لنحيا بالقرآن - سورة الفاتحة-4

برنامج لنحيا بالقرآن - سورة الفاتحة-4

د. محمد بن عبد العزيز الخضيري - د. محمد الربيعة

(تفريغ موقع إسلاميات حصريًا)

د. الخضيري: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما زلنا نواصل حلقات هذا البرنانج المبارك "لنحيا بالقرآن" والذي نأخذ فيه آيات سور المفصّل مع الفاتحة ونحاول أن نتلمس بعض الهدايات العملية التي نحولها إلى واقع نعيشه في حياتنا. وبدأنا كما علمتم في الليالي الثلاث الماضية بسورة الفاتحة واليوم نختم الحديث عن سورة الفاتحة وهي في الحقيقة تستحق منا حديثاً طويلاً ولكن كما يقال "يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق". وفي هذا المجلس نتحدث عن قول الله عز وجل (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ (7)) في هذه الآيات الثلاث التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في ختام سورة الفاتحة نجد أن الحديث عن معنى عظيم وهو الهداية إلى الصراط المستقيم وبيان من انحرفوا عن هذا الصراط ومن ضلوا عنه وصدق السؤال لله جل وعلا في طلب هذه الهداية التي هي أعظم مطلوب. وهنا يبدو لنا هنا سؤال مهم جداً عندما نقول (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ (6)) نريد أن نتلمس ما هي المناسبة بين هذا الدعاء وبين الآية التي قبلها؟

د. الربيعة: هذا ينبغي أن نستحضره ونحن نقرأ هذه السورة. فالإنسان في أول السورة يثني على الله بالكمال ويحمده ويعترف له سبحانه وتعالى بالألوهية والربوبية والملك وهذا هو تمام الكمال. فإذا تبين ذلك وقف بين يدي الله معترفاً له بالعبودية بأنك يا رب مستحق للعبودية ونحن نعبدك. وهذه العبودية لها منهج ولها طريق ولها سبيل تحتاج من المسلم أن يسلكه. لما اعترفت ثم أقررت بالعبودية تحتاج أن تسأل الله أن يسلك بها هذا الطريق ليهديك إلى غايته وهي رضاه والجنة سبحانه وتعالى. فأنت أيها المسلم حينما تقول (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) تعترف بالعبودية الكاملة الخالصة له وأنت تستعين به ثم تسأله الهداية والتوفيق والإرشاد لهذه العبودية ولهذا يقول شيخ الإسلام أن هذا السؤال هو أعظم سؤال يسأله العبدُ ربَه، وهذا الدعاء أنفع دعاء للعبد بين يدي الله عز وجل

د. الخضيري: ألاحظ أن هناك مناسبة دقيقة بين قوله (وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) وقوله (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) عندما اعترفت لله بأنك لا تستعين إلا به كأنها إلماحة يا رب أنا أريد أن أستعين بك فيقول الله عز وجل بم تريد أن تستعين بي يا عبدي؟ فيذكر العبد أعظم مطلوب له وهو أن يُهدى إلى الصراط المستقيم فهي مناسبة تمام المناسبة لقوله (وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) لما جاء حق العبد قال (وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) يعني أنا أريد أن أستعين بك في شيء يا الله فيقول ماذا تريد يا عبدي مني؟ فيقول له العبد أعظم مطلوب وأهم وأجمل وأكمل مراد هو أن أطلب الهداية إلى الصراط المستقيم.

د. الربيعة: لو تصورنا حقيقة الهداية وسب هذه الهداية. من أمثلتها في واقع الحياة التي يستحضرها الإنسان ويطلب الله عز وجل هذا السؤال مثل ذلك وأنت حتى في طلبك للعلم تقول إهدنا الصراط المستقيم وأنت تطلب أن تشتري بيتاً تقول إهدنا الصراط المستقيم وأنت تريد أن تطلب وظيفة أو تتزوج تقول إهدنا الصراط المستقيم أو تطلب العلم أو تُشكل عليك مسألة من المسائل تقول إهدنا الصراط المستقيم بل إذا كنت في مشكلة تقول إهدنا الصراط المستقيم هذا المعنى قليل من الناس يستحضره، يستحضر أنه يُهدى إلى الدين العام لكن لا يستحضر أنه يهدى إلى كل جزئيات هذا الدين بل كل جزئيات حياته.

د. الخضيري: وهذا الكلام يحل لدينا مشكلة، ما هو معنى إهدنا الصراط المستقيم؟ قد يفهم بعض الناس أن إهدنا بمعنى دلنا وأرشدنا فيقول أنا الآن عرفت الإسلام وعرفت الدين فلماذا أسال الله في كل صلاة أن يهديني للإسلام وقد هديت للإسلام؟ فنقول نعم إهدنا الصراط الكستقيم تعني دلنا على الصراط المستقيم وهو الإسلام والدين والقرآن والسنة والجماعة هذا المعنى الكامل وهو أيضاً لمن تحقق به فعرف الإسلام دلالة على الأشياء التفصيلية. يا من هديت إلى الإسلام هل هديت إلى كل ما يريده الله منك في هذا الدين؟ لا شك أنه ما أحد منا يدّعي ذلك ولذلك نحن بحاجة إلى الهداية.

د. الربيعة: إذن المقصود بالهداية هنا طلب الهداية الكاملة في جميع شؤون الحياة.

د. الخضيري: ولذلك افترض أنك هُديت فتعلمت لنفترض هذا وهذا قد لا يكون إلا في رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما هديت إلى العلم فهل ستُهدى إلى العمل؟ أنت بحاجة إلى أن تسأل الله أن تُهدى إلى العمل لأنك إذا عرفت ولم تعمل لم تُهدَ إلى الصراط المستقيم.

د. الربيعة: وصف الله الصراط ، مّرت علي لطيفة في قوله الصراط، لماذا عبّر بالصراط بدل أن يعبِّر بالطريق؟ أنه يتذكر الإنسان بهذا اللفظ (إهدنا الصراط) صراط الدنيا بعبادة الله وصراط الآخرة الذي يسلكه إلى الجنة والمنصوب على متن جهنم. هو يقول إهدنا الصراط المستقيم في هذه الدنيا بعبادتك واهدنا الصراط المستقيم للآخرة لننال جنتك. هل هناك معنى يستحضره المشاهدون من وصف الصراط بالمستقيم؟

د. الخضيري: يظهر لي والله أعلم أن المستقيم هنا يدل على أن الإنسان يبنغي له أن لا يتذبذب وأن لا يتراجع وأن لا يتوقف وأن هذا الصراط أيضاً واسع يسعني ويسعك أنت تعمل في الأعمال الخيرية وأنا في طلب العلم وهذا في نفع الناس والثالث في بر الوالدين والرابع في الصلاة والخامس في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسادس في الجهاد في سبيل الله فهو صراط واسع ومستقيم موصل إلى الله عز وجل.

د. الربيعة: وسهل، يعني الدين واضح جداً وميسور لا يحتاج إلى أن الإنسان يتقعر ويتشدد إنما هو يسلك ما أرشده الله إليه ورسوله. بعد هذا يقول الله عز وجل تأكيداً على هذا الصراط (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ) لماذا أكّد مرة أخرى طلبه بقوله (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ)؟

د. الخضيري: ليبيّن من هم أهل هذا الصراط وأهل هذا الصراط وصفهم اله عز وجل في آية أخرى (وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا (69) النساء) هذا الصراط قد تخترعه لنفسك أو قد تتخيله، قال لا، قد كفيت، هذا الصراط المقصود كان عليه رسول الله، كان عليه الأنبياء وكان عليه الصالحون من عباد الله وكان عليه الصديقون والشهداء فاسلكه فإنك إذا سلكته سلكت سبيلهم وهُديت إلى الله عز وجل.

د. الربيعة: إذن هو صراط واضح سلكه من قبلك يعني لا يحتاج أن تقول أخشى أن أضل وأخشى أن أنحرف عنه وأخشى أن لا تجده بل هو تجده في كتاب الله عز وجل. لندلف إلى ختام هذه السورة الآن هنا الله عز وجل أرشد المؤمنين إلى أن يطلبوه ويسألوه هداية الصراط المستقيم ولو أن الإنسان سلكه ووفقه أليس هناك ما يعيقه عن الصراط والشيطان من هنا والأهواء من هنا والدنيا من هنا؟ فكيف يسلم من هذه العقبات التي تقف أمامه؟.

د. الخضيري: الصراط مكون من فرعين علمٌ صحيح وعمل صالح وإذا تأملنا هذا جيداً عرفنا أن الإنسان إذا أخل بأحد هذين الركنين حصل له الإنحراف عن الصراط. فإذا كان عنده علم صحيح وليس عنده عمل صالح فقد ضلّ في هذا الطريق مثلما حصل لليهود قد كان عندهم علم صحيح يعرفون رسول الله صلى اللله عليه وسلم ويعرفون أنه نبي حق ومع ذلك كذبوا به ولم يؤمنوا به ماذا ينفعهم هذا العلم الصحيح إذا لم يوافقه عمل صالح؟! النصارى على العكس من ذلك كانوا يعملون أعمالاً صالحة في نظرهم ويتعبدون لله بل وصلوا إلى الرهبانية كما قال الله عز وجل في سورة الحديد (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا (27) الحديد) عندهم ربهانية، هذا العمل لم يكن على بينة ولم يكن على سنة ولم يكن عن طريقة أخذوها عن الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام فصاروا ضالين أيضاً. إذن الإنحراف يأتي من جهتين من جهة العلم أو من جهة العمل إذن صراط المنعم عليهم هو الصراط الذي جمع بين العلم النافع والعمل الصالح لذلك نقول يا إخواننا عليكم بالعلم النافع العلم الذي يهدي إلى الله وعليكم بلعمل الصالح وهو العمل الموافق لذلك العلم، ما تعمل أعمالاً من عند نفسك، لا تخترع عبادات وتتقرب بها إلى الله، لا، قد كفيت وهديت وما هناك عمل إلا العمل الذي ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم فقد تركنا على المحجّة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.

د. الربيعة: إذن حينما يقرأ المسلم (غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ) فإنه يسأل ربه سبحانه وتعالى أن يسلّمه من سبل الإنحراف بعد سلوكه السبيل السويّ صراط المنعَم عليهم. سبل الإنحراف هناك سبيلان سبيل المغضوب عليهم وسبيل الضالين.

د. الخضيري: والمغضوب عليهم هم اليهود ومن شابههم، من علم علماً صحيحاً ولم يعمل به فهو من المغضوب عليهم.

د. الربيعة: علماً صحيحاً يعني تبين له الحق لكنه لم يعمل به. مثل ماذا؟

د. الخضيري: مثل المنافقين، المنافقون علموا الحق عرفوا أن هذا رسول الله وعرفوا أن هذا دين الله لكنهم لم يستجيبوا ولم يذعنوا فهم من المغضوب عليهم. وأيضاً الضالون كل من تعبد لله واجتهد وأحرق بدنه وجسمه ولكنه في المقابل ليس على بينة وليس على هدى بل اجتهد في العبادة على غير هدى من الله سبحانه وتعالى.

د. الربيعة: هل يمكن أن نضرب على هذا أمثلة واقعية في حياتنا حتى يستحضرها المسلم في حياته؟ المغضوب عليهم مثل إنسان يعلم أن الربا حرام

د. الخضيري: ومع ذلك تغريه الأرباح الربوية فيذهب ويساهم في البنوك الربوية هذا من طريق المغضوب عليهم

د. الربيعة: كل من علم حُكم شيء من الشرع ولم يعمل به

د. الخضيري: فله حظ من هذا الوصف. وفي المقابل نجد بعض الناس عنده همّة على العبادة لكنه يأخذ هذه العبادة من عند نفسه أو يأخذها من بيئته ومجتمعه ولا ينظر هل ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ هل وردت؟ هل دلّ عليها دليل؟ لا يتأكد من هذا ولا يتثبت منه فهذا خطير. ولذلك جاء رجل يقال له أبو إسرائيل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فنذر أن يقوم في الشمس وأن يصوم وأن لا يتكلم، ثلاثة أشياء أراد بها أن يتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى، فماذا حصل؟ رآه النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي ما لأبي إسرائيل؟ قالوا نذر أن يقوم في الشمس ويصوم وأن لا يتكلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم مروه فليتم صومه وليستظل وليتكلم أو كما قال عليه الصلاة والسلام لأن التعبد لله بترك الكلام والتعبد لله بالوقوف في الشمس هذه ليست من سبيل الرسول صلى الله عليه وسلم وليس من دين الله. فهمها كنت مجتهداً وذو نية صحيحة فإن ذلك لا يشفع لك عند الله سبحانه وتعالى.

د. الربيعة: (وَلاَ الضَّالِّينَ) من الأمثلة التي تقع منا ونحن نشعر بها من صفات الضالين التي يخشى المسلم أن يقع فيها مثل الذي يعمل بجهل، يتعبد الله بجهل كأن يستحدث عبادة من عند نفسه كأولئك أهل البدع والخرافات الذين يتعبدون لله بما لم يشرعه الله ولا رسوله كأنهم يستدركون على الله ورسوله.

د. الخضيري: وهذا خطير على المسلم. لعلنا نختم بشيء مهم جداً وهو نلاحظ أن سورة الفاتحة افتتحت بالثناء على الله عز وجل ثم باعتراف العبد بين يدي الله عز وجل بقوله (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) ثم بالدعاء، ما هي الفائدة العملية التي يستفيدها المسلم منهذه الطريقة في سورة الفاتحة؟

د. الربيعة: من الأمور التي ذكرها إبن كثير رحمه الله وبعض المفسرين أن المسلم يقدّم بين يدي دعائه الثناء على الله وأن هذا من أسباب الإجابة بإذن الله. فأول ما تسأل الله عز وجل إحمده أنت لو أتيت إلى تاجر فأنت تثني عليه هو وأهله وأنه صاحب الفضل والصدقات ثم تسأله والله تعالى صاحب الفضل العظيم والكرم العظيم يحب الحمد فاحمده واثني عليه بما هو أهله ثم اسأله ما تريد أن تساله، هذا من آداب الدعاء التي نستفيدها ونستنتجها من هذه السورة العظيمة.

د. الخضيري: إذن إذا رفعتم أيديكم لتدعوا الله سبحانه وتعالى فلا تبادروا بالمسألة بل إجعلوا بين يدي مسالتكم حمداً وثناء وافتقاراً لله عز وجل واعترافاً وذلاً وعبودية لله عز وجل وصلاة وسلاماً على رسوله صلى الله عليه وسلم حتى يستجاب الدعاء فإنكم إذا فعلتم ذلك فحريٌ بهذا الدعاء أن يستجاب وأن يُقبل.

 

د. الربيعة: الكلام في هذه السورة لا يمل وكلنا بحاجة إليه وإلى هذه السورة. هذه السورة باختصار تعطينا الكمال البشري لمن أراد الكمال إذا حقق عبودية الله وعرف الله حق معرفته وافتقر إليه وأظهر عبوديته بين يديه ولذلك إخواني ينبغي أن نقف عند هذه السورة التي نكررها في اليوم أكثر من ثلاثين مرة فرضاً ونفلاً أن نقف معها متدبرين عاملين ممتثلين نسأل الله أن يجعلنا من المتدبرين العاملين. ولنا معكم بإذن الله عز وجل لقاء يتجدد وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل