع آيات من كتاب الله. وأحب أن أبين أن هذا البرنامج سوف يكون في سور نقرأها كثيراً في صلاتنا خاصة ويحفظها صغار المسلمين وكبارهم وهي قصار السور من سورة الضحى إلى سورة الناس مع سورة الفاتحة التي هي مقدمة القرآن وفاتحته. فأحببنا أن نعيش مع هذه السور لنقرأها في الصلاة ونحن نستشعر معناها وحقيقة ما أراد الله تعالى منها ونعي مقاصدها لتحيا بها قلوبنا ولذلك كان عنوان هذا البرنامج (لنحيا بالقرآن) نسأل الله تبارك وتعالى أن يحيينا بكتابه عز وجل وأن يرزقنا وإياكم هذا الهدي الكريم.

د. الخضيري: لكن نحن المنهج الذي سنسير عليه ونحب أن نذكره ليس هو أن نأتي بدقائق الاستنباطات ولكننا سنري إخواننا المشاهدين أنه بإمكان أي واحد منهم أن يتدبر في مثل هذه السور الذي تفعله نحن. فعندما نأتي مثلاً إلى قول الله عز وجل (الحمد لله رب العالمين) نبيّن فضل الحمد وأنه ينبغي عليك أيها المسلم أن تحمد الله كثيراً على كل نعمة وأن تكثر من الحمد بعد كل أمر تعمله وترى أن حمد الله من أجل وأعظم العبادات.

د. الربيعة: وأن يستشعر المسلم قيمة الحمد لله عز وجل.

د. الخضيري: ولذلك أحب أن اذكر لإخواني بما أن وقت البرنامج هو ثلث ساعة وسنستعرض سور قصار المفصّل كلها لن نقف عند كل آية ولن نستطيع ذلك لكن سنختار من كل سورة موطنين أو ثلاثة وقد نصل إلى أربعة مواطن أو خمسة نستنبط منها عملاً حتى نحيا بالقرآن بالفعل. بمعنى أن نأخذ من السورة قضية أو قضيتين أو ثلاثة وأعطيكم مثالاً إذا وصلنا إلى سورة الماعون سنتحدث عن قول الله عز وجل (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1)) أثر التكذيب بالدين على حياة الإنسان وعلى أعماله الصالحة والفاسدة، سنتحدث عن إكرام اليتيم وحرمة إهانته، سنتحدث عن الحضّ على إطعام المساكين، سنتحدث عن خطر الرياء، سنتحدث عن خصلة عظيمة جداً سيئة وقع فيها المشركون وتحدث القرآن عنها وهي منع الماعون، نقول أيها المسلم إياك أن تمنع الماعون وإياك إذا استعار منك أخوك المسلم شيئاً أن تمنعه إياه إذا كان فائضاً عن حاجتك! إلى آخر ما هنالك وهذا هو مقصودنا، لا أنت نتحدث عن الغريب ولا عن المعاني التفصيلية أو الدقائق التي يستنبطها العلماء من الآيات حتى نقول لكم جميعاً أيها المشاهدون هذا القرآن بين أيدينا إنه منهج حياة وينبغي أن نعود إليه ونعلم أنه من أيسر الأشياء أن نعود إليه وأن نستفيد منه كما قال الله عز وجل (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ)

د. الربيعة: لعلك شوقتنا يا دكتور محمد للبدء بهذا البرنامج.

د. الخضيري: لعلك تبدأ بالاستعاذة.

د. الربيعة: لا شك أن الله عز وجل أمرنا حينما نقرأ كتابه بالاستعاذة به من الشيطان الرجيم لأنه هو الذي يصرفنا عن هذا القرآن الذي به حياتنا ولا شك أن الشيطان لا يريد حياتنا حقيقة وكما قال تعالى (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) النحل) فالمسلم وهو يريد أن يقرأ القرآن ينبغي أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ويستحضر أن خلفه عدو يتربص به يصرفه عن هذا القرآن.

د. الخضيري: بل إنه لا يشتد حزنه ولا يتألم في حال مثلما يتألم إذا رأى المسلم أقبل على القرآن.

د. الربيعة: ولذلك يلحظ أحدنا وهو يقرأ القرآن يأتيه الشيطان يذكّره ببعض أعماله الدنيوية، نسيت الإتصال على فلان، أو يملله لكي يغلق المصحف لأن هذا القرآن هو عدوه الأول، هو يُفسد وهذا القرآن هو المُصلِح الأول.

د. الخضيري: ولذلك سنلاحظ في آخر سورة وهي سورة الناس أن الله عز وجل بين أن الشيطان وسواساً خناساً، متى يوسوس ومتى يخنس؟ يوسوس إذا غفلت عن ذكر الله وبعدت عن ذكر الله ويخنس يعني يهرب ويشتد هربه عندما تقبل على الله وتذكر الله سبحانه وتعالى. فدواء إبليس وعدوه الأول الذي لا يمكن أن يجتمع معه هو ذِكر الله وذكر الله أعلاه تلاوة القرآن. ولهذا نقول لماذا شُرعت الاستعاذة في بداية القرآءة؟ لأن الشيطان حريص على صرف الإنسان عن القرآءة.

د. الربيعة: لكن هل الاستعاذة مشروعة عند كل قرآءة؟ يقرأ الإنسان ثم يكون هناك مجلس يقرأ كل أحد فهل مشروعية الاستعاذة لكل أحد أو لأول ما يُقرأ القرآن في أول مجلس؟

د. الخضيري: الذي يظهر لي والله أعلم أن قرآءة الأول واستعاذة الأول هي استعاذة للجميع. كما أن الإنسان إذا دخل في القرآءة فاستعاذ ثم أراد أن ينتقل إلى سورة جديدة أو مقطع آخر يقرأ منه فإنه لا يحتاج إلى استعاذة جديدة ما دام في نفس المجلس أما إذا انقطع المجلس وانقطعت التلاوة تماماً وأراد أن يعود إليها مرة أخرى فإنه يستعيذ.

د. الربيعة: لو وقفنا وقفات بسيطة مع جُمل هذه الاستعاذة؟ ما هو العوذ؟

د. الخضيري: هو الإلتجاء والاعتصام بجناب الله عز وجل، أنا ألتجيء بجناب الله وعظمته من أن يدخل عليّ الشيطان.

د. الربيعة: ونعم بالله، إستعانة بعظيم.

د. الخضيري: ولاحظ أنها جاءت بالجملة الفعلية يعني أنا استعيذ مرة بعد أخرى فأنا بحاجة إلى مدد من الله سبحانه وتعالى دائماً وابداً لأن الصراع مع الشيطان باقي ودائم ومستمر إلى أن تغرغر الروح وتفارق هذا البدن.

د. الربيعة: الشيطان هل معناه له دلالة بما يوسوس له ويوصف به وعمله؟

د. الخضيري: الشيطان يقول العلماء أنه مأخوذ من شطن أي بعُد فلبعده عن ذكر الله عز وجل وعن طاعته فإنه سمي شيطاناً. وسُمّي رجيماً أيضاً لأنه مبعد ومطرود من رحمة الله سبحانه وتعالى. ولا يختصر ذلك على الشيطان المعروف الذي هو أبو الجنّ بل كل من سلك سبيله وسار في دربه وصار مناوئاً لدعوات الرسل وعدواً لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم فهو شيطان وهو رجيم. حتى الكُتاب الذين يكتبون ويشككون الناس في كتاب الله عز وجل هم شياطين نعوذ بالله منهم ومن شرهم ومن وسوستهم.

د. الربيعة: ولذلك لم يقل أعوذ بالله من غبليس وإنما أعوذ بالله من الشيطان لأنها أعم. لعلنا ندلف إلى البسملة.

د. الخضيري: البسملة عظيمة وينبغي أن نقف عندها لأنها هي حقيقة الإستعانة بالله جل وعلا. الباء في البسملة هي الاستعانة. فمعنى ذلك أنك إذا قلت بسم الله كأنك تقول أستعين باسم الله وهذا يدلك على أن المسلم لا يستقل بشيء ولا يستطيع أن يقوم بشيء إلا أن يعينه الله سبحانه وتعالى عليه فهو يعلم أنه مفتقر إلى الله في كل شيء ويعلم أنه لا يستطيع أن يقوم بشيء إلا إذا أعانه الله عليه. ولذلك المسلم كلما بدأ بعمل يقول بسم الله، إذا أكل قال بسم الله، إذا ذبح قال بسم الله، إذا خرج قال بسم الله، إذا نام قال بسم الله، إذا دخل المسجد قال بسم الله، هذا يعني أن بسم الله منهج حياة يعني أني أستعين بالله على كل أموري لا أتصرف في شيء حتى أُعلن لله أني أطلب العون منه، هذا معنى بسم الله هي توحيد بل هي حقيقة التوحيد في الاستعانة بالله وإظهار الافتقار التام له سبحانه وتعالى.

د. الربيعة: ولعل دليلها قوله (إياك نعبد وإياك نستعين) العبادة لا تكون إلا بالاستعانة بالله ولذلك في الدعاء الذي أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" لا سبيل لك للعبادة الحقة إلا بعون الله

إذا لم يكن عونٌ من الله للفتى       فكل ما يجني عليه اجتهاده

د. الخضيري: وبهذه المناسبة نلاحظ أنه إذا نادى المنادي للصلاة فقال حيّ على الصلاة نقول لا حول ولا قوة إلا بالله يعني أننا نستعين بالله في أن يقوينا، في أن يعطينا القوة على إقامة هذه الصلاة. لعل هذه الإلماحة عن البسملة تعطينا جميعاً أهمية هذه البسملة ولكن أحب أن أبيّن أن البسملة إنما تقال في افتتاحية السورة وليس في افتتاحية القرآءة يعني لو قرأت سورة البقرة من وسطها – لا شك أن بعض أهل العلم يرون أن تقرأ البسملة – لكن الذي يظهر والله أعلم أن البسملة تُقرأ حيث كُتبت متى مررت بها في أول السورة تقرأها وإذا كنت تقرأ في وسط السورة وبدأت من وسط السورة فإنك تقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وتبدأ قرآءة الآيات.

د. الربيعة: الإستعاذة في أول السورة وفي وسطها وفي آخرها وفي أي مكان في أول القرآءة.

 

د. الخضيري: أما البسملة فتكون في أول السورة. وبهذا نكون قد أعطيناكم لمحة عن حقيقة هذا البرنامج وأهمية التدبر وما هي المعالم العامة والواضحة لفكرة هذا البرنامج وافتتحنا بالحديث عن الاستعاذة وعن البسملة. نسال الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا في بقية حلقات هذا البرنامج إلى أن نصل إلى مرادنا وأن نفتح قلوبنا وقلوبكم لهذا القرآن العظيم وهذا الوحي الإلهي الكريم. أسال الله أن ينفعنا وإياكم بكلامه وأن يجعلنا من يستمعون القول فيتبعون أحسنه وإلى لقاء قادم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل