لنحيا بالقرآن - سورة القدر

برنامج لنحيا بالقرآن - سورة القدر

د. محمد بن عبد العزيز الخضيري - د. محمد الربيعة

(تفريغ موقع إسلاميات حصريًا)

د. الخضيري: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. هذا المجلس هو المجلس الحادي عشر من مجالس هذا البرنامج المبارك لنحيا بالقرآن وهذا البرنامج نحاول أن نأخذ بعض الهدايات العملية من الآيات القرآنية التي نتلوها بتكرار واستمرار ونحفظها وتتردد على مسامعنا كثيراً. اليوم معنا سورة القدر هذه السورة العظيمة التي بين الله سبحانه وتعالى فيها منزلة ليلة القدر وأن الله شرّف هذه الليلة بشرف عظيم وأنه أنزل فيها القرآن الكريم فشرُفت هذه الليلة بهذا الشرف العظيم وهو إنزال القرآن. وجعل الله سبحلنه وتعالى هذه الليلة خيراً من ألف شهر يعني أن العمل الصالح فيها بعدل عند الله جل وعلا عمل ألف شهر. وألف شهر عمر إنسان كامل من أمة محمد وزيادة لأنه يتضمن ثلاث وثمانين سنة وأربعة أشهر فأنت إذا تعبدت لله عز وجل في هذه الليلة وأحسنت العبادة حصّلت أجراً عظيماً وزاداً وافياً وافراً تقدم به على الله عز وجل. وانظروا بأي شيء شرّف الله عز وجل هذه الليلة؟ لقد شرف الله عز وجل هذه الليلة بإنزال القرآن. وهذا يدلنا على أن القرآن شرف وأنه إذا كان في شيء كان شرفاً له. إذا كان في ليلة شرفت تلك الليلة فصارت خيراً من ألف شهر خيراً من ثلاث وثمانين سنة وأربعة اشهر، وإذا كانت في جوف الإنسان فاذا يكون هذا الإنسان؟

د. الربيعة: لا شك أنه عظيم، ويعظم. ولعلنا أيضاً نأخذ من هذا المعنى الجميع أن الله عز وجل اختار لإنزال كتابه ليلة مباركة أن المسلم القارئ للقرآن ينبغي أن يختار لكتاب الله عز وجل في قرآءته أعظم أوقاته وليس فاضل أوقاته بل يختار أصفى أوقاته وهي الليل والفجر ووقت الصفاء وليس وقت الفراغ الذي بعد كدّه وتعبه يقرأ، ولا يؤتيك القرآن ثماره وتجد الأُنس به إلا حينما تقرأه بصفاء وبوقت تفرّغ فهذا من تعظيم القرآن فينبغي أن نعظم وقت القرآن كما عظمه الله عز وجل.

د. الخضيري: ولذلك ذكر الله عز وجل في سورة المزمل (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْءًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6)) يعني إن قرآءة القرآن بعد قيام الليل إلى الفجر هي أشد مواطئة للقلب وأقوم قيلا يعني هذا القول يكون ظاهراً بيّناً مفيداً للنفس مؤثراً فيها وهذه إشارة في غاية الروع نحن نقول إحرصوا على أن تقرأوا القرآن في أوقات تخلو فيها النفس من جميع مشاغلها، تكون فيها النفس خالية مقبلة لا شيء يشغلها بل وأبعدوا عن أنفسكم المشاغل وأنتم تقرأون القرآن يعني لا ينبغي للإنسان أن يقرأ القرآن مثلاً وهو يشاهد التلفاز أو مثلاً يقرأ القرآن وهو بين أولاده يلعبون عنده أو غير ذلك قد يقرأه الإنسان فيؤجر ولكنه يحرم من بركاته وهدايته والفوائد العظيمة التي يحصّلها من قرآءة القرآن.

د. الربيعة: تأمل الله عز وجل قال (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78) الإسراء) لماذا خصّ الفجر؟ هذا وقت النزول الإلهي والملائكة وكما قال ابن القيم (إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) يشهده الله وملائكته. وقت الفجر مع هذا الفضل لأن وقت شهود الله وملائكته فإنه وقت صفاء ووقت روحانية والحقيقة هذا أمر مجرّب كثير من الإخوة الذين يقولون أن أجعل وردي اليوم بعد صلاة الفجر خاصة إذا أخذ قسطاً من النوم ليلاً فإنه يجد في هذه القرآءة متعة بعد الفجر وقبل الفجر. وقبل الفجر أفضل لمن وفقه الله وأعانه على القيام كمثل أيام رمضان. ايام رمضان أيام فاضلة، أيام صفاء وليالي رمضان أيضاً صافية ونحن في ليالي رمضان نقوم مع الإمام كم يجد الإنسان من متعة ويقرأ ويسمع كلام الله عز وجل خلف إمام قارئ ذا صوت حسن يجد للقرآن طعماً. ولذلك تجد رجوعاً للقرآن في وقت رمضان وتجد حياة في رمضان من المسلمين وتغيراً ما تجده في غيره وغير ذلك من الأوقات التي نشير إليها إشارة في هذه الآية .في السورة بعد ذلك قول الله عز وجل (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر) شرف هذه الليلة العظيمة

د. الخضيري: هذه الليلة العظيمة كما قال العلماء هي في رمضان وهي في العشر الأواخر من رمضان وترجى في أوتار العشر أكثر من أشفاعها وقد ذكر العلماء أن أرجى تلك الليالي ليلة السابع والعشرين ومع ذلك هي تتحول كما قال العلماء فقد تكون في ليلة خمس وعشرين وقد تكون في ليلة الثالث والعشرين وقد تكون في ليلة واحد وعشرين أو تسع وعشرين.

د. الربيعة: هل نلمس فضائل لهذه الليلة في تفضيلها؟ م حكمة تفضيلها وتشريفها؟

د. الخضيري: سميت ليلة القدر من وجهين الوجه الأول ليلة القدر بمعنى ليلة الشرف والمنزلة أُنزل فيها القرآن ومن تعبد لله عز وجل فيها وأخلص فيها العبادة وقام فيها الليل كله أو أكثره حصل له الشرف والمنزلة والعظمة بقدر ما حصّل. ويمكن أن تكون أيضاً ليلة القدر من التقدير لأن الله عز وجل يجعل فيها مقادير العام كله (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) الدخان) لأن مقادير الله قد كتبت في اللوح المحفوظ هذا التقدير العام الكلي الشامل ثم يأتي التقدير العمري وهو الذي يكون عندما يرسل الملك والإنسان في بطن أمه فيكتب عمره وعمله شقيٌ أو سعيد ثم يأتي التقدير الحولي وهو الذي يكون في ليلة القدر. ففي هذه الليلة تكتب المقادير فتفصل من اللوح المحفوظ كأنها سجلات مستقلة لهذا العبد ثم يأتي من بعد ذاك التقدير اليومي (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29) الرحمن) فهذه الليلة ليلة عظيمة

د. الربيعة: ولعلنا نأخذ شرف هذه الليلة من السورة أيضاً، تأمل الأوصاف التي وصفها الله تعالى في هذه السورة في أربع صفات (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ) نزول القرآن، فشرفت بنزول القرآن (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)) فهي ليلة تتنزل فيها الملائكة والروح فيها بإذن ربهم، فيها نزول أمر الله (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) الدخان). والأمر الرابع (سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) وصفها الله بالسلام. فهذه الأوصاف الأربعة تدل على شرف هذه الليلة العظيمة التي نسأل الله عز وجل أن أن يشرفنا بأن نكون من أهلها والقائمين فيها.

د. الخضيري: ومما ينبغي أن ننبه عليه عندما نتحدث عن هذه السورة قال النبي صلى الله عليه وسلم "من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" ومن صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" ومن قام ليلة القدر غفر له ما تقدم من ذنبه. وأنا أهيب بنفسي وبإخواني أن يغتنموا هذه الفرصة وهي فرصة ليلة القدر في أن يجتهدوا في العبادة فيها وهي من رحمة الله بنا هذه الأمة، جعل لنا مثل هذه المواسم التي ندرك فيها ما حصّله السابقون من الأمم من طول الأعمار.

د. الربيعة: وإنمك تجد للأسف الشديد في أوقاتنا الحاضرة في الإجازات إذا توافق رمضان إجازة تلحظ عدم مبالاة كثير من المسلمين من يضيع هذه الليالي الشريفة التي يُرجى أن تكون ليلة القدر خصوصاً أنها ليلة قرب أيام العيد فينشغل الناس بشراء حاجاتهم والخروج إلى الأسواق ووالله هذا حرمان وخشران أن ينشغل الإنسان بأمور دنياه عن أمر عظيم له له به من الأجر سنوات.

د. الخضيري: عندي لفتة أرجو أن يتسع صدركم لها، لما يذكر الله عز وجل ليلة القدر ويقول إنها ليلة فيها يفرق كل أمر حكيم وفيها تقدر المقادير ألا يدلنا هذا على أن ربنا سبحانه وتعالى يبين لنا أن الأمور تجري بتقدير ولا تجري سبهللة مع أن الله سبحانه وتعالى قادر على أن تدور الأمور كما شاء بدون أن تكون هذه المقدمات لكنه سبحانه وتعالى يقدر كل شيء قدره ويعطي لكل شيء حقه فهناك كتابة أزلية كتبت في اللوح المحفوظ كُتب كل شيء يكون في هذا الكون قال الله عز وجل للقلم اُكتب، قال ما أكتب؟ فكتب مقادير كل شيء إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. ثم يأتي من بعد ذلك يأتي التقدير العمري يعني عندما ياذن الله بخلق هذا الإنسان وخلق الروح يكتب أجله وعمله وشقي أو سعيد ثم التقدير الحولي تخطيط خطة عامة للحياة ثم خطط تفصيلية لكل شيء.

د. الربيعة: يدلك على عظمة شرع الله عز وجل ونظام الكون كله

د. الخضيري: فيجب علينا نحن أن نكون منظمين ونخطط لكل شيء.

د. الربيعة: هذا معنى لطيف وجميل أن يكون المسلم حقاً منظماً ومرتباً في كل شؤون حياته.

د. الخضيري: هنا أيضاً لفتة أخرى أتمنى أن نتلمسها من هذا الجانب وهي أن الأعمال عند الله ليست شيئاً واحداً بمعنى أن هناك عملاً يساوي أعمالاً وهناك ليلة تساوي ليالي. وهناك عمل مع كونه أن له أجراً مع فضله لكنه ليس بتلك المنزلة فعليه ينبغي للمسلم أن ينتهز الفرصة ويعلم أن هناك أعمالاً هي أفضل. الأعمال نوعان أعمال فاضلة تساوي أعمالاً كثيرة. وأقول يا إخواني تفقهوا في الأعمال وتفقهوا في مراتب الأعمال. قد تذكر الله بقولك سبحان الله والحمد لله وقد تقرأ آية أو سورة من كتاب الله عز وجل وهذا ذكر وهذا ذكر وكل محبوب من الله ولكل شيء منهما وقته لكن تأكد أيهما أفضل في ذلك الوقت لك أنت. قد يكون الأفضل أن يحمد الله ويسبحه وقد يكون الأفضل لفلان هو أن يقرأ القرآن ويتدبره ويعمل بما به.

د. الربيعة: وهذا معنى لطيف أشار إليه شيخ الإسلام بعض الناس يفتح له في باب من الخير يجد فيه قلبه ويجد فيه افتقاره لله عز وجل كالصلاة والصيام وهذا من رحمة الله وفضله. نمر سريعاً على الايات البقاية في السورة كما يقول الله عز وجل (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)) الملائكة يتنزلون في تلك الليلة فلماذا؟

د. الخضيري: يتنزلون كما قال العلماء لأنهم يشيعون السلام والأمن ويشهدون مواطن العبادة مع المسلمين. تلك الليلة لا يمرون بقوم من المؤمنين إلا سلموا عليهم وتسليم الملائكة دعاء نسأل الله أن يسلمكم من كل بلاء ومن كل ضر ومن كل فتنة ومن كل عذاب.

د. الربيعة: تأمل ايها المسلم الكريم وأنت تذهب إلى بيت الله عز وجل تصلي في تلك الليالي الفاضلة وأنت تصوم وأنت تذكر الله وأنت تتصدق الملائكة تحفك تسلم عليك وتستغفر لك.

د. الخضيري: بل الآن أن بعض المسلمين عندما يذهب للصلاة تجده ينظر متى يأتي الإمام؟ تأخر الإمام دقيقة أو دقيتين، هذا والله من الشيطان! لماذا نستبطيء جلوسنا في المساجد مع أن نبينا صلى الله عليه وسلم قال كلمة عظيمة جداً لو علم بها من يأتون إلى المساجد ويستعجلون لما فعلوا الذي يفعلون. قال عليه الصلاة والسلام: الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه تقول اللهم اغفر له اللهم ارحمه ما لم يُحدث. إذن لماذا لا تستكثر من دعاء الملائكة وهم يدعون لك ما دمت تنتظر الصلاة؟! بل يقول النبي صلى الله عليه وسلم " وما يزال الرجل في صلاة ما دام ينتظر الصلاة"

د. الربيعة: معنى لطيف قد نلمسه في قول الله عز وجل (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ (4)) مما يدلك على أن جبريل العظيم الذي هو أمين الوحي يتنزل في تلك الليلة ولعل هذا دليل والله تعالى أعلم أن جبريل لا يتنزل إلا لأمر عظيم لما كانت تلك الليلة عظيمة كان نزول جبريل مع الملائكة وإلا فالملائكة تنزل في الليل والنهار فهذا يدلنا على أن خيار الملائكة تنزل تلك الليلة العظيمة لتعيش مع خيار عباد الله في صلاتهم وعبادتهم وذكرهم لله عز وجل نسأل الله أن يجعلنا منهم.

د. الخضيري: هذا يدلنا على أن الملائكة معنا وأننا يجب أن نحب هؤلاء الملائكة وأن نعترف لهم بالفضل فهم يدعون لنا وهم يسلمون علينا وهم يشهدون مجالسنا الطيبة وهم يتعاقبون علينا ويحفظوننا كما ذكر الله عز وجل في سورة الرعد (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ (11)). إذن نأخذ من هذ السورة محبة الملائكة بل والاستكثار بهم، كيف تستكثر بهم؟ عندما تشعر أيها المؤمن أنك ضعيف وأن الأعداء قد هيمنوا عليك وأنهم قد أحاطوا بك من كل جانب أو أن أعداء الإسلام أو من يناوؤنك ويعادونك قد آذوك تذكر أن ملائكة الله الذين لا يحصي عددهم إلا الله معك.

د. الربيعة: بل يأنس الإنسان بهم إذا رأى قلة المؤمنين وقلة الطائعين وقلة المصلّين فيأنس أن هنالك ملائكة تحضر الصلوات وتحضر مجالس الذكر

 

د. الخضيري: وتؤيد المؤمنين وتمدهم وتكون معهم وهذه سلوى للمؤمن. أسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بكلامك وأن يجعلنا من الصالحين من عباده نسال الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم وأصلي واسلم على نبينا محمد والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل