لنحيا بالقرآن - سورة الكوثر

برنامج لنحيا بالقرآن - سورة الكوثر

د. محمد بن عبد العزيز الخضيري - د. محمد الربيعة

(تفريغ موقع إسلاميات حصريًا)

د. الخضيري: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. هذا المجلس هو المجلس الثاني والعشرون من مجالس هذا البرنامج المبارك "لنحيا بالقرآن". ستلاحظون في هذه الحلقة أننا سنكون مع سورة قصيرة ولكن معانيها وما فيها من الوقفات قوي جداً. وستلاحظون أننا سنحتاج إلى وقت طويل من أجل أن نستوعب ما في هذه السورة من معاني. وهذا يدلنا على أن القرآن فيه من الخير ما يستوعب كل حاجات البشر. اليوم وقفتنا بإذن الله عز وجل مع سورة الكوثر حيث يقول الله سبحانه وتعالى (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3)) هذه السورة كما تسمعون وتقرأون مكونة من ثلاث آيات فهي أقصر سورة في القرآن من حيث تعداد الآيات. ولكن انظروا إلى ما فيها الخير الكثير يكفي أن اسمها الكوثر والكوثر يدل على الخير الكثير، يدل على ذلك النهر الذي أعطاه الله سبحانه وتعالى لنبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم في الجنة وهو نهر عظيم نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوردنا إياه. وفي الوقت ذاته يدل كما يقول كثير من المفسرين على الخير الكثير الذي أوتيه محمد صلى الله عليه وسلم. وقد شرحنا في سورة الضحى بعض الخير الذي أوتيه محمد صلى الله عليه وسلم حيث قال الله تعالى له مطمئناً لما أوحِش قلبه أن ربه قد ودّعه وقلاه قال الله (وَالضُّحَى ﴿١﴾ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ﴿٢﴾ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴿٣﴾ وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى ﴿٤﴾ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴿٥﴾) هذا بعض الخير الذي أعطاه الله لرسوله صلى الله عليه وسلم. وهنا يقول له الله جل وعلا (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) هذه السورة نزلت أيضاً تسلية لقلب النبي صلى الله عليه وسلم لما سبّه المشركون وعنفوه وآذوه بألسنتهم وقال له بعضهم كما ورد في بعض أسباب النزول إن محمداً أبتر يعني لا يولد له بنون يكونون من بعد يُبقون ذكره.

د. الربيعة: لما مات ابنه عبد الله

د. الخضيري: فهم أرادوا أن يحطموا رسول الله صلى الله عليه وسلم وينالوا منه فقال الله عز وجل لهم لقدأعطيناك الخير الكثير يا محمد فانشغل بعبادة ربك، صلِّ لله، وانحر لله ولا تلتفت لهؤلاء الشانئين فهؤلاء هم المبتورون ولست أنت المبتور. وبالفعل بقي ذكر رسول الله وبقي اثره وبقي المحبون له وانتشر دينه وذهب أولئك إلى الجحيم، ذهبوا إلى لا شيء فلا يذكرهم أحد ولا يعرفهم أحد ولا يذكرون بخير في الناس

د. الربيعة: إذن هذه السورة سورة امتنان من الله على نبيه صلى الله عليه وسلم. امتنان وتسلية، تسلية حينما شنيء منه المشركون وذلك الشقي الذي شنأ منه حينما مات ابنه عليه الصلاة والسلام وهي امتنان من الله على نبيه بان أعطاه الخير الكثير. وهذا الامتنان الذي أعطاه الله لنبيه صلى الله عليه وسلم هو امتنان من الله تعالى لأمته حينما منح الله تعالى نبيه وخصّه بهذا النهر العظيم وخصّه بهذا الخير الكثير الذي منحه إياه ومنحه أمته فما أحرانا أن نرتبط بهذه السورة حقاً إنها موضع إرتباط لهذه الأمة.

د. الخضيري: موضع ارتباط لرسول الله ولأمته لأن كل من أخذ بدين رسول الله ناله من ذلك الخير بقدر ما أخذ. وهذه فيها وقفة جميلة جداً وهي بقدر ما تأخذ من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يصيبك الخير ويفتح الله لك من طيب النفس وانشراح الصدر وسعة الرزق وحسن الذكر ولسان الصدق بقدر ما تأخذ من ذلك الخير, فالذي أوتيه رسول الله خير كثير فالناس أمام هذا الخير مستقلون ومستكثرون. فهناك أناس يأخذون برفق أو يأخذون شيئاً يسيراً فيصيبهم من الخير بقدر ما أخذوا. وهناك أناس يخوضون في هذا الخير فيأخذون منه شيئاً كثيراً وهذه جعوة لنا جميعاً أن نأخذ من علم رسول الله وأن نأخذ من هذا الهدي الذي أنزل على رسول الله وأن نأخذ من السنة التي أبقاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا، أن نأخذ منها ونأخذ بها ونستمسك بها فيسؤتينا الله من الخير بقدر ما أخذنا من ذلك الخير.

د. الربيعة: هناك معنى يقابل ذلك وهو أنه مهما شنأ بنا أعداؤنا واستهزؤا بنا وسخروا منا فأنت أيها المؤمن حينما يستهزئ بك أحد فإن الله تعالى قد أعطاك خيراً كثيراً.

د. الخضيري: يعني لا يصيبك اليأس والقنوط أو تصاب بحالة من الاكتئاب بسبب كلمة ألقيت عليك.

د. الربيعة: أعطاك الله الإسلام والهداية واللغة وأكرمك أن جعلك من عباده.

د. الخضيري: كنت مرة في أمريكا فكان عندي مجموعة من الطلاب أدرسهم قصار المفصل وبعض السور التي يحتاجونها لما رأيتهم يعانون عناء شديداً من نطق الحروف العربية في اول ايام تعليمهم، فقلت لهم بكم تشتري لساني هذا؟ قال أحدهم أنا أشتريه بكل ما أملك وقال الثاني أنا اشتريه بالدنيا وما عليه، وقال الثالث يا شيخ إتق الله هذا اللسان ليس له مثال في الدنيا فقلت والله إن هذا لخير كثير من الله سبحانه وتعالى أعطانا إياه قبل أن نسأله إياه وهذا من فضل الله علينا. واليوم أقول لإخواني قد زهد الناس بهذا اللسان وصاروا يتعلمون لغة الأعاجم ويدعون اللغة العربية لا يتعلمونها وهم من أهلها مع الأسف وهي لغة القرآن.

د. الربيعة: لو تأملنا في السورة يقول الله عز وجل (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) هذا افتتاح عظيم فيه معاني عظيمة هل يمكن أن يفتح الله عليك بمعنى من المعاني في هذا الافتتاح؟

د. الخضيري: لا شك أن في قوله (إنا) تعظيم لهذا الذي أعطيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الله ما نسبه إلى نفسه إلا وهو عظيم عنده. فالله قد أعطى رسوله هذا القرآن فهو عظيم فمن أخذ بالقرآن أخذ بشيء عظيم. وكذلك أعطاه هذا الدين وهو عظيم ومن أخذ بهذا الدين فقد أخذ شيء عظيم.

د. الربيعة: إذن الآية فيها عِظم المُعطي والمُعطى والعطاء. المُعطي الله سبحانه وتعالى والمعطَى النبي صلى الله عليه وسلم والعطاء هو الخير

د. الخضري: هذا الخير الذي أوّله الوحي وآخره شرائع الإسلام وهذه السنن وهذه الشرائع التي جعلها الله عز وجل رحمة للعالمين.

د. الربيعة: ومن هذا العطاء ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم أن الكوثر هو نهر أعطانيه الله عز وجل في الجنة لأنه خُصّ به النبي عليه الصلاة والسلام.

د. الخضيري: لعلنا ننتقل إلى قول الله عز وجل (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ). كما في سورة قريش لما ذكر الله عز وجل النعم على أهل مكة قال (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3)) وهنا لما ذكر الله العطاء العظيم لرسول صلى الله عليه وسلم قال يا محمد قابل هذا العطاء بأن تصلي لربك وتنحر. (فَصَلِّ لِرَبِّكَ) صلِّ له مخلصاً له الدين وانحر. وعندي في هذا وقفات. الأولى كيف بدأ بالصلاة؟ لأنها أجلّ الأعمال وأعظمها قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الصلاة خير موضوع فمستقل ومستكثر" وأنا أقول عظِّموا هذه الصلاة واعتنوا بها وأقيموها فأنه لم يؤمر بها في القرآن إلا على وجه الإقامة (أقيموا الصلاة، المقيمين الصلاة، أقاموا الصلاة).

د. الربيعة: وأيضاً في سر الأمر بالصلاة والله أعلم أنه لما كانت السورة نازلة في تسلية النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الاستهزاء الذي استهزأ به المشركون كانت الصلاة أعظم من تصله بربه وتُذهب همه فإذا أصابك هم إفزع إلى الصلاة وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة. فهي مناسبة في حال إذا أصاب المسلم هم أو غم أو فزع أو ضاقت به الدنيا

د. الخضيري: وأيضاً الصلاة فيها ميزة عظيمة جداً وهي أن البدن كله يتحرك بها القلب يخشع اللسان يذكر العين تنظر إلى موضع السجدة اليد تقبض على بعضها أو توضع على الركبتين، الجبهة والأنف تخضع لله عز وجل وتمرغ بالتراب بين يدي الله جل وعلا. إذن هي عنوان العبودية ولذلك بدأ الله بها. يأتي السؤال ما علاقة النحر؟ كإنها مثل الزكاة عندما يقرن الله عز وجل الصلاة بالزكاة في كثير من المواطن هنا قرن الله الصلاة بالنحر أولاً تحقيقاً للعبودية والتوحيد وهذا من الجوانب التي أخل بها المشركون فكانوا يذبحون لأصنامهم وآلهتهم شركاً والعياذ بالله.

د. الربيعة: لعل هذا فيه إشارة إلى الاستخفاف بهم أولئك يذبحون للأصنام والأحجار وأنت يا محمد تذبح لربك.

د. الخضيري: والثاني أن النحر فيه منفعة ومصلحة للناس لأنك إذا نحرت لله عز وجل أطعمت المساكين بخلاف ما ذكره الله في السورة السابقة عن الذين يكذبون بالدين فإنهم يدعون اليتيم ولا يحضون على طعام المسكين ويمنعون الماعون أما أنت فأنت تنحر وتعطي كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع نحر مائة من الإبل ثلاثة وستين بيده الشريفة والباقي نحره علي بن أبي طالب ثم تُركت للناس يأخذون من اللحوم ما شاؤوا وهذا يدل على أن الإسلام لم يأت ليكون ديناً في مسجد أو في محراب أو جلسة مع مصحف وإنما هو دين للحياة نحن علاقتنا مع الله وعلاقتنا أيضاً مع عباد الله نتعبد لله عز وجل بأن نطيعه وأن نسجد بين يديه ونتعبد لله وأن نعطي عباده وأن نحسن إليهم.

د. الربيعة: ولعل من المعاني التي تستنبط في قوله (وانحر) الدلالة على التوحيد فهؤلاء يعبدون غير الله وأشار بالنحر الذي هو من أعظم أنواع التوحيد والعبادة فقال انحر لربك أي حقق توحيد ربك وصلّ أي اعبد ربك كما أمرك الله تعالى فإن هذا هو الشرع.

د. الخضيري: قال الله عز وجل (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) ماذا يمكن أن نستفيد من دلالات من خلال هذه الجملة العظيمة التي ختم الله بها هذه السورة؟

د. الربيعة: هذا الختام هو بعد أن ابتدأ الله عز وجل الامتنان على النبي عليه الصلاة والسلام بأن أعطاه الخير الكثير وشرّفه بهذا الفضل العظيم ختم السورة بما هو مناسبتها وكأنه قال لا يهمك أمره بعد هذا العطاء وهذا الخير هل يليق بالإنسان بعد أن يعطيه الله الخير أن ينظر إلى أولئك المستهزئون وأولئك الشانئون وأولئك الساخرون؟! لا والله، كفى به شرفاً وعزاً وقوة أن يكون على هذا الدين. ختام السورة في قوله (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) كأنه قال الله عز وجل لا تأبه بهم فإن الله سيقطع أمرهم وشأنهم هو الأبتر هو الأقطع، هل في معنى الأبتر معنى في الاستهزاء بهم والسخرية منهم؟

د. الخضيري: لا شك أنهم استهزأوا برسول الله في شيء ورد الله استهزاءهم عليهم ورد كيدهم في نحورهم فجعلهم هم المبتورين. يعني وإن كنتم تملكون الإعلان والدعاية والمنصب والملك والقدرة على التأثير على الناس فإن كل ما تفعلونه سينقطع ويندثر ويذهب وسيبقى رسول الله. وانظر إلى الوعد الذي تحقق من الله سبحانه وتعالى فإن وعد الله لا بد أن يتحقق ولا يمكن أن يُخلف وعد الله أن يبترهم فبترهم ووعد الله أن يرفع ذكر محمد صلى الله عليه وسلم فرفع ذكره حتى إننا اليوم نشاهد أن ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينقطع من الأرض طرفة عين. في الأذان فقط الآن الأذان لا ينقطع من الأرض يدور في الأرض دوراناً. هناك الآن أناس في هذه اللحظة يؤذنون الظهر والآن هناك أناس يؤذنون العصر والآن هناك أناس يؤذنون المغرب والآن هناك أناس يؤذنون العشاء وأناس يؤذنون الفجر وفي كل أذان رفعة لمحمد صلى الله عليه وسلم فكل واحد منهم يقول أشهد أن محمداً رسول الله، هذا بالأذان فكيف بأنواع الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم!. هل هذا خاص برسول الله؟ ليس خاصاً برسول الله بل من سلك مسلك رسول الله وقام بدين الله فإن شانئه ومبغضه والكائد له هو الأبتر هو الذي سنقطع وهو الذي سيزول ملكه وتذهب دولته وبذهب شرفه ويبقى شرف هؤلاء الدعاة. وانظر إلى شرف دعاة الإسلام في قديم الزمان وفي حديثه يكثر أعداؤهم ويؤذون ويودعون السجون، شيخ الإسلام ابن تيمية مات وهو في السجن وخرجت جنازته من السجن، أين هم الذين سجنوه؟ من يعرفهم؟ الذين وشوا به أين هم؟ ذهبوا وبقي ذكر ذلك الرجل الذي نصر سنة رسول الله

د. الربيعة: وهذه الآية في ختام البرنامج تعطينا درساً عظيماً أن أولئك الشانئون لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يمثلون بصوره اليوم كأمثال الدانمارك وغيرهم سيبترهم الله وسيقطعهم بإذن الله عز وجل.

 

د. الخضيري: ونحن واثقون من ذلك. كانت المعاني المستنبطة من هذه السورة على قلة آياتها كثيرة جداً ولو أردنا أن نأخذ من ظلالها ونأخذ من معانيها ومن هداياتها ونجمع ذلك فإننا لا نستطيع ذلك في حلقة ولا حلقتين ولا أكثر ولكن يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق. أسأل الله عز وجل أن ينفعني وإياكم بكلامه وكتابه وصلى الله وسلم على نبينا محمد والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل