لنحيا بالقرآن - سورة العصر

برنامج لنحيا بالقرآن - سورة العصر

د. محمد بن عبد العزيز الخضيري - د. محمد الربيعة

(تفريغ موقع إسلاميات حصريًا)

(وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) العصر)

د. الخضيري: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. هذا هو المجلس الثامن عشر من مجالسنا في حلقات برنامجكم "لنحيا بالقرآن". هذه الحلقات المباركة التي نتدارس فيها آيات قصار المفصّل ونحاول أن نطبق هذه الآيات في حياتنا أو نأخذ من هذه الآيات ما نعمل به في حياتنا ونعطيكم بذلك النموذج العملي كيف نجعل من هذه الايات آيات تعيش في واقعنا وتحيا معنا ونهتدي بهديها ونقبس من نورها ولا يكن مجرد طلب الثواب أو البحث عن الأجر بكثرة قراءة الحروف هو المقصود الأعظم لنا، نعم الإنسان يؤجر بقراءة هذه الحروف ويثاب على ذلك ولله الحمد والمنّة ولكن أعظم من ذلك أن يهتدي الإنسان بالقرآن (إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ (9) الإسراء). اليوم معنا سورة عظيمة قال فيها الإمام الشافعي رحمه الله "لوما أنزل الله حجة على خلقه إلا هي لكفتهم"، إنها سورة العصر هذه السورة التي قلّت آياتها وقصرت كلماتها لكن عظمت معانيها وجلّت واتسعت حتى شملت الدين كله. أقسم الله سبحانه وتعالى في أولها (وَالْعَصْرِ) ثم بيّن المُقسَم عليه (إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ) ثم استثنى من هؤلاء الخاسرين وهم كل الناس (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ). هذه السورة على قلة ألفاظها إلا أنها كبيرة المعاني والله لو حققناها في حياتنا لعلمنا أننا قد عملنا بالدين كله وكانت سبباً في نجاتنا وسبباً في صلاح جميع أحوالنا.

د. الربيعة: لعلي قبل هذا أشير إلى المعنى في مقصد السورة وفي موضوعها. السورة تلحظ منها تعظيم هذا الزمن الذي يعيشه الإنسان. جاء التعظيم من القَسم الذي افتتح الله تعالى به السورة ولذلك سميت السورة بالعصر لعظمة هذا الزمن الذي هو موضع العمل، العمل الصالح والعمل الفاسد، فيقسم الله تعالى بهذا الزمن الذي جعله الله وقتاً للعمل حُقّ له أن يُقسم به وإنه عظيم.

د. الخضيري: يعني النجاة الخسران والفلاح والفوز والبطر كله في هذا الزمان؟ في هذا الزمن فلتعتني أخي المسلم بهذا الزمن لكي تنجو.

د. الربيعة: فيه نجاتك، فيه خسارتك وفيه فوزك.

د. الخضيري:  قال النبي صلى الله عليه وسلم مصداقاً لهذا الملام "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة الصحة والفراغ" يعني أن كثيراً من الناس عنده هاتان النعمتين ولا يحسن الإستفادة منهما ولا يستطيع أن يسخرهما لكي يكونا سبباً لنجاته وسبباً لتحصيل الخير له في الدنيا وفي الآخرة.

د. الربيعة: لعلنا نقف مع بداية السورة في قول الله عز وجل (والعصر) فتقف هنا تتأمل هذا العصر هذا الوقت الطويل، هذا العمر الذي تعيشه أنت أيها الإنسان وهذه الحياة التي سخرها الله عز وجل. تأمل هذه الوقفة في هذه الآية لها دلالة في تأملك وتدبرك لتعرف حقيقة هذا الوقت والإنسان لا يمكن أن يستفيد من الشيء إلا إذا عرف قيمته وقدره (ولو عظّموه في النفوس لعُظِّم) كيف تستفيد من وقتك؟ أن تتأمل فيه، لماذا خُلقت فيه؟ لماذا سخره الله لك وهيأه الله لك؟ إنه لأجل أن تعمل فيه بما يرضي الله عز وجل ويكون فيه نجاتك. (والعصر) ولفظ العصر هنا فيه فخامة وفيه عظمة فالتأمل في هذا العصر وهذه الحياة وهذا الزمن يجعلك تدرك حقيقة الزمن. إذا عرفت أنك اليوم شاباً ومتعك الله ستكون يوماً من الأيام كبيراً، أين زمن الشباب؟ ولّى وذهب. إذا كنت كبيراً فإن زمنك قد قرُب على الزوال فاغتنم ذلك

د. الخضيري: وكما ورد في الحديث "خذ من صحتك لمرضك ومن شبابك لهرمك"

د. الربيعة: ينبغي أن نتأمل في هذا الوقت، كثير من الناس تضيع عليه أوقاته وأيامه لأنه لا يدرك أهمية هذا الزمن وقيمته في الحياة ولو أدرك ذلك حقيقة لاغتنمه اغتناماً صحيحاً ثم يقول الله عز وجل بعد ذلك (إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ)

د. الخضيري: يعني كل الناس خاسرون

د. الربيعة: في الأصل الإنسان خاسر

د. الخضيري: (وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا (71) مريم)

د. الربيعة: الإنسان بكونه إنساناً لكن حينما يتصف بصفات الدين فيكون مسلماً أو مؤمناً أو محسناً فإنه سينقلب من الخسران إلى الفلاح فالإنسان في أصله خسران إلا بما يملأ به هذا الزمان وهذا العصر بما يجعله رابحاً

د. الخضري: مما يؤكد كلامك من أن الإنسان خاسر قول الله عز وجل (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) الأحزاب) في الأصل أن الإنسان مركب فيه الظلم والجهل فإذا استجاب لهما ولبّى داعيهما في نفسه ولم يترفع ويزكي نفسه بالأخلاق الطيبة والعلم النافع والعمل الصالح فإنه لا محالة خاسر. ولذلك لكا يقول الله عز وجل لآدم يوم القيامة يا آدم أخرِج بعث النار فيُخرج بعث النار، من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، والناجي من بني آدم واحد من ألف، هذا هو الناجي. هل أنت هذا الواحد؟ تأكد فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر أن الذي ينجو من بني آدم واحد من ألف، فهل عملت حتى تكون هذا الواحد؟

د. الربيعة: عمر رضي الله عنه كان يقول: لو قيل يوم القيامة كل الناس ناجون إلا رجل لظننت أني أنا هذا الرجل، من خوفه وهو عمر بن الخطاب رضي الله عنه!. في هذا السياق لو تأملنا واقع الناس اليوم في حياتهم لوجدنا أن كثيراً من الناس مغبون ومحروم من وقته وخسران، كم تضيع علينا الأوقات؟! تجد الإنسان يسمر مع زملائه ساعات ولا يبالي مع الأسف ولا يظن أنه خاسر 

د. الخضيري: وعندما تقول هه في المقابل يا فلان هناك محاضرة، هناك درس، هناك جلسة قرآن، يقول لك والله أنا مشغول، عندي ارتباط، تأتي المشاغل وتأتي الهموم وتأتي الارتباطات عندما تكون هناك جلسة حقيقية تعيد الإنسان إلى صوابه وتعود بوصلة الإنسان للإتجاه الصحيح. أما عندما يكون هناك سمر وسهر ولعب ولهو فإن الإنسان يعطي الأوقات بلا حساب

د. الربيعة: أضرب مثالاً في وقت الصلاة تجد الناس إذا أتوا للصلاة وتأخر الإمام دقائق معدودة فإذا هم ينظر الواحد منهم إلى الآخر ثم إذا سلّم الإمام وخرج ربما يقف هو وصاحبه ساعة كاملة يتحدثون عند الباب في أمور الدنيا

د. الخضيري: أو ذهب إلى بيته وبقي أمام التلفاز يشاهد البرامج والله لا تعود عليه بشيء من النفع.

د. الربيعة: لماذا؟ أن مقياسه للحياة مقياس عكسي لو كان يعرف حقيقة هذا الزمن والوقت وأنك بطاعة الله ومكوثك في المسجد الذي تستغفر لك به الملائكة والله لازدت بذلك طمأنينة ومكوثاً. ثم الواقع الذي نعيشه تجد بعض الشباب يسمر مع أصحابه في استراحة أو على البحر أو في نزهة طيلة الليل ومن جلوسهم إلى انتهائهم لا يذكرون الله.

د. الخضيري: وهذه مصيبة. يقول النبي صلى الله عليه وسلم "ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله تعالى فيه ولم يصلّوا على النبي صلى الله عليه وسلم فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار". دعنا ننتقل إلى شروط النجاة والخسران، ذكر الله أربعة شروط يعني من حققها نجا ومن أخل بواحد منها فله نصيب من الخسران، قد يكون الخسران كاملاً وقد يكون ناقصاً قال (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)

د. الربيعة: لعلنا نشير إشارات.

د. الخضيري: أولها الإيمان. أنا أريد أن أسأل نفسي وأسأل المشاهدين هل نحن مؤمنون حقاً؟ المؤمن حقاً هو الذي يرى ما وراء الغيب كأنه بين عينيه. أنت مؤمن بالجنة؟ تقول نعم أنا مؤمن بالجنة، لو كنت مؤمناً بها حقاً لعملت لها. أنت مؤمن بالنار؟ لو كنت مؤمناً بها حقاً لخفت منها ولحذرت منها. مثل أن تقول لإنسان أنت تحب الغنى؟ يقول نعم أنا أحب الغنى ولذلك أخرج إلى العمل من الصباح إلى الليل. هل تخاف من الفقر؟ نعم أنا أخاف من الفقر بدليل أني ما أترك فرصة يبدو لي فيها ربح أو مكسب إلا بادرت إليها. غذن أنت بالفعل تحب الغنى وتخشى الفقر. إذا لماذا لا تعامل الجنة والنار بمثل ذلك؟ لأن الإيمان ضعيف، باهت، قد ذبُل في نفسك. إذن ينبغي أن أراجع إيماني، إيماني بالله، إيماني برسله، اسماني بملائكته، إيماني باليوم الآخر، إيماني بالقدر، إيماني بالكتب، إيماني بكل ما أوجب الله عز وجل.

د. الربيعة: يعني من أعظم مقاييس الربح وموازينه الإيمان.

د. الخضيري: ساسمعك قصة ولا تخفى على مثلك. رجل رأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو ذاهب إلى خيبر فدعاه النبي إلى الإسلام فأسلم ولما أسلم دخل الإيمان في قلبه فقال له بعض الصحابة إذهب إلى صاحبك فقال بل أذهب فأرد إليه الغنم وأعود لأقاتل مع رسول الله فقال له النبي صلى الله عليه كأنه لم يستعجل عليه فقاللا، ألم أبايعك على أني إن قاتلت معك فقتلت دخلت الجنة؟ قال نعم، فذهب وردّ الغنم إلى صاحبها ثم جاء فقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أشار في كلامه مع رسول الله قال أريد يا رسول الله أن يأتيني سهم طائش فيضربني هاهنا فأموت فأدخل الجنة، فوجدوه وقد ضربه سهم في المكان الذي اشار إليه ولم يسجد لله سجدة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنه لم يسجد لله سجدة ومع ذلك دخل الجنة. انظر إلى مستوى الإيمان عندما ارتفع عند هذا الرجل تحقق له النجاة به بإذن الله.

د. الربيعة: أعظم موازين الربح الإيمان ولذلك يقول عمر رضي الله عنه "لو وُزِن إيمان الأمة بإيمان أبي بكر لرجح إيمان أبي بكر" لعظم إيمانه. الميزان الثاني من موازين الربح والخسارة هو العمل الصالح ربحاً والعمل السيء خسارة. فالعمل الصالح هو جميع أمور الطاعات بعد الإيمان من الصلاة والذكر وبر الوالدين وصلة الرحم والنفقة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحسن الخُلُق

د. الخضيري: والقيام بهذه الوظائف الموكولة إلينا وأدائها على الوجه الصحيح هذه من العمل الصالح. والثالث التواصي بالحق أن أوصيك بالحق وتوصيني، أن أكون مرآة لك وأن تكون مرآة لي، اصدق معك وتصدق معي، أنصحك وتنصحني

د. الربيعة: والله هذه التي نحن بحاجة إليها.

د. الخضيري: والآن نلاحظ أن مجتمعاتنا صارت تسقط إذا رأينا واحداً من إخواننا قد نقصت دنياه جميعاً ننكب وننصحه عندما نراه قصّر في دنياه. مثلاً الأب لما يرى ابنه قد تخلف عن وظيفة أوعن المدرسة ينصحه ويشفق عليه ويعظه وقد يزجره ولا يهنأ له نوم ويخاف عليه أن يخسر في الدنيا، لكن عندما ينام عن الصلاة، عندما يترك الصوم، عندما لا يبادر إلى الحج، عندما لا يطيع الله عز وجل يقول لكم دينكم ولي ديني والهادي هو الله. لماذا لا يكون الهادي هو الله في أمور الدنيا؟

د. الربيعة: إذن يجب علينا أن نتواصى بالحق

د. الخضيري: وأن يكون كل واحد منا مرآة لأخيه. ويختم بالتواصي بالصبر.

د. الربيعة: التواصي بالصبر ختم الله بها هذه الصفات لأنها جامعة لهذه الأمور، نحن بحاجة إلى الصبر في الإيمان والعمل الصالح والتواصي. والتواصي بالصبر يعني في واقع حياتنا أن نصبر على طاعة الله ونصبر عن معصية الله ونصبر على أقدار الله المؤلمة، هذا هو كمال الصبر. ونحن في هذه الحياة كم تأتينا من الأمور التي ربما يواجهها الإنسان وقد لا يصبر. يحتاج لأن يوثق نفسه بالصبر. فأنت أيها المؤمن حينما تتصف بهذه الصفات الأربعة الإيمان والعمل الصالح ثم تنشر هذا الإيمان والعمل الصالح بالدعوة والتواصي بينك وبين إخوانك ثم تصبر وتثبت إن هذا هو الدين الحق وأن هذا هو الربح والفوز.

 

د. الخضيري: ومما يؤكد كلامك بأن الصبر ليس صبراً على أقدار الله فقط وإنما أيضاً على طاعة الله قول الله عز وجل (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132) طه) لما استعمل الصبر في أمر الأهل بالصلاة قال واصطبر عليها لا نسألك رزقاً نحن نرزقك والعاقبة للتقوى. هذه الأمور الأربعة إذا التزمنا بها وقمنا بها وتعاهدنا عليها ووصى بعضنا بعضاً بها فإننا والله مفلحون ناجحون مدركون لخيري الدنيا والآخرة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعينني وغياكم على ذلك وإلى لقاء قادم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل