لنحيا بالقرآن - سورة الفيل

برنامج لنحيا بالقرآن - سورة الفيل

د. محمد بن عبد العزيز الخضيري - د. محمد الربيعة

(تفريغ موقع إسلاميات حصريًا)

(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ﴿١﴾ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ﴿٢﴾ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ ﴿٣﴾ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ﴿٤﴾ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ﴿٥﴾ الفيل)

د. الخضيري: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. هذا هو المجلس التاسع عشر من مجالسنا المباركة في هذا البرنامج "لنحيا بالقرآن". كما وعدناكم وكما عاهدناكم سنقف مع كل سورة من سور قصار المفصل لنأخذ وقفة أو وقفتين أو حسب ما يقتضيه المقام ونتحدث عن معنى الآية وكيف نحوّلها إلى برنامج عملي في حياتنا. هذا ما نقصده لنجعله منهجاً من مناهج التدبر التي طالبنا ربنا سبحانه وتعالى أن نُعامل بها كلامه ونقوم بها تجاه آيات الكتاب العزيز. معنا اليوم سورة الفيل، هذه السورة التي جعلها الله سبحانه وتعالى سلوةً للضعفاء، الضعفاء الذين لا يجدون حيلة ولا يهتدون سبيلا، يسلّيهم الله عز وجل بهذه السورة ويقول لهم إنه سينصر أولئك الضعفاء وإن لم يكن بأيديهم ما ينتصرون به فالله قادر على كل شيء وبيده الأمر كله وله القوة كلها سبحانه وتعالى. وتعرفون -ولا يخفى على شريف علمكم- قصة الفيل عندما جاء أبرهة بجنود كثيرة ومعه أفيالٌ لا عهد للعرب بها قد قدِم بها من أرض الحبشة فجاء ليهدم بها الكعبة وليُذِلّ بها خُدّام الكعبة وليريهم أنه أعلى منهم شأناً. فماذا حصل؟ لما وقف على أبواب الحرم أرسل الله عز وجل عليه الطير الأبابيل إلى نهاية وحصلت القصة المعروفة فقتل من كان معه وقتل أبرهة ذاته فجعل الله عز وجل ذلك آية ونصراً عظيماً ودافع الله عز وجل عن حرماته وعن هذه المقدسات الشريفة وانتصر للضعفاء. في هذه السورة سنجعل المعلم الأول هو معلم الانتصار للضعفاء وأن الله هو القادر على شيء

د. الربيعة: هذه السورة تعطي المؤمنين سلوى بتعظيم قوة الله وأن قوة أهل الأرض مهما بلغت فليست عند الله وقوته شيئاً. انظر كيف غمز الله عز وجل إلى قوة الكافرين بالفيل الذي هو في جيش أبرهة علامة على أنه أقوى سلاح عندهم. فهذا الفيل الذي سُميت به السورة للدلالة على عظمته وأنه اتُخذ ليكون هيبة لقريش لجسده وعظمته وأن يروه بهذه المهابة فإنما اتخذ ليكون قوة عظمى. هذه القوة ماذا جعلها الله عز وجل؟ أولاً سخرها الله عز وجل بعدم تحقيق مرادهم فجثى الفيل ورجع إذا وُجِّه للكعبة توقف وإذا وُجّه للحبشة رجع. إذن نستطيع أن نأخذ من هذا أننا نحن المسلمون يجب أن لا نهاب ونخشى ونخاف قوة أعداء الله مهما بلغت ويجب ان نعظِّم قوة الله فقوة الله أعظم من كل قوة. إذا كان هذا حقاً يقيناً في قلوبنا فإننا بإذن الله عز وجل سيقوينا الله عز وجل وسيسخر لنا قوة أهل الأرض.

د. الخضيري: إذن نحن علينا أن نتفقد أنفسنا في معاملتنا مع الله ولنعلم أن الله سبحانه وتعالى إذا تفقدنا هذه الأنفس فإن الله سينصرنا (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ (30) الشورى) ولذلك قال الله عز وجل (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ (165) آل عمران) فنحن نقول القوة من عند الله والنصر من عند الله وهذه القوة التي بايدي الكافرين لا يمكن أن تعمل عملها أو تؤثر أثرها إلا إذا أذن الله لها بذلك. ولعل من الشواهد على ذلك ما مضى في سائر الأيام فيما مضى من هذه الأيام السابقة لنا عندما جاء اليهود بقدهم وقديدهم ومعهم السلاح الفتاك ومعهم قوة أميركا والدول الأوروبية لا ليغزوا دولة وإنما ليغزوا قرية اسمها غزّة وأحاطوا بها وجمعوا لها الجنود والعتاد والقوة ومعهم كل شيء وحاصروا إخواننا عاماً كاملاً منعوا عنهم الغذاء والمعدات وكل شيء ثم أرادوا أن يستأصلونهم وبقوا ثلاثاً وعشرين يوماً وهم يدكّونهم ليل نهار ويدمرون البيوت والبنى التحتية، ماذا حصل؟ رجعوا ولله الحمد خائبين خاسرين وكانت دليلاً على أن النصر بيد الله وأن الله سبحانه وتعالى هو الذي يدير هذه الأمور ويدبر ما يشاء ويفعل ما يريد.

د. الربيعة: مع أنهم استخدموا أسلحة لم يستخدموها من قبل. فهذا دليلنا في السورة تعطينا هذه السورة قدرة الله وعظمته سبحانه وتعالى وتعطينا ضعف أهل الأرض مهما بلغوا ومهما بلغت قوتهم ومهما آتاهم الله من قوة فهذه القوة من الذي سخرها لهم؟ إنه الله. الآية الأولى يقول الله عز وجل فيها (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ) الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ابتداء وهي خطاب للأمة كلها ألم تروا كيف فعل الله بأصحاب الفيل؟

د. الخضيري: هم لم يروا بالفعل لأن النبي صلى الله عليه وسلم وُلِد عام الفيل فالمقصود بـ (ألم تر) يعني ألم تعلم كيف فعل ربك بأصحاب الفيل.

د. الربيعة: رمز لهم بأصحاب الفيل، أصحاب تلك القوة. ثم قال (أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ)

د. الخضيري: ألم يجعل كيدهم، تخطيطهم، تدبيرهم، كونهم يبثون الرعب بين العرب بهذه الآلة التي لا علم للعرب بها جهل الله كيدهم في تضليل يعني جعل تدبيرهم تدميراً عليهم، هم كادوا كيداً (وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) إبراهيم) لكن الله سبحانه وتعالى مكره أعظم، يمكرون ويمكر الله، يكيدون والله سبحانه وتعالى يكيد من ورائهم ولا يشعرون. وهذا ما نراه بأنفسنا عندما كادنا أعداؤنا سواء في غزة أو في العراق أو في مواقع أخرى من بلاد المسلمين، أرادوا شيئاً وخططوا له ودبروا له وكادوا المسلمين لكن الله سبحانه وتعالى أبطل كيدهم وردّه في نحورهم.

د. الربيعة: وتأمل قول الله عز وجل (أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ) أضلهم هم كانوا على تخطيط ثم أضلّهم الله عن هذا التخطيط الذي كانوا عليه.

د. الخضيري: (وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ) يمكن أن نستبط منها استنباطاً جميلاً وهي أن قوة الله سبحانه وتعالى كانت في هذه الطائرات الحيّة التي جاءت على هؤلاء المشركين من فوقهم وهذا يجعلنا نقول لأنفسنا وللمسلمين أنه يجب على المسلمين في هذا الزمان أن يمتلكوا هذه القوة وهي قوة الطيران ويستقلوا بها حتى يستطيعوا أن يهيمنوا بها على أرض المعركة.

د. الربيعة: يعني نستطيع أن نقول أن من أعظم القوى قوة الطيران. ولعل هذا يشهد له قوله تعالى (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى (17) الأنفال) هذه الطائرات ليست إلا بالرمي.

د. الخضيري: وهذه الطيور التي جاءت كانت تحمل معها حجارة فوقفت فوق هذا الجيش وبدأت ترميهم بحجارة حتى أبادتهم وأهلكتهم عن آخرهم فلم ينجو منهم ديّار.

د. الربيعة: وهنا ملحظ، انظر كيف أن الله عز وجل عامل هؤلاء أصحاب هؤلاء القوة أرسل عليهم من أضعف جنده، طيور صغيرة ماذا تُغني؟، أرسل عليهم طيوراً ليعلموا أن هذه الطيور مرسلة بقوة الله لم يرسل عليهم جبالاً ولم يرسل عليهم قوة عظيمة وإنما أرسل عليهم جنداً ضعيفاً هذا وهو ضعيف فكيف لو كانت القوة العظمى من الله عز وجل؟! فالله تعالى بقدرته وقوته يستطيع أن يُبطل أعظم قوة في الأرض بأضعف جند.

د. الخضيري: نعم وانظر إلى الريح، هذا الهواء اللطيف يسلطه الله سبحانه وتعالى علة من يشاء فيدمر ويذهب ويزيل ويقتلع الأشجار والأحجار والرجال العتاة الغلاظ حتى يجعلهم الله تعالى كأنهم أعجاز نخل خاوية، وهي ريح، هواء لطيف يسخره الله فيكون رحمة ويسلّطه فيكون عذاباً شديداً. ولذلك نحن نقول ينبغي علينا أن نكون مع الله وأن لا نخاف من أحد إلا من الله سبحانه وتعالى وأن تكون ثقتنا بالله وبما عند الله سبحانه وتعالى عظيمة جداً.

د. الربيعة: ما معنى أبابيل؟

د. الخضيري: طيراً أبابيل يعني جماعات غثر جماعات فكانت هذه الطيور تأتي من جهة البحر كما يقول بعض المفسرين تأتي جماعات إثر جماعات ومعها هذه الحجارة التي هي من سجيل أي من طين قد طُبخ وقد تصلّب.

د. الربيعة: قال بعض المفسرين أنها من حجارة النار.

د. الخضيري: من حجارة النار. فالمهم تأتي هذه الطير وترمي بالحجارة على هؤلاء الكفار وتقاتل عن بيت الله سبحانه وتعالى وهذا يدلنا على أن بيت الله محمي وأن شرع الله عز وجل لا يمكن لأحد أن يستأصله من الأرض كما قال الله جل وعلا (جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلاَئِدَ (97) المائدة) فهذه الكعبة باقية إلى أن ياذن الله عز وجل بزوالها فإذا زالت زال العالم وزالت الأرض وما عليها واذن الله بقيام الساعة.

د. الربيعة: لعلنا نتدبر ختام السورة (فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ)

د. الخضيري: مثل الهشيم اليابس الذي قد أكلت الدواب شيئاً منه وداست شيئاً منه فصاروا في وضع يرثى له من شدة ما أصابهم من البلاء وما نزل بهم من العذاب نسأل الله العافية والسلامة. جاؤوا متكبرين وجاؤوا وهم ممتلئون حماسة وحيوية وإذا بالنتيجة تنتهي عند هذا الحدّ نسأل الله العافية والسلامة.

د. الربيعة: الحقيقة أن هذه السورة العظيمة سورة الفيل فيها تسلية للمؤمنين وبيان بأن الله عز وجل هو قوتهم العظمى حينما يتسلحون بالإيمان به والتوكل عليه والاعتماد عليه عز وجل أولاً وآخراً ثم الاستعانة بالأسباب التي يسخرها الله عز وجل بقوة كما قال الله عز وجل (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ (60) الأنفال) فالله تعالى أمرنا بفعل الأسباب لكن قبل ذلك أعظم سبب إيماننا ويقيننا بالله عز وجل. هذه السورة العظيمة نحن بحاجة إليها في هذا القوت الذي طغت فيه أمم الكفر وتجبرت وأذلّت المسلمين وسامتهم سوء العذاب في بقاع من الأرض. نحن بحاجة إلى أن نعتصم بقوة الله ونرجع إليها ونعلم أن هؤلاء حينما يصدون عن سبيل الله عز وجل فإن الله سيقهرهم ولكن يأمرنا الله عز وجل بأن ننصر دينه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7) محمد) نصر الله يأتي.

 

د. الخضيري: لعلنا قبل نختم لقاءنا حول هذه السورة العظيمة أذكر لطيفة جميلة وهي قوله (بِأَصْحَابِ الْفِيلِ) فهم صاروا أصحاباً للفيل ولم يكن الفيل صاحباً لهم، لماذا؟ لأن الفيل جاء لمهم وهو قائم بأمر الله عز وجل يؤدي مهمته في نقل الناس وفي خدمتهم، لكن لما كانت مقاصدهم سيئة ومقصده ليس سيئاً لما جاءت النهاية التي هم أرادوها أن يستعملوا الفيل في تدمير عباد الله هذا الفيل أبى، فصاروا هم أصحاباً للفيل وكان الفيل سيداً. انظر إلى الكلب في سورة الكهف نُسِب إلى الفتية (سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ (22)) الكلب نُسب إليهم لأنه تابع للمؤمنين، وهنا هم أصبحوا تابعين أصحاب الفيل، لم يُذكروا ولم يبيّن حقيقتهم وإنما عُرّفوا أنهم أصحاب الفيل فكأن الفيل خير منهم ونحن نقول لكل مؤمن ولكل مؤمنة، هذا الحيوان قد يكون خيراً منك لأنه عرف حقيقة ما خُلِق له ولم تعرف أنت حقيقة ما خُلِقت له. لعلنا نختم بهذا المعنى. نسأل الله تعالى أن ينفعنا بكتابه وكلامه. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه وإلى لقاء قادم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل