لنحيا بالقرآن - سورة الهمزة

برنامج لنحيا بالقرآن - سورة الهمزة

د. محمد بن عبد العزيز الخضيري - د. محمد الربيعة

(تفريغ موقع إسلاميات حصريًا)

(وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ﴿١﴾ الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ ﴿٢﴾ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ ﴿٣﴾ كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ ﴿٤﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ ﴿٥﴾ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ ﴿٦﴾ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ ﴿٧﴾ إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ ﴿٨﴾ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ ﴿٩﴾)

د. الربيعة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد. معكم في حلقة من حلقات برنامجنا المبارك "لنحيا بالقرآن" والذي نتفيؤ فيه ظل آيات الله عز وجل نقف معها وقفات تدبرية نعني بالجوانب العملية والتطبيقية في حياتنا اليومية. في هذه الحلقة نعرض لسورة من قصار سور المفصل وهي سورة الهمزة. هذه السورة العظيمة يرمز لنا اسمها وافتتاحيتها بالحديث عن أولئك الذي قد سخّروا ألسنتهم للصدّ عن سبيل الله والسخرية بعباد الله وأذيّة المؤمنين بالهمز واللمز وكيف أثرهم على المؤمنين ثم يبين الله في ختام السورة عاقبتهم (كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ). إذن هذه السورة العظيمة سورة تتحدث عن أولئك الذي سخّروا ألسنتهم للسخرية بالمؤمنين وأذيتهم بالقول لمزاً وهمزاً وسخرية واستصغاراً ويبين الله عز وجل سبب ذلك فيهم ثم يبين عاقبتهم فلعلنا نتدبر هذه السورة نأخذ منها جوانب عملية من خلال هذا المعنى لنحذر من أن نتصف بهذه الأوصاف أو نكون من أهلها.

د. الخضيري: من أول الأوصاف التي تواجهنا وتبدو لنا ظاهرة من السورة بل من اسمها قوله (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) هذا العيّاب اللعان الشتام الطعّان الذي يؤذي الناس بلسانه فلسانه مثل الثعبان لا يكاد يمر بشيء إلا لدغه، هذا الإنسان ويلٌ له، ولا يجوز لأحد أن يجعل من صفته وسمته أن يكون همازاً لمازاً "ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش البذيء" وهذه قضية يستهين بها مع كل أسف كثير من الناس حتى من المسلمين فتجده إذا أوتي لساناً وأوتي كلاماً صار يتكلم يقول كلمة فيؤذي هذا ويقول كلمة فيؤذي هذا ويقول كلمة فيلعن ذاك ويقول كلمة فيغتاب ذاك، ويقول كلمة فينمّ بين هذا وهذا ويقول كلمة فيسخر بها من هذا أو ذاك. والنبي صلى الله عليه وسلم قد حذرنا من عاقبة اللسان لما قال النبي صلى الله عليه وسلم "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت" ليس أمامك إلا خيارين إما أن تقول الخير أو تسكت عما سواه، لأنك إذا تكلمت فيما سواه فأنت بين سوأتني السوءة الأولى أن تقول شراً فتهلك والسوءة الثانية أن تقول شيئاً مباحاً فتندم، لأنك إذا جئت يوم القيامة هذا اللسان الذي يمكن أن تحصّل فيه الحسنات والخيرات وإذا بك حصّلت به التفاهات فيكون ندامة وحسة لك يوم القيامة. قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ لما قال له إملك عليك لسانك وأخذ بلسانه، فقال معاذ أونؤاخذ يا رسول الله على ما نتكلم به؟ قال ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم" تصوروا ماذا يحصل للناس يوم القيامة إن كثيراً من جرائمهم وكثيراً من سيئاتهم وكثيراً مما يكبهم في النار هو ما يتفوهون به بألسنتهم ولذلك ورد في الحديث "إن الرجل يتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار سبعين خريفاً" ويتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يبلغ بها من رضوان الله مبلغاً عظيماً.

د. الربيعة: ولعل أعظم ما يتكلم به الإنسان إثماً وجرماً وظلماً هو أن يكون هذا الكلام في الصدّ عن سبيل الله والسخرية بالمؤمنين.

د. الخضيري: هذا في القمة وقد يُخرِج الإنسان من دينه.

د. الربيعة: أرأيت الذي يلمزون المطوعين من المؤمنين ويلمزون أهل الحسبة من المؤمنين ويلمزون أهل الخير والاستقامة من المؤمنين، كيف وزرهم وإثمهم؟

د. الخضيري: كان مع النبي صلى الله عليه وسلم وكان في غزوة تبوك رجالٌ سولت لهم أنفسهم وتكلموا بكلمات ما ظنوا أنها تبلغ ما بلغت، قالوا ما رأينا مثل قرّائنا هؤلاء (وهم خيار الصحابة) أرغب بطوناً ولا أكذب ألسنة ولا أجبن عند اللقاء فسمعهم أحد الصحابة فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بما قالوا فأنزل الله عز وجل قوله (قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ (65) لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ (66) التوبة) فالقضية خطيرة.

د. الربيعة: إذن الويل كل الويل لمن جعل همه ووظيفته في الحياة أن يسخر بالمؤمنين في الصحف أو في مواقع أو في وسائل الإعلام أو في أي مجال

د. الخضيري: حتى في المجالس العادية، أحياناً يتندّر الإنسان يريد أن يضحك الناس فيستهزئ بعبد من عباد الله، إمام مسجد أو مفتي أو عالِم أو حتى مؤمن عادي، كل ذلك من موارد الهلاك، إتقِ الله، النبي صلى الله عليه وسلم نهى المؤمن أن يسخر من أخيه المؤمن و قال الله عز وجل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاسم الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11) الحجرات)

د. الربيعة: ما الفرق بين اللمز والهمز؟

د. الخضيري: هذه قضية اختلف فيها المفسرون فبعضهم يقول الهمز يكون بالعين واللمز يكون باللسان ويستدلون على ذلك بقول الله عز وجل (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79) التوبة)

د. الربيعة: لمزوهم بألسنتهم

د. الخضيري: إذن الهمز يكون بالعين أو بأداة أخرى. وعلى كل أنا أرى أن هذا من الأمثلة الواضحة للخلاف الذي يقع بين اللغويين أو يقع بين السلف الصالح في تفسير الآية لكنهم جميعاً يحومون حول معنى واحد سواء قلت الهمز هذا أو اللمز هذا أو العكس فالجميع مذموم.

د. الربيعة: ولهذا أذكر معنى جميلاً لأحد المفسرين يقول الغرض في الجمع بينهما ليشمل كل حال من أحوال السخرية والهمز واللمز والعيب ظاهراً أو باطناً، خفياً أو علناً، باللسان أو بالإشارة أو غير ذلك. إذن كل من اتخذ المؤمنين وسيلة لعيبهم بأي مجال من مجالات أو من الوسائل فهو داخل في هذه الآية.

د. الخضيري: ولذلك نقول في هذه المناسبة هناك شيء قد لا يفظن له بعض الناس والآية تصرّح بأنه داخل في هذه الأمور التي ذكرناها. هؤلاء رسامي الكاريكاتور قد يرسم كاريكاتوراً يسخر به من جماعة أو من أهل الحسبة أو من بعض طلاب العلم أو من بعض النافعين من العباد فنقول له إحذر أن تكون من الداخلين في هذا الوعيد (وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ) طعّان عيّاب همّاز سخّار بالناس فنحن نحذر هؤلاء ونقول إتقوا الله في أنفسكم وفي دينكم لئى يصابوا باللاء ولئلا يستجرهم ذلك إلى عقوبة الله عز وجل.

د. الربيعة: وأعظم ما يدخل في هذا أولئك أعداء الله الذين سخروا برسول الله صلى الله عليه وسلم فرسموا فيه تلك الرسومات والتصاوير المهينة، إن أولئك من أعظم من يدخل في هذه الآية ومن أعظم ما يستحق له الويل وأسأل الله ما يذيقهم ما فيه وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ مهانة وذلة.

د. الخضيري: هناك ملحظ نريد أن نصوره للمشاهدين. نحن نلاحظ أن عندنا أزمة حقيقية في ألفاظنا يجب علينا أن نسعى جميعاً لتداركها، الألفاظ التي نتفوه بها ونتكلم بها في كثير من علاقاتنا ألفاظ جافة ليس فيها دفء وليس فيها رحمة ولا لين ولا مودة ولا رحمة وإنما تجد السب والشتم والكلمات الجارحة. عندما يحدثك معك لا يناديك إلا بأقبح اسمائك واقبح ألقابك وهذا لا يليق بنا نحن نحن المؤمنين. يجب علينا أن نكون مجتمع حضاري في علاقاتنا مع بعضنا ألفاظاً جافة والسب والشتم والألفاظ الجارحة لا يناديك لا يناديك إلا بأقبح اسمائك وأقبح ألقابك وأقبح ما تُكنى به وهذا لا يليق بنا نحن المؤمنين، يجب أن نكون مجتمعاً رفيعاً حضارياً مجتمع راقي "رحماء بينهم"  عندما تنادي صاحبك وتقول له يا أخي، يا حبيبي، تقول لوالدتك أو تقول لوالدك أو ولدك يا قرة عيني كم تشيع بيننا المحبة عندما نستعمل هذه الأساليب؟

د. الربيعة: إنما تصدر من القلوب التي تشعّ بالإيمان فالإيمان يبعث على هذه الكلمات الطيبة. نحن ما زلنا في الاية الأولى.

د. الخضيري: نقف قليلاً عند (الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ) هذا الذي جعله يكون همازاً لمازاً أنه اعتدّ بماله، جمع المال وأخذ يعده ويقول عندي رصيد، عندي سيارات، عندي خدم، عندي حشم فيسب هذا ويتكبر على هذا وليس عنده مانع أن يفعل ذلك ويظن أن المال سيخلده. سيأتي يوم تكون فيه تراباً وهذا المال الذي جمعته واعتتدت به سيذهب كما ذهبت أنت.

د. الربيعة: ولكن انظر كيف عاقبته، هذا الذي تجبر واعتلا بكبريائه وغطرسته وقوله السيء ما عاقبته عند الله؟

د. الخضري: (كَلَّا لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ) ليطرحنّ طرحاً في الحطمة.

د. الربيعة: معنى عظيم. موقف فيه إهانة وفيه إذلال وفيه طرح بلا أي قيمة.

د. الخضيري: وأيضاً يقول الحطمة يعني كما حطّم الناس بلسانه وقوله وعابهم وكسر خواطرهم سيحطم هو في نار جهنم. ما قال كلا لينبذن في النار، لا، في الحطمة، والتحطيم يدل على التكسير والإهانة والإذلال وهذا معنى مناسب لذلك الشخص الذي كان يسخر ويعيب ويطعن في أعراض الناس.

د. الربيعة: ولهذا قال تعالى (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ) ليستحضر الإنسان هذه الاية.

د. الخضيري: (نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (6) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (7))

د. الربيعة: تلك الأفئدة التي امتلأت بالكبر والشر والأذى الذي ينفذ به اللسان.

د. الخضيري: هذه النار ستدخل في أجوافهم وتطلع على أفئدتهم. لما كان مصدر الهمز واللمز شيء من القلب من احتقار الناس وازدرائهم جعل الله عز وجل العذاب يصل إلى المكان مصدر ذلك الاحتقار والازدراء، تطلع على الأفئدة وتعرف ما فيها وتذيب ما فيها من الكبر. ولذلك أقول نقِّ قلبك من الكبر، نقِّ قلبك من الضغينة، إحرص على أن تكون صادقاً مع نفسك وتظهر قلبك من كل شر وبلاء ودخن.

 

د. الربيعة: يختم الله هذه السورة بقوله (إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ (8) فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ (9)) مغلقة مؤصدة وهم أيضاً في عمد ممددة مقيدون مسلسلون بتلك العُمد يعذبون بها في نار جهنم والعياذ بالله. هذه السورة تعطينا عظم تولي كِبر الصدّ عن سبيل الله بالأذى باللسان بالاستهزاء بالمؤمنين ويا ويل لمن اتخذ هذا وظيفة له في هيه الحياة! في أي مجال من مجالات الحياة، في الصحف، في القنوات، في مواقع الانترنت، يا ويله! ونعوذ بالله أن نكون من أهل هذا الوصف. فعلينا إخوة الإسلام أن نحذر من هذه الأوصاف ونسأل الله عز وجل أن يحفظنا وإياكم وأن يجعلنا ممن ينصر هذا الدين بقوله ولسانه ولنا لقاء بإذن الله تعالى في جلسة أخرى وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل