لنحيا بالقرآن - سورة الماعون

برنامج لنحيا بالقرآن - سورة الماعون

د. محمد بن عبد العزيز الخضيري - د. محمد الربيعة

(تفريغ موقع إسلاميات حصريًا)

د. الخضيري: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه هذا هو المجلس الحادي والعشرون من مجالس برنامجكم "لنحيا بالقرآن". هذا المجلس مخصص لسورة الماعون، هذه السورة التي تتكون من آيات معدودة يقول الله تعالى فيها (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ﴿١﴾ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴿٢﴾ وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ﴿٣﴾ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ﴿٤﴾ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ ﴿٥﴾ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ ﴿٦﴾ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴿٧﴾) هذه السورة هي سورة تتحدث عن المكذبين بيوم الدين وعن أخلاقهم السيئة تنفر من تلك الأخلاق وتبين أثر التكذيب بالدين على أخلاق الإنسان. إن الإنسان إذا كذب بالدين ظهر أثر ذلك على حياته فتجده لا يبالي بحقوق الخلق لا يبالي بالضعفاء ولا يرحم المساكين ولا يقوم بالواجبات ولا يقري الضيف ولا يكرم الجار ولا يحسن إلى الناس ولا يحترم الأنظمة لأنه لا يؤمن باليوم الآخر ويظن أن الحياة هي هذه الحياة وكفى ولذلك هذه السورة جاءت لتبين لنا كيف أن التكذيب بالدين يؤثر بالإنسان وعلى طريقة تعامله مع الحياة والأحياء وطريقة تعامله مع أوامر الله عز وجل ونواهيه فهي تطغى عليه تهيمن عليه وعلى تصرفاته. هذا ملاحظ جداً وسيبين الدكتور محمد كيف هذا الأثر يظهر على الإنسان عندما مكذباً بيوم الدين.

د. الربيعة: هذه السورة تتحدث عن المكذبين بالدين وصفاتهم وبيان أثر هذا التكذيب في سوء الأخلاق وسوء التعامل وانعدام نفع الناس أن يكون الإنسان المكذب همه نفسه مصلحته لأنه لا يؤمن بالجزاء ولا يؤمن بالآخرة. فما الذي يدعوه إلى الإحسان وما الذي يدعوه إلى البذل والعطاء إلا رياء وسمعة أو مصلحة شخصية فإذا انعدم الإيمان باليوم الآخر انعدم نفع الإنسان للناس وبذله وعطاؤه. وتأمل كيف سميت هذه السورة بسورة الماعون. هناك علاقة بين هذا الاسم فإن هذا الماعون إناء الطعام يشير إلى أن المكذبين بالدين يبخلون بالنفع والعطاء حتى بالماعون لأن العرب من عادتهم في قلة آنيتهم وقلة ما عندهم كان يستعير بعضهم من بعض فإشارة إلى أنهم يمنعون الماعون فضلاً عن أنهم يعطون الطعام بالماعون ويمنحونه.

د. الخضيري: قد نجد أناساً ينضبطون بالأخلاق وينفعون الناس وهم لا يؤمنون باليوم الآخر ولكن كل ذلك لمصالح حاضرة وعاجلة. مثل الآن ما نراه من الغربيين تجدهم منضبطين في حياتهم منضبطين بالأنظمة واللوائح والقواني التي تسنها الدول ما الذي يحدوهم إلى ذلك؟ الخوف من الجزاء والعقوبة الدنيوية وليس العقوبة الأخروية ولذلك إذا أمنوا هذه العقوبة نجدهم أول من يلقي بهذه القوانين والأنظمة عرض الحائط ولا يبالي بها. ولذلك تجد في بلادهم أحياماً كتب تصدر تقول لك كيف تستطيع الوصول إلى الشياء الفلانية من دون أن يكون هناك مدخل عليك من جهة الأنظمة، ليس هناك خوف من الآخرة، ليس هناك خوف من الجزاء والحساب. أبيّن هذا في مشهد يتكرر كثيراً، تجد مثلاً هؤلاء أمناء عندما تتعامل معهم معاملة مالية تجد أن هناك قدر واضح من الأمانة قد لا تجد عند بعض المسلمين للأسف الذين هم مسلمون بالاسم ولكنهم لا يمتثلون إسلامهم على الحقيقة. هذه الأمانة هل هي صادرة من الإيمان باليوم الآخر؟ لا وكلا، هي من رجائه لأن تتم المعاملة بينك وبينه حتى يضمنك كزبون لمصلحة يريد تحقيقها. الدليل على ذلك أُنظر إليه في تعامله مع والديه عندما يبلغ الثامنة عشرة يغادر بيت والديه ويذهب يضرب في الحياة، لا يكاد يعرف والديه إلا في السنة مرة في عيد الميلاد أو رأس السنة يرسل بطاقة أو رسالة قصيرة أو يتصل بالهاتف ويسلم على والده ووالدته. عندما نذكر قيمة الوفاء هم أوفياء لكن ليس لأجل الآخرة وإنما لمصالح دنيوية آنية متى علموا أنها لا تفيدهم ضربوا بها عرض الحائط. ولذلك من أحق الناس بالوفاء؟ أليس والديك؟  اللذان قاما عليك وأديا حقوقك وأطعماك واجتهدا في تربيتك ثم بعدما بدأ نفعك ذهبت وتركتهما وتبخل عليهما بنصف دولار ترسله إليهم

د. الربيعة: أذكر مثالاً على هذا في أخلاق الكافرين فيما بينهم مما يدل على جفاف نبع الخير في نفوسهم والعطاء والنفع والسبب في ذلك هو عدم الإيمان باليوم الآخر. أرأيتهم كيف تعاملهم فيما بينهم إذا ذهب بعضهم مع بعض للمطاعم تجد كل واحد يشتري لنفسه كما يقال للأسف الشديد من بعض الشباب الذي يريد أن يقلدهم "على الطريقة الأميركية". أذكر مرة من المرات كنت مع أحد الشباب ذاهب من القضيم إلى الرياض وفي الرياض وقفنا عند مطعم وقال نحن على الطريقة الأميركية فقلته له ما هي الطريقة الأميركية؟ قال تشتري لتفسك واشتري لنفسي، قلت أنا أعتذر عن هذا فأعطيت صاحب المطعم النقود فجاء ليحاسب فعاتبني فقلت هذا ليس على منهجنا وعادتنا للأسف الشديد شبابنا يظنون أن هذه الطريقة طريقة حضارية وهي الحقيقة دليل على عدم الرحمة فيما بينهم والتعاون فيما بينهم وبذا العطاء والنفع فيما بينهم.

د. الخضيري: وعدم رجاء الآخرة. النبي صلى الله عليه وسلم أول ما دخل المدينة ما هي الكلمات التي أعلنها كدستور وميثاق للمسلمين وهو راكب على ناقته القصواء؟ لم يحط رحاله في مدينته، كان يقول أربع كلمات، كان يقول: "أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصِلوا الأرحام وصلّوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام" أربعة أشياء ثلاثة منها في نفع الناس هذا موعود عليه وعد أن تدخلوا الجنة بسلام فإذا أردت أن تدخل الجنة بسلام أفشي السلام وأطعم الطعام وصِل الأرحام وصلي بالليل والناس نيام، أسأل الله أن يجعلني وإياكم كذلك. 

د. الربيعة: لو أخذنا صفات الكافرين من خلال السورة يقول الله عز وجل (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ) لاحظ هذا الاستفهام، اشاهدت هذا المكذب كيف أخلاقه؟ لتعلم أن تكذيبه بالدين يدل على أنه إنسان غير سوي بأخلاقه وتعامله إذن نستطيع أن نحكم على الإنسان في خلقه وتعامله مع الناس في مدى صدقه وفي مدى حسن تعامله ووفائه، في مدى بذله وعطائه وهذا يجعلنا نقول أننا نحن المسلمون ينبغي أن يكون بيننا من التعاون والتراحم والتعاطف والعطاء والبذل مما يظهر في صفاتنا مقارنة بغيرنا

د. الخضيري: ولذلك أقول عوداً على بدء متى تأخر الإيمان بالدين عنا أو غاب عن قلوبنا وعن حياتنا فإن ذلك سوف يظهر في أخلاقنا وأفعالنا وتصرفاتنا. تلاحظ الآن في حياة المسلمين ما الذي يجعلهم يكذبون ويغشون ويفعلون أفعالاً نكراء لا يبالون بحقوق الناس، يظلمون الخلق، يعتدون على أموالهم ويعتدون على أعراضهم، ما هو السبب في ذلك؟ السبب ليس أنهم لا يؤمنون بالدين ولكنهم لأن الإيمان بالدين قد غاب عن أذهانهم، لا يشاهد الجنة ولا يشاهد النار كأنه يراها رأي العين، فهو يعيش في دنياه ولذلك عنده استعداد أن يظلم ويسرق ويأكل مال الناس ويرتشي، يفعل المنكرات والمحرمات مع أنه مقتنع بأنها محرمات ومع أنه مقتنع بأنه سوف يجازى ويحاسب عليها يوم القيامة ولكن هناك غيبة وهناك غفلة وهناك تغطية على القلب حول هذه الأشياء التي تسير الإنسان وتغير مسارات

د. الربيعة: إذن نستطيع أن نقول أن من علامات صدق الإيمان نفع الناس وخاصة الضعفاء كما قال الله عز وجل في سورة البلد (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ﴿١١﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ﴿١٢﴾ فَكُّ رَقَبَةٍ ﴿١٣﴾ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ﴿١٤﴾ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ﴿١٥﴾ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ﴿١٦﴾) العطاء للمساكين دليل على أنه عندك إيمان لأن هؤلاء ليس بينك وبينهم مصلحة، لا ترجو منهم شيئاً هؤلاء ضعفاء مجردون من كل ما يمكن أن يمنحونك من مصالح فكلما كنت قريباً من المساكين كلما كنت أدل على صدق إيمانك وقوة دينك.

د. الخضيري: ننتقل إلى الموطن الآخر الذي نحاول من خلاله أن نركز انتباه المشاهدين على ما في هذه السورة من نواحي عملية. قال الله عز وجل مبيناً صفات هؤلاء الكافرين (فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3)) يدع اليتيم يعني يدفعه عن حقه وهو لا يريد أن يعطيه شيئاً لا من حقه ولا من حق الله الذي أوجبه له. الله عز وجل أوجب لليتيم الاحترام والعطف والرحمة واللين والحلم ولذلك قال (فذلك) وأشار إليه إشارة إلى البعيد لأنه قد أبعد عن رحمة الله وأبعد عن معية الله سبحانه وتعالى.

د. الربيعة: وتأمل كلمة (يدُعّ) كلمة فيها قوة ليست فقط يمنع بل يمنع ويدفع بإهانة وازدراء واحتقار. إن هذا لدليل على جفاف وقسوة القلوب تماماً.

د. الخضيري: ولذلك كان المشركون الذي بُعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم لا يرحمون الميت، أول ما يموت الميت يأتي الكبير من روثته كأخيه مثلاً أو ابنه الأكبر فيستولي على ماله ويبقى هؤلاء الضعفاء من الأيتام لا مال لهم يتكففون الناس وياتي الرجل ايضاً ويستولي على مال أخيه أو ابنه ويدع زوجته وأولاده بلا مال فجاءت آيات القرآن منكرة هذا الوضع البشع، هذا الوضع الشنيع الفظيع الذي لا يليق بالإنسانية ولا يليق بأهل الإيمان (فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ) يدفعه عن حقه ولا يحترمه ويمنعه عن حقه ثم يقول (وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) يعني أنه أيضاً لا يرحم المساكين، إذا لم يطعمهم لا يحض على إطعامهم.

د. الربيعة: لا يحض على إطعامهم. تصور إنسان يأتيك فلا تطعمه فيذهب لآخر فلا تحضه على ذلك وربما تمنعه، إن هذا لجفاف، إن هذا انعدام الرحمة في القلب.

د. الخضيري: دعنا ننتقل إلى بعض المواطن العملية في السورة التي نريد أن نلفت أنظار المشاهدين إليها وهي قوله تعالى (فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5))

د. الربيعة: هذه الآية عندما تقرأها تستوقفك، تأمل كيف افتتحها الله عز وجل بالويل (فَوَيْلٌ) وهو واد في جهنم، توعدٌ بجنهم للمصلين، كيف ذلك؟! فيقف القارئ متدبراً كيف يتوعد الله المصلين؟ ثم تأتي الآية الآخرى مجيبة على هذا التساؤل في ذهن الإنسان المتدبر (الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) هم قد يصلون في الظاهر كحال المنافقين بكن بلا إيمان، بلا روح، بلا استحضار لهذه الصلاة، فلا آثر لها في قلوبهم ولا في نفوسهم ولا في أعمالهم، أفعال مجردة ومجرد عادات. (الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) تأمل وتدبر قوله تعالى (عن صلاتهم) فهم أولاً عن الصلاة غافلون وفيها أيضاً غافلون أو ساهون. فالصلاة إذا لم يكن فيها روح وإذا لم يكن فيها حضور قلب فلا أثر لها، لن يكون لها اثر. ولهذا نقول إذا أردت أيها الأخ المسلم أن يكون لصلاتك أثر وتجد فيها الطمأنينة والراحة وتكون ظاهرة على مالك فلتكن في خشوع وحضور قلب.

د. الخضيري: أيضاً لعلنا نستكمل المشهد في هذه السورة بذكر خصلتين مهمتين جداً وكل واحد منا لا بد أن يتوقف عندهما ويتأكد من عدم إتصافه بهما. الأولى (الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7)) الرياء إحذروا منه وهو أن تتعبد في ظاهر الأمر لله وفي باطن الأمر من أجل أن يقال فلان مصلي، فلان صائم، فلان متصدق، فلان قد أحسن، الرياء هو الشرك الخفي ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخوف علينا من الرياء ويحذرنا منه ويقول "أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر يقوم الرجل فيزين صلاته لما يرى من نظر الرجل" نسأل الله العافية والسلامة. ينبغي إذا قرأنا هذه هذه الآية نحذر من الرياء والأخيرة من الخصال في هذه السورة العظيمة التي اشتملت على خصال كثيرة نحتاج أن نقف مع أنفسنا من خلال السورة منع الماعون والمقصود بمنع الماعون الأشياء التي تملكها وتستطيع أن تمنحها لغيرك من إخوانك الذين يمكن أن ينتفعوا بها ويستفيدوا منها ثم يردوها إليك وهي "العاريّة" عند أهل العلم. فكل ما يُعار، قلم، محبرة، ورقة، كتاب، قدر، كأس إناء، إبريق، أثاث، كرسي، أيّاً كان طلبه أخوك المسلم ولست في حاجته فينبغي لك أن تعطيه إياه ليتم جو راحة  وتعاطف وتعاون بين المسلمين وإياك أن تكون فردياً تعيش لنفسك ولا ترى أن لأحد عليك حقاً فإنك إن لم تحتج إلى الناس الآن فستحتاج إليهم فيما بعد فأحسِن حتى يُحسن إليك وأدِّ حقوقهم حتى تؤدى حقوقك.

د. الربيعة: حينما تتأمل هذه السورة تلحظ أنها ركزت على صفة الكافرين وصفة المنافقين فاحذر أيها المسلم أن تتصف بصفات هذين الفريقين الكفار والمنافقون.

 

د. الخضيري: لعلنا بهذا إن شاء الله نأتي على ختام مشاهد من هذه السورة العملية ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من أهل القرآن الذي هم أهل الله وخاصته والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل