لنحيا بالقرآن - سورة الضحى -2

برنامج لنحيا بالقرآن - سورة الضحى -2

د. محمد بن عبد العزيز الخضيري - د. محمد الربيعة

(تفريغ موقع إسلاميات حصريًا)

د. الخضيري: السلام عليم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. في هذه الجلسة نعيش مع بقية سورة الضحى حيث أخذنا في الحلقة الماضية جزءاً من هذه السورة ونأخذ اليوم بقيتها ونقف مع بعض آياتها لنستهدي بها. وصلنا لقوله تعالى (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)). دعونا نحاسب أنفسنا مع أول آية (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى) هذا ربنا سبحانه وتعالى قد آوى اليتيم واليتيم هنا هو محمد صلى الله عليه وسلم الذي فقد أبويه في صغره أما أبوه فقد فقده قبل أن يولد وأما أمه فبعد أو وُلِد عليه الصلاة والسلام. إذن ما دورنا نحن؟ دورنا أن نؤوي الأيتام وأن نكرمهم وهذا ما أمرنا به نبيينا صلى الله عليه وسلم وحثنا عليه فقال عليه الصلاة والسلام (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين) وأشار بإصبعيه إذن علينا أن نعاهد أنفسنا على إيواء الأيتام وأن نرحمهم فإننا إذا رحمناهم رحمنا الله.

د. الربيعة: ولو تأملت القرآن لوجدته كثيراً ما يذكر اليتيم

د. الخضيري: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا (10) النساء)

د. الربيعة: (يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) البلد) فهذا يدلك على منزلة اليتيم عند ربه لأنه ليس له من يؤويه فالله تعالى هو الذي تولى هذه الرعاية، ما أشمل هذه الرعاية!

د. الخضيري: إذا كان الرب سبحانه وتعالى قد نسب هذا الإيواء إليه فنحن حري بنا أن نسارع إلى أن نحيي هذا الأمر في بيوتنا وفي مجتمعاتنا إذا كان لك جار يتيم أو قريب يتيم أو حتى أخ يتيم ترحمه تتحنن عليه تكرمه تقوم برعايته، تقضي حاجته، تعلمه دروسه، وهذا من أعظم الرعاية تهديه إلى المسجد وإلى الصلاة وإلى الله عز وجل

د. الربيعة: البعض يظن أن إيواء اليتيم وكفالة اليتيم في إطعامه فقط أو في كسوته والرعاية الأعظم والأهم هي التربية الإسلامية الصحيحة التي ترعاه في دينه تكفل له حماية هذا الدين. الحقيقة في هذه الآية (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى) فإنها تعطينا نظرة للحياة بأننا هذا الضعيف مهما كان ضعفه فإنه ربما يكون في يوم من الأيام ذا شأن عظيم. وأنت تلمس هذا في واقع الحياة كم من يتيم ضعيف ربما كان يتيم الأبوين

د. الخضيري: فكان سبباً في علو شأنه ورفعة قدره. الإمام أحمد بن حنبل كان يتيماً وابن حجر كان يتيماً وابن جرير كان يتيماً وكثير من العلماء كانوا أيتاماً.

د. الربيعة: ومن علمائنا المتأخرين إبن باز والسعدي رحمهم الله. تقف عند سر من أسرار حياة اليتيم أنه وراءه مستقبلاً لو أعطيناه عناية وأحسنا إليه - بما أوصانا الله به وإلا فالله تعالى يرعاه – لكن هذه الرعاية البشرية هي من أسباب استقامته وصلاحه وهدايته للطريق ولذلك اقول إننا لو راعينا يتيماً رأينا فيه النبوغ ورأينا فيه الذكاء ورأينا فيه الصلاح فإنه يكون لهذا اليتيم شأن.

د. الخضيري: أذكر في هذا المقام قصة جميلة جداً في رعاية اليتيم: رجل وامرأة لا يولَد لهما عقيمان فذهبا إلى دار اليتيم وأخذا يتيماً ويتيمة وآواهما إلى بيتهما وبقيا يربيانهما ويحفظانهما ويقومان على رعايتهما رعاية تامة كأنهما أبناؤهما حتى زوجوهما، في الليلة التي زوجوهما فيها حملت تلك المرأة في أول حمل لها وكان الأطباء يقولون لا تحمل، في تلك الليلة بدأت مرحلة الحمل والولادة لأولاد حقيقيين وكأنها هدية من الله عز وجل أو كرامة من الله عز وجل لهما على ما فعلاه بالأيتام فكما تفعل بالأيتام يُفعل بك وكما تكرم الأيتام تُكرم في الدنيا والآخرة ويهيئ الله لذريتك وأولادك من يكرمهم. ولذلك يذكر الله عز وجل نبيه محمد صلى الله عليه وسلم (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى) ثم يقول (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ) يعني قابل هذه النعمة يا محمد بأن لا تقهر اليتيم وقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فكان أباً للأيتام يكرمهم ويرحمهم، يحنو عليهم ويعطيهم ويقدمهم ويقربهم لا يدّخر شيئاً عليهم وكان يأمر أصحابه بأن يرحموهم وأن يلطفوا بهم بل حتى أن يمسحوا على رؤوسهم حتى ترق القلوب وتتنظف الأفئدة من أدران الكبر والعجب.

د. الربيعة: والآية هذه تعطي اليتيم نفسه سلوى وتسلية لأن نبيه صلى الله عليه وسلم كان يتيماً وينبغي أن نشير إلى هذا الملحظ للأيتام

د. الخضيري: نقول لهم لا تياسوا فأشرف الخلق كان يتيماً وخيار عباد الله الصالحين كانوا أيتاماً ولم يضيعهم الله سبحانه وتعالى. كنُ حسن الظن بالله، ليكن أملك واسعاً لتكن مشرق النفس إعلم أن الله سبحانه وتعالى لن يضيعك وأنت لا تضيع نفسك. ولذلك نحن نقول لإخواننا الأيتام ولمن ابتلي باليتم ولمن كان عنده أيتام أبشروا وأمّلوا ولا تظنوا بربكم إلا خيراً.

د. الربيعة: لعلنا ننتقل إلى رسالة أخرى من رسائل هذه السورة العظيمة وهي قوله (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى) امتنان من الله على النبي صلى الله عليه وسلم بأنه وجده ضالاً، تأمل كلمة ضال.

د. الخضيري: ما معنى ضال؟

د. الربيعة: ضالاً لم يكن على شريعة حباه الله تعالى عليها

د. الخضيري: لم يكن على علم بهذا الوحي فهذا هو الضلال المقصود في هذه الآيةة أنه لم يكن يعرف بهذا الوحي ولم يكن يعلمه فسماه الله عز وجل ضلالاً وسمى نزول الوحي عليه هدى

د. الربيعة: مقارنة بالهدى الذي آتاه الله لأنه لم ضلال شرك ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يسجد ولم يسجد النبي لصنم قط ولم يلتفت لغير الله أحداً لكنه بالنسبة لما أتاه الله من الهدى والنور والحق كان ضلالاً. ولهذا فإن هذه الآية تعطيك أيها المسلم بأنك إذا لم تكن على هدى من الله وبصيرة في دينك فلتنظر إلى حالك. فإن الإنسان ليس دليلاً فقط عن الإسلام أنه على هدى ففيه هدى أي الهدى الكامل وكمال الهدى أن تكون على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم في عقيدتك وعبادتك وأخلاقك فهذا هو الهدى. فقد تكون مسلماً بشهادتك أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ولكن يجب أن تطلب كمال الهدى. ثم إن الإنسان أحياناً يشعر بأنه حينما يوفق للخير كأن يكون يخدم في مجال من مجالات الخير أو قد يوفق لحفظ كتاب الله أو يوفق للعيش مع هذا القرآن، والله إن من عاش مع كتاب الله عز وجل ليجد أن حياته الأولى ضلال، لماذا؟ لأنه وجد مع هذا الكتاب إنشراح وسكينة واستقراراً ووجد أنه إنسان يعبد الله على بصيرة

د. الخضيري: (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ (122) الأنعام) ما هو النور؟ هو هذا الوحي. قال الله عز وجل وهو تفسير لهذه الآية وبيان لما أشرتم له من معنى جميل (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (52) الشورى)

د. الربيعة: أذكر أحد الأخوة ممن كان تخصصه في مجال التقنية والحاسب ويعمل في شركات تصدر البرامج الغنائية والأفلام وغير ذلك ثم وفقه الله عز وجل للعمل في موقع يخدم كتاب الله عز وجل يقول والله إني أجد الآن حياتي وأسأل الله أن يميتني على هذا الحال. هو مسلم لكنه شعر أنه كان في ضلال في سلوكه وشيء من أعماله ثم هداه الله لخدمه دينه وكتابه، حقاً هذا هو الهدى. فلينظر المسلم إلى السبيل الذي يسلكه في الحياة يجد فيه الهداية التامة.

د. الخضيري: نأخذ موقفاً آخر من هذه السورة يستضيء به المسلم في حياته. نحن تعاهدنا على أن نقف ثلاث أو أربع وقفات مع سورة من قصار المفصّل فنقبس منها واقعاً عملياً ونستضيء بها في حياتنا. الآية الثالثة التي نأخذها في هذا المجلس هي قول الله عز وجل (وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى) يعني وجدك فقيراً ليس بيدك مال فأغناك الله عز وجل وأعطاك المال. ماذا يعطيني ويعطيك أخي المسلم أن نرحم الفقراء وأن نغنيهم وأن نعطيهم وأن لا ننساهم وإذا أنعم الله علينا وأفاء بالمال أن نكرمهم وأن لا نحرمهم ما آتانا الله عز وجل. واعلم أن هذا المال الذي آتاك الله إياه هو فضل من الله وهو امتحان فعليك شكراً لنعمة الله عز وجل أن تعطي السائلين وأن تمنح المحرومين وأن تكرم المساكين وأن لا تدخر وسعاً في هذا الباب وكلما أعطيت سيعطيك الله وكلما رحمت يرحمك الله. قال النبي صلى الله عليه وسلم "ما نقصت صدقة من مال"، "أنفق يا ابن آدم ينفق عليك"، "ما من يوم يصبح فيه إلا وملكان يقولان اللهم أعط منفقاً خلفا وأعط ممسكاً تلفا"

د. الربيعة: وهنا معنى آخر في هذه الآية ولطيفة مهمة نعرف بها حقيقة الغنى (وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى) ما هو الأمر الذي أغنى الله به نبيه؟ لا شك أن من أعظم ما أغنى الله به نبيه هو هذا الكتاب العظيم وهذه الشريعة وهذا الهدى وهذا الخير الذي منحه إياه. ثم ما منحه الله من فتوح غنى أمته ومنحه ملك فارس والروم بل ملك الأرض كلها وهذا يجعلنا نقول أن أعظم الغنى غناك بإيمانك بالله وهدايتك بالكتاب العظيم ومن ذاق ووجد هذه النعمة وهُدي إليها فإنه والله سيشعر بحقيقة غير الحقيقة

د. الخضيري: وايضاً ذكرتني بمعنى جميل جداً في في هذه الآية وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم "ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس". غنى النفس أن تقنع بما آتاك الله وأن لا تتطلع بما في أيدي الناس هذا هو غنى النفس. فإذا كان الإنسان راضياً بما قسم الله له مطمئناً إلى ما قدّره الله له فليعلم أنه في بحبوحة من العيش لأن ذاك الذي جعل عينيه في ايدي الناس وفيما أوتي الناس قد صار قلبه فقيراً أشد الفقر فهو لا يشبع من الدنيا مهما أوتي منها ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم "لو كان لابن آدم واد من ذهب لابتغى إليه ثانياً ولو كان له واديان لابتغى إليهما ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب" فلنعلم أنفسنا القناعة فهي كنز من أعظم كنوز الدنيا. وهنا نبينا صلى الله عليه وسلم كان يملك الدنيا بيديه وكانت بين يديه عليه الصلاة والسلام ومع ذلك كان صلى الله عليه وسلم ينفقها

د. الربيعة ويعطي عطاء من لا يخشى الفقر

د. الخضيري: وكان عليه الصلاة والسلام يدّخر لأهله قوت سنتهم ثم ينفق ذلك الذي ادخره فيمر الشهر والشهران والثلاثة ولا يوقد في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم نار، كل ذلك من غنى نفسه صلى الله عليه وسلم وينام على الحصير ويبيت جائعاً ويخرج إلى أصحابه وقد ربطوا الحجر على بطونهم وقد ربط الحجرين على بطنه عليه الصلاة والسلام.

د. الربيعة: قد يُشكل على بعض الناس هذه الآية عندما يقرأوها (وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى) فيقول النبي صلى الله عليه وسلم أنه عاش عيشة كفافاً بل عاش في ايام كثيرة من حياته في فقر وحاجة لكننا نقول لتنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيما أتاه الله من غنى في دين الله وما آتى أمته. أن ما آتى الله أمته من الغنى وفتح الله هذه الفتوح وهذا الخير هو ما آتاه النبي صلى الله عليه وسلم

د. الخضيري: إذن الدرس الذي نأخذه من هذه الآية هو أن يدرب الواحد منا نفسه على غنى النفس وعلى القناعة وأن يكون كل واحد منا أيضاً يتذكر هذا الوحي فيعتني به وهذه الشريعة وهذا النبي فيعتني بها ويحمد الله عليها ويعلم أن ما فاته من الدنيا ليس بشيء أمام ما آتاه الله عز وجل من الحظ العظيم وهو القرآن ولذلك ختمت السورة بقوله (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) لعلنا نأخذ لمحة عنها.

د. الربيعة: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) هذه النعمة التي أنعم الله بها عليك وكما ذكر أن أعظم النعم القرآن فيحدث بها بنشرها وتعليمها للناس وهنا نأخذ درساً عظيماً أن ما آتاك الله من الخير ومن نعمة الهداية ونعمة الإسلام فينبغي أن تحدث به الناس وتنشره للناس، هذا من شكره (لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ (7) إبراهيم) والإنسان ينبغي دائماً أن يذكر نعمة الله ويحمده عليها، آتانا الله كذا وكذا ولله الحمد والمنة على فضله. أما الذي لا يشكر ربه فإنه سبيتلى يفقده كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " من كانت الآخرة همّه جعل الله غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغبة". حينما تحدث بنعمة الله وحينما تكون راضياً بما آتاك الله فإن هذا باعث على المزيد بإذن الله من فضل الله عز وجل.

 

د. الخضيري: إذن نحن نقول للمشاهدين إحمدوا الله على النعمة وأكثروا من شكر الله وحدثوا بنعم الله دائماً إذا أصبحت وقيل لك كيف أنت يا فلان؟ قل الحمد لله ولو كنت مريضاً ولو كنت فقيراً أكثِر من الثناء على الله عز وجل ولعلنا بهذا نختم جلستنا المباركة مع سورة الضحى ونقول لمشاهدينا السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل