لنحيا بالقرآن - سورة الفاتحة- 2

برنامج لنحيا بالقرآن - سورة الفاتحة- 2

د. محمد بن عبد العزيز الخضيري - د. محمد الربيعة

(تفريغ موقع إسلاميات حصريًا)

د. محمد الربيعة: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فحياكم الله أيها الأخوة الفضلاء في هذا المجلس الثاني (لنحيا بالقرآن) هذا المجلس سنتحدث فيه عن سورة عظيمة في كتاب الله تعالى ونفتتح بها وهي أعظم سورة من كتاب الله تعالى وما أحرانا أن نقف معها وقفات، وهذه السورة هي سورة الفاتحة. سورة الفاتحة تأملوا كيف جاءت في بداية المصحف افتتح الله تعالى بها الكتاب وتأملوا كيف أن الله عز وجل شرع لنا قراءتها في اليوم أكثر من 17 مرة في الفرائض وأكثر من ثلاثين مرة فرضاً ونفلاً، شيء يدعو إلى التساؤل ما هي الحكمة وما هو السر من تكرار هذه السورة العظيمة في اليوم والليلة أكثر من ثلاثين مرة؟

د. محمد الخضيري: لأنها أعظم سورة في القرآن ولأنها تضمنت المعاني الجليلة التي يدور عليها الدين

د. الربيعة: ولأنها أيضاً ربما نستكيع أن نختصرها في مقصدها أنها تحقيق العبودية لله عز وجل إنها تدعو المسلم إلى تحقيق عبودية الله عز وجل، إنها تعرّف المسلم بربه وتعرف المسلم بحقيقته في هذه الحياة ولماذا خُلِق وتعرّف المسلم بالطريق التي يسلك به هذه العبادة. إنها سورة يحتاجها المسلم في حياته كلها، يحتاجها المسلم ليجدد عبوديته لله ويحققها في كل يوم من أيامه وفي كل وقت من أوقاته. بل في كل لحظة أنت بحاجة لأن تجدد العبودية لله لأنك ما خلقت إلا لأجلها (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) الذاريات) إذن نستطيع أن نقول أن هذه السورة هي سورة العبودية التي يحتاجها المسلم في حياته كلها إنها سورة تعرفك برسالتك في هذه الحياة.

د. الخضيري: تعرفك بربك وتعرفك بنفسك من أنت بين يدي الله ومن هو الله بالنسبة لك؟

د. الربيعة: لو قرأنا هذه السورة بهذا المعنى أنها تجدد عبوديتك لله حقيقة لوجدنا تجديدها في نفوسنا ووجدنا أثرها في أنفسنا حينما نقرأها في الصلاة يجب وينبغي أن نستشعر هذا المعنى العظيم أنها تحيي قلوبنا وتصلها بربنا وتحقق لنا العبودية لله سبحانه وتعالى. مقاصد هذه السورة كثيرة ومن مقاصدها أنها اشتملت على مقاصد القرآن كله وهو التوحيد الجامع لهذا الشرع الحكيم. ولذلك سميت باسماء كثيرة أكثر من عشرين اسماً الفاتحة والشافية والأساس والواقية والحمد، لماذا؟ يقول العلماء أن تكرار اسم السورة دليل على شرفها وتعدد أغراضها فهذه السورة لها أغراض كثيرة هي أساس المسلم هي وقاية للمسلم وهي شفاء للمسلم وهي تعريف للمسلم بربه عز وجل. لعلنا بعد هذه المقدمة ندلف إلى آياتها.

د. الخضيري: نأخذ الآية الأولى وهي قول الله عز وجل (الحمد لله رب العالمين) ونحن قد حددنا منهجنا في هذا البرنامج أن لا نخوض في نفسير الآية وتحليل الألفاظ كما هو موجود في برامج التفسير نحن نريد أن نقول لإخواننا المشاهدين دعونا نجعل هذه الايات حية في واقعنا عندما نقرأ آية نفرك كيف نطبق هذه الاية في حياتنا وكيف نعمل بها؟ هذا هو المقصود الأعظم. وقد يقول كثير من الناس أنا اِقرأ القرآن لأجل الثواب، لأجل تحصيل الحسنات، نقول هذا مقصد طيب ولكنه ليس كافياً في تحقيق الهداية. فالهداية تختاج إلى أن تأتي إلى عالم القرآن وأنت تطلب الهداية، تطلب العمل، تريد أن تعيش بالقرآن، تريد أن تحل مشاكلك بكتاب الله عز وجل وكلامه، فأنت تتلقى الأعمال والأوامر مثل الجندي في ساحة المعركة تأتيه الأوامر فينفذ كذلك هذه أوامر من الله عز وجل لي ولك ولكل مسلم ومسلمة من حين ما تأتي الآية يعلم أن فيها أمراً ولها هد  ويجب على المسلم تجاهها عدد من الأشياء. فمثلاً (الحمد لله رب العالمين) أنا سأذكر شيئاً وستبقى أشياء لكم أيها المشاهدون والدكتور محمد يشير إلى بعض منها أيضاً. (الحمد لله رب العالمين) تذكرني بأهمية الحمد كيف افتتح الله كتابه بقوله (الحمد لله رب العالمين) إحمد الله على نعمة الإسلام، إحمد الله على نعمة الصحة، إحمد الله على نعمة اللغة، إحمد الله على نعمة الأمن، إحمد الله على نعمة اللباس، إحمد الله على نعمة الأذنين والفستين واللسان والجبهة والعينين والرأس، إحمد الله على نعمة الولد، على نعمة الزوجة، على نعمة الوطن، على نعمة السكن، على نعمة النسب، إذن الحمد من أشرف الأشياء وحمدك لله عز وجل دليل على عبوديتك لله جل وعلا وعلى اعترافك بفقرك لله جل وعلا

د. الربيعة: ما هو الحمد؟

د. الخضيري: إذا ذكر الإنسان ربه سبحانه وتعالى  بصفات الجلال والكمال والجمال وهو يحبه ويعظمه فقد حمده. فمن ذكر ربه سبحانه وتعالى بصفاته واسمائه الحسنى وهو محب له ومعظم فهو حامد لله.

د. الربيعة: إذن هو الثناء بالكمال أو وصف الله تعالى بالكمال المطلق.

د. الخضيري: ويمكن أن يشار إليه بمثل هذا التعبير. فنقول عندما ينعم الله عليك بنعمة تحمد الله، عندما تذكر الله سبحانه وتعالى وتتأمل في اسمائه وعظمته وجلاله وكماله ونعوت جماله فتحمد الله هذا هو حقيقة الحمد ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم "والحمد لله تملأ الميزان" لماذا؟ لأنك إذا قلتها كأنما ذكرت اسماء الله الحسنى جميعاً واعترفت لله بأنه هو صاحب الفضل والكمال والجمال والجلال سبحانه وتعالى.

د. الربيعة: يقولون الحمد ذكر وشكر، أنت هنا تذكر الله وتشكره وأفضل الدعاء (الحمد لله)

د. الخضيري: ولذلك نقول لإخواننا دائماً وأبداً إحمدوا الله، إذا بلغتم رمضان إحمدوا الله، إذا جاء العيد إحمدوا الله، إذا جاء الحج إحمدوا الله، إذا ذبحتم اضاحيكم إحمدوا الله، إذا أكلتم إحمدوا الله، إذا لبستم إحمدوا الله، إذا قمتم ونمتم إحمدوا الله.

د. الربيعة: وكثيراً ما أقف عند قوله :إن الله يحب من عبده إذا أكل الأكلة أو اللقمة فيحمده عليها.

د. الخضيري: إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها.

د. الربيعة: لقمة لا تساوي عندك شيء أيها الإنسان وهي ليست شيئاً في ما عند الله ومع ذلك يحب الله ويرضى من عبده إذا أكل اللقمة أن يحمده عليها فكيف بنا بالنعم العظيمة التي منحنا الله تعالى إياها وأعظمها نعمة الإسلام ونعمة القرآن ونعمة الشرف بولاية الله عز وجل وأن نكون من المؤمنين هذه تستحق الحمد منا ليل نهار. ولذلك أقول الحمد مما يزيد الإنسان قرباً وحباً لربه ولطاعته لأنك كلما تذكر شيئاً وتكثر من ذكره تتقرب إليه أكثر والحمد يملأ قلبك سروراً ويملأ قلبك رضى بربك. ولله المثل الأعلى لو جاءك اِبن الصغير فتعطيه هدية فيثني عليك ويقول لك أنا أحمد الله أنك والدي ستسر سروراً كثيراً والله سبحانه وتعالى يحب الحمد لنفسه وهو أهل الحمد بل هو الحمد سبحانه وتعالى فما أحرانا أن نكثر الحمد لله عز وجل.

د. الخضيري: ولذلك علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم إذا انتهينا من الطعام أن نقول الحمد لله الذي أطعمنا هذا الطعام ورزقناه من غير حول منا ولا قوة، هذا حمد لله عز وجل.

د. الربيعة: ومقام الحمد مقام عظيم أعظم مقام أقامه الرسول صلى الله عليه وسلم هو مقام الحمد في مقام الشفاعة عندما يأتي ويسجد تحت العرش فلا يدعو وإنما يحمد الله عز وجل فيفتح الله له من المحامد بما لم يفتح عليه من قبل ويقال له إرفع رأسك وسل تعطى واشفع تشفّع، إذن أنت ايها المسلم عندما تحمد الله على هذه النعمة فإنك ستزاد منها ويعطيك الله فضلها.

د. الخضيري: لعلنا ننتقل إلى قوله تعالى (الرحمن الرحيم)

د. الربيعة: الرحمن الرحيم حينما تتأمل الآيات الأربع الأولى فهي مشتملة على أعظم الصفات لله عز وجل صفة الألوهية والربوبية والرحمة والمُلك يقول إبن القيم رحمه الله أن هذه الصفات هي أصول صفات الله واسمائه، جميع صفات الله ترجع إلى هذه الصفات الأربعة.

د. الخصيري: ولذلك افتتح بها القرآن واختتم بها القرآن في سورة الناس قال الله عز وجل (قل أعوذ رب الناس ملك الناس إله الناس)؟

د. الربيعة: وصف الرحمة وصف عظيم فما نحن فيه من هذه النعم هو من رحمة الله بنا ومن أعظم الرحمة بنا هدايته لنا إلى دينه، وإنزال هذا الكتاب علينا ومن أعظم رحمته بنا عز وجل لطفه بنا ومن أعظم رحمته بنا أن لا يؤاخذنا بذنوبنا

د. الخضيري: بل يجب أن نأخذ من هذه الرحمة الإلهية أن نكون نحن رحماء ونستفيد من ذلك أن نعزز قيمة الرحمة في حياتنا فنرحم زوجاتنا وأولادنا وطلابنا ومرؤوسينا وآباءنا وأمهاتنا ومن حولنا.

د. الربيعة: إرحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء 

د. الخضيري: ولما جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام رجل فرآه يقبل واحداً من الأطفال فقال أوتقبل الأطفال؟ إن لي عشرة من الولد لم اقبل واحداً منهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم أوأملك أن نزع الله الرحمة من قلبك. قيمة عظيمة من قيم هذه الدين أمر الله عز وجل بها وجعلها رمزاً من رموز الأنبياء ومعلماً عظيماً من معالم دينه أن هذا الدين نزل بالرحمة (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (107) الأنبياء) فرسول الله لا يمكن إلا أن يامر بما هو رحمة ولا يمكن أن يدل إلا على ما هو رحمة وإن بدا لنا أن هناك شيء من المشقة فإن عاقبته الرحمة وعلينا أن ننتبه لذلك ولذلك يجب علينا أن نتراحم وأن يوصي بعضنا بعضاً بالرحمة كما قال عز وجل (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ﴿١١﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ﴿١٢﴾ فَكُّ رَقَبَةٍ ﴿١٣﴾ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ﴿١٤﴾ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ﴿١٥﴾ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ﴿١٦﴾ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ﴿١٧﴾ البلد) كل واحد منا يوصي صاحبه لأن يرحم

د. الربيعة: والله نحن بحاجة لهذا في الوقت الذي نعيش فيه المسلمين الآن والكثير من الحاجة والفقر والأحداث والمحن نحن بحاجة إلى أن نتراحم

د. الخضيري: ولذلك قال الله تعالى معاتباً المشركين وذاماً لهم (وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18) الفجر) لأنهم لا يحض بعضهم بعضاً على إطعام المساكين ورحمتهم.

د. الربيعة: بعد هذه الآية يقول الله عز وجل (مالك يوم الدين) هل يمكن أن نربط مناسبة بين الآيتين؟

د. الخضيري: الذي يظهر لي والله أعلم أن الآية الأولى فيها جانب الترغيب وهذه الآية فيها جانب الترهيب والمؤمن لا يمكن أن يستقيم على طاعة الله حتى يُرغّب ويُرهّب فكأنهما جناحان للإنسان كجناحي الطائر، ترغب بالله وتخاف من عذاب الله ولذلك قال (يوم الدين) أي مالك يوم الجزاء والحساب وهو الله سبحانه وتعالى

د. الربيعة: خص الملك بيوم الدين لم يقل مالك السماء أو الدنيا والآخرة؟

د. الخضيري: لأن المُلك في ذلك اليوم ينفرد به الله ولا يدعيه أحد سوى الله (لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (16) غافر) فيكون الملك لله جل وعلا وهو المهيمن وهو القاهر الجبار وجميع من في الأرض وجميع الخلق ضعفاء بين يدي الله عز وجل

د. الربيعة: هل نلمس في (مالك يوم الدين) بدلاً من مالك يوم القيامة ماذا تعطي من معنى؟

د. الخضيري: لعلها والله أعلم أن الدين بمعنى الجزاء والحساب فكل ما تعمله سوف تجزى عليه وكل ما تقوم به وتقدمه في الحياة ستلقى جزاءه عند الله سبحانه وتعالى. لعلنا نقف عند هذا الحد إن شاء الله.

د. الربيعة: هذه السورة العظيمة تحتاج إلى جلسات، لعلنا نكمل في الحلقة القادمة.

 

د. الخضيري: نسال الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم وأن ينفعنا بكتابه وكلامه وأن يجعلنا من المتدبرين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل