لنحيا بالقرآن - سورة الفاتحة-3

برنامج لنحيا بالقرآن - سورة الفاتحة-3

د. محمد بن عبد العزيز الخضيري - د. محمد الربيعة

(تفريغ موقع إسلاميات حصريًا)

د. الربيعة: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فحياكم الله أيها الإخوة والأخوات في برنامجنا هذا البرنامج القرآني (لنحيا بالقرآن) وهذه الحلقة نتفيؤ بها ونتمم فيها حديثنا عن أعظم سورة من كتاب الله عز وجل وهي سورة الفاتحة. وقد تحدثنا عن أول هذه السورة ولعلنا نبين ونذكر بمقصد هذه السورة. هذه السورة العظيمة سورة الفاتحة التي افتتح الله بها كتابه لو تأملناها حقاً لوجدنا أنها تحمل غرضاً عظيماً يتضمن مقصد القرآن كله وهو تحقيق العبودية لله عز وجل ولذلك سماها الله عز وجل السبع المثاني والقرآن العظيم في بعض أقوال العلماء في ذلك. وتضمنت هذه السورة مقاصد القرآن كله لأنه لو رأينا القرآن كله لوجدنا أنه كله خطوط وخيوط تربط المسلم بتحقيق عبوديته لله عز وجل التحقيق الكامل.

د. الخضيري: واليوم سنتحدث بإذن الله عز وجل عن (إياك نعبد وإياك نستعين)

د. الربيعة: عن آية عظيمة فيها هي سرها وهي مجمعها

د. الخضيري: وهي سر القرآن كله لأن القرآن كله دائر على أمرين إما إخلاص العبادة لله وإما تحقيق الاستعانة بالله، حياتك ايها المسلم، مسيرتك إلى الله عز وجل دائرة على هذين الميزانيين أن تحقق العبودية لله فلا تعبد إلا الله وأن لا تستعين في أمورك كلها إلا بالله عز وجل  فتجعل ربك سبحانه وتعالى هو عونك في كل أمر وتفتقر إلى الله في كل شيء.

د. الربيعة: أذكر من اقوال العلماء في هذه الآية وفضلها ما ذكره شيخ الإسلام إبن تيمية رحمه الله تعالى وقد ورد هذا عن بعض السلف أن الله عز وجل جمع الكتب في أربعة كتب الزبور والقرآن والتوراة والإنجيل وجمع الأربعة كتب في القرآن وجمع القرآن في الفاتحة وجمع الفاتحة في إياك نعبد وإياك نستعين.

د. الخضيري: هذه وردت عن الحسن البصري رحمه الله وبيّن هذا المعنى وهذا من فقهه رحمه الله فإن من يتأمل خلاصة القرآن ويتأمل خلاصة هذا الدين يجد أنها متحققة في هذه الكلمات الأربعة (إياك نعبد وإياك نستعين) يعني لا نعبد إلا إياك يا الله ولا نستعين إلا بك يا الله، فإذا تحقق المسلم منهما فقد حقق التوحيد على أجلى صوره وأجملها.

د. الربيعة: ولهذا أقول أن قرآءة هذه الآية وإعادتها وتكرارها مما يجدد ويحقق معنى العبودية لله عز وجل في نفس الإنسان خاصة إذا تأمل فيها حق التأمل وتدبرها حق التدبر. ولعلنا نبحر فيها قليلاً في بعض معانيها أو بعض هدايتها وظلالها ولن نستطيع أن نحصي ذلك لكن لنقف معها وقفات عملية تطبيقية.

د. الخضيري: لعلي أفتتح ذلك بشيء شامل ذكره إبن القيم رحمه الله تعالى فقال أصناف الناس في إياك نعبد وإياك نستعين أربعة: الصنف الأول من حققوا العبودية على أتم وجوهها وأكملها وحققوا الاستعانة بالله فهم لا يعبدون إلا الله ولا يستعينون إلا بالله وهؤلاء هم أعلى الخلق وأجلّ الخلق وهم الأنبياء والرسل والصديقون والصالحون من عباد الله والكُمّل من أولياء الله هؤلاء حققوا هذين الركنين وقاموا بهما على أتم الوجوه وأكملها نسأل الله أن يجعلنا منهم. الثاني من هم ضد هؤلاء من لا عبودية ولا استعانة (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44) الفرقان) فلا يعبدون الله ولا يستعينون بالله عز وجل وهؤلاء هم شر الخلق نسأل الله العافية والسلامة. والصنف الثالث هم من يعبدون ولا يستعينون كيف ذلك؟ تجد همته وقلبه مصرف إلى عبادة الله لكنه ينسى أن يستعين بالله تمر به الحاجة فلا يلتجئ إلى الله، يريد أن يقوم بالعبادة فلا ينصرف إلى الله عز وجل ويسأل الله أن يعينه على تلك العبادة، تقع به النكبة أو المصيبة فتجده فكر فيمن ينقذه منها ويبحث في ذهنه عن إنسان يشفع له أو يعينه على هذه المصيبة لأنه لا يستحضر معونة الله له في حياته فهو لا يتحقق من قوله إياك نعبد وإياك نستعين على قوله إياك نستعين. والعجيب أن إبن القيم رحمه الله تعالى قال وهذه كثيرة في الصالحين كثيرة في العُبّاد أنهم ينشغلون بتحقيق العبودية بمعنى أن الواحد تجده يتهجد ويصلي ويصوم ويتصدق ويذكر الله عز وجل ولكنه ينسى أن يستعين بالله عز وجل لى على عبادته، تجده وهو يستعد لقيام الليل يضع الساعة على الثانية ليلاً ويجتهد أن ينام لطريقة معينة ويهيئ الأسباب لقيام الليل لكنه لا يقول يا رب أعني على أن أقوم يا رب أعني على أن أخشع في صلاتي، يا رب أعني على أن تقبل مني صلاتين يا رب أعني على أن أفهم هذا القرآن، يا رب أعني على أن أكون معك في عبادتي، يا رب اجعل هذه الصلاة أحب شيء إلي وقرة عيني كما كانت قرة عين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه حقيقة هي العبودية مع الاستعانة. والصنف الرابع هم من يستعينون ولا يعبدون أولئك الذين لا يعبدون الله عز وجل لا يقومون بالفرائض ولا يؤدون الواجبات بل ويرتكبون المحرمات لكنهم يشعرون أنهم لا يستطيعون الوصول إلى حاجاتهم إلا بالله فتجده كلما وقعت مصيبة يقول يا رب واستعان بالله حتى أنه يستعين بالله على الحرام فتجده مثلاً لو يريد أن يسرق بيتاً تجده يقول يا رب، هو يستعين لكن أين هو من العبادة؟! هذا ليس عابداً وهذا كثير في اللصوص وكثير فيمن عنده أصل التوحيد توحيد الربوبية لكن ليس عنده عبادة ولا شرع يقوم به. بل ويقع في المشركين كانوا إذا اشتد بهم الضر التجأوا لله عز وجل.

د. الربيعة: ولهذا قرن الله سبحانه وتعالى العبادة بالاستعانة وأنها لا تأتي إلا بإذن الله تعالى. ومواصلة للحديث في أمر العبادة وشأنها في الإنسان هي الغاية التي خُلِق من أجلها.

د. الخضيري: لكن ما هي العبادة؟

د. الربيعة: العبادة كما بينها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.

د. الخضيري: يعني ليست هي الصلاة والزكاة والحج فقط

د. الربيعة: بل هي كل ما يحبه الله.

د. الخضيري: بر الوالدين عبادة، صلة الرحم عبادة، الإنفاق على الأولاد عبادة، طلب الكسب الطيب يكون عبادة، النوم من أجل الاستيقاظ للصلاة والاستعانة على الأمور المباحة التي أباحها الله يعتبر عبادة أيضاً.

د. الربيعة: إذن يستطيع الإنسان أن يسأل نفسه وهو هل هذا العمل يحبه الله؟ هل هذا العمل يرضي الله؟ سيفتيه قلبه لأن قلبه على الفطرة فسيقول هذا من العمل الذي يحبه الله ويرضاه فيستعين بالله تعالى ويفعله فالعبادة هي حياتنا كلها في صلاتنا وزكاتنا وبرنا وفي نومنا وأكلنا وشربنا وذهابنا وإيابنا (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) الأنعام) من الذي يستشعر عبودية الله في حياته كلها فيوقف حياته كلها لله؟!

د. الخضيري: ولذلك ينبغي أن نعلم أن الفرق بين كثير من العابدين وكثير من الغافلين هو في أنهم يستحضرون أنهم يتعبدون لله يعني الفرق في استحضار النية. العابد يأكل والغافل يأكل ولكن العابد ينوي بهذا الأكل ليس اللذة فقط وإنما التقوي على عبادة الله، التقوي على صلى الرحم، التقوي على طلب العلم، التقوي على الكسب الحلال وأما الغافل فيأكل لأجل اللذة ياكل من هذا ومن هذا وهذا، هذا أكل وهذا أكل نفس الطعام على نفس المائدة هذا أُجر وهذا لم يؤجر، لا نقول أثِم وإنما نقول لم يؤجر ففاته حظه من العبادة.

د. الربيعة: يعني لا يجد الإنسان أجره إلا بما استحضره من النية

د. الخضيري: قال النبي صلى الله عليه وسلم "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى"

د. الربيعة: كنت قبل قليل مع أحد المصورين معنا وقلت له أنت الآن تعمل في قناة الخليجية المباركة فمع أنك تعمل وتأخذ مبلغاً من المال وأجراً دنيواً لكنك تعمل في خدمة للإسلام لو استحضرت هذه النية فإن هذا عمل عظيم

د. الخضيري: وتؤجر كما يؤجر أولئك الذين بذلوا أموالهم وقدموا أنفسهم أو تكلموا في هذا البرنامج وبهذا تكون قد خدمت نفسك ودينك

د. الربيعة: ولهذا نقول كل إنسان في أي مجال من مجالات الخير الت يخدم بها دين الله فهو على أجر عظيم باستحضار النية سواء كان في مجال حتى في علم الرياضيات وعلم الكيمياء كم من علماء المسلمين الذين صعدوا فكان لهم شأن في هذه العلوم. نحن المسلمون أكرمنا الله عز وجل بأن جعلنا بهذه النية الصالحة نبلغ عبادته رضى. لو أننا نتأمل هذه الآية الكريمة العظيمة (إياك نعبد) قوله غياك نعبد ولم يقل نعبدك ونستعين بك هل نلمس منها معنى معيناً يستحضره الإنسان وهو يقرأ هذه الآية؟

د. الخضيري: (إياك نعبد) العلماء يقولون أن فيها قاعدة حتى يستحضرها المشاهدون وهو أنه في العربية إذا قُدِّم شيء عن مكانه فإن ذلك له دلالة قال العلماء تقديم ما حقه التأخير يدل على الحصر معناه أن هذه يُشعر بالحصر فقوله إياك أصلها نعبدك فقدمت الكاف مع إيا فصارت إياك نعبد هذا التقديم لما حقه التأخير يدل على الحصر يعني معنى قوله إياك نعبد لا نعبد إلا أنت. ولذلك فسرها بعض السلف تفسيراً عجيباً وأنا أتوقع أن بعض الإخوة المشاهدين قرأ في كتب التفسير أن إياك نعبد أي لا إله إلا الله لماذا؟ لأنها بمعنى لا إله إلا الله تماماً. هي إياك نعبد بمعنى لا إله إلا الله. هذا يدعونا إلى أن نتحقق من توحيدنا لله عز وجل في كل أمر من أمورنا، لا نصلي إلا لله، لا نتصدق إلا لله، لا نعتكف إلا لله، لا نتكلم إلا طلباً لما عند الله، وهو من أخطر الأمور لأن الشيطان يأتي إليك والنفس تحدثك والإعجاب يطرأ على قلبك فينبغي لك أن تستحضر عبوديتك لله في كل شيء وأنه لا دافع لك ولا باعث لك على العمل إلا إرادة الله عز وجل.

د. الربيعة: لعلنا نأخذ في الاية (إياك نعبد) لماذا قال إياك نعبد ولم يقل إياك أعبد؟ ماذا يستحضره المسلم وهو يقول إياك نعبد؟

د. الخضيري: الذي يظهر لي أن كلمة إياك نعبد أولاً يستحضر الإنسان أنه مع جماعة المسلمين فلا ينفرد عنهم وثانياً ويستحضر التواضع بين يدي الله بمعنى أن الإنسان إذا ذكر أنه يعبد الله مع الناس ليس فيها من الإعتداد بالنفس كما لو أنه يذكر أنه يعبد الله سبحانه وتعالى وحده

د. الربيعة: كأنه يقول أنا يا ربي من جملة عبادك

د. الخضيري: وأنا مسكين لا يمكن أن أكون عابداً على وجه حقيقي

د. الربيعة: كما قال الشاعر

أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة

ومعنى آخر أن هذا الدين دين الإسلام دين جماعة فكأنك تقول نحن يا رب أمة الإسلام نعبدك حق عبادتك بل إنك تستشعر أن جميع الخلق من في السموات ومن في الأرض هم في عبودية لله عز وجل فإنك بذلك تعترف أعظم إعتراف لا تقل فقط أنا أعبدك يا رب بل إن جميع الخلق حقّ لهم أن يعبدوك وحدك لا شريك لك. لأن الله عز وجل إتصف بالكمال المطلق الذي ذكره الله تعالى في بداية السورة فلما استحق الكمال المطلق بحمد وربوبيته ورحمته وملكه إعترف المسلم لله عز وجل بالعبودية المطلقة له سبحانه وتعالى من جميع الخلق. نختم بـ (إياك نستعين) فلماذا قال نستعين مع أن العبادة مستملة بالاستعانة؟

د. الخضيري: لأن الإنسان لا يستطيع أن يقوم بالعبادة إلا عندما يستعين بالله سبحانه وتعالى. وهنا مسألة قد يسالها إنسان يفكر تفكيراً عميقاً فيقول إن العبادة لا تكون إلا بعد الإستعانة فلماذا قُدمت العبادة على الإستعانة؟ فنقول والله أعلم سر ذلك أن العبادة لله وتحقيقها حق لله تعالى والاستعانة حظ للمخلوق فقدم حق الله على حظ المخلوق هذا أمر وثانياً أن السورة من أولها إلى هذه النقطة (إياك نعبد) هي لله والسورة من قوله وإياك نستعين إلى قوله (ولا الضالين) هي للمخلوق، هي للعبد. كما قال في الحديث "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين". فجُعل إياك نستعين مع حظ العبد وإياك نعبد مع حق الله لتكون السورة بذلك مقسومة نصفين ثلاث آيات ونصف لله وثلاث آيات ونصف للعبد.

 

د. الربيعة: بمعنى أن تقديم العبادة هنا هو أولاً من باب تقديم حق الله عز وجل ومن باب أن العبادة هي الأصل والاستعانة وسيلة لها. هذه الآية العظيمة آية تحتاج منا لتدبر وتأمل لا نشبع منها ولذلك نحتاج لأن نتروى من هذه الآية ومن جميع آيات كتاب الله وهذه السورة العظيمة سورة الفاتحة فما أحرانا أن نعيشها علماً ومعرفة وعملاً وتطبيقاً. لنا بإذن الله عز وجل معكم لقاء في تمام السورة في جلسة أخرى نلقاكم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل