لنحيا بالقرآن - سورة الكافرون

برنامج لنحيا بالقرآن - سورة الكافرون

د. محمد بن عبد العزيز الخضيري - د. محمد الربيعة

(تفريغ موقع إسلاميات حصريًا)

د. الربيعة: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وصلى الله سلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. حياكم الله في جلسة من جلساتنا المباركة في برنامجنا لنحيا بالقرآن ومع سورة كريمة من سور هذا القرآن العظيم ومن قصار سوره، وهي سورة الكافرون. يقول الله سبحانه وتعالى (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴿١﴾ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴿٢﴾ وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴿٣﴾ وَلاَ أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ ﴿٤﴾ وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴿٥﴾ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴿٦﴾). لو تأملنا في هذه السورة في تسميتها بالكافرون ونداء الله عز وجل هنا للنبي صلى الله عليه وسلم (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴿١﴾ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) فإننا نلحظ ظاهراً أن هذه السورة تتحدث في موقفنا من الكافرين

د. الخضيري: ومن معبوداتهم

د. الربيعة: والمفاصلة التامة بيننا وبينهم

د. الخضيري: وأنهما لا يلتقيان مهما طال الزمن وتغيرت الوسائل وتعددت الخطان لا يمكن أن يلتقيا

د. الربيعة: إذن هذه السورة كما ذكر ابن القيم رحمه الله هي في البراءة من الكافرين ومن دينهم وعباداتهم.

د. الخضيري: ولذلك يسميها العلماء سورة الإخلاص بمعنى أنها أخلصت العبادة لله جلا وعلا فلا أحد يُعبد إلا الله سبحانه وتعالى. ولعل هذا هو السر في أننا أمرنا بقراءتها في مواطن متعددة هي وسورة الصمد وهما سورتا الإخلاص، تقرآن في ركعتي نافلة الفجر وتقرآن في الركعتين بعد المغرب وتقرآن في آخر صلاة يصليها الإنسان في ليلته في ركعتي الوتر وفي ركعتي الطواف وتقرأ عند النوم وتقرأ سورة الصمد عند النوم. هذا يدلنا على أنها سورة من سور التوحيد العظيمة.

د. الربيعة: بمعنى أن الإنسان حينما يكررها ويقرأها في بداية يومه وفي نهاية يومه وفي بدء ليله ليجدد التوحيد والإخلاص

د. الخضيري: ونحن بحاجة لئن نجدد التوحيد ونجدد الإخلاص في قلوبنا وفي نفوسنا وفي حياتنا ولهذا نوجه رسالة لا تظن أنك بإيمانك الأول قد انتهى كل شيء وبتوحيدك الأول قد انتهى كل شيء أنت بحاجة لئن تجدد التوحيد في كل يوم. نلاحظ المؤذن يرفع الأذان كل يوم لا يسبح الله ويحمده إنما يؤكد على معنى التوحيد فيقول (الله أكبر الله أكبر، اشهد أن لا إله إلا الله ثم يختم بلا إله إلا الله) تجديداً للتوحيد وتأكيداً له لأننا بحاجة لئن نجدد التوحيد.

د. الربيعة: قد يتساءل المستمع في الفرق بين سورة الكافرون وسورة الصمد في سر اجتماعهما والفرق بينهما في كونهما سورتي الإخلاص

د. الخضيري: الذي يظهر والله أعلم أن سورة الكافرون هي في توحيد العبادة لله عز وجل يعني التوحيد العملي لله، يعني عملك لا يكون إلا لله، صومك، صلاتك، استغاثتك، خضوعك، ذلك، إخباتك، حجك، صدقتك، برك، إحسانك، كله لله عز وجل.

د. الربيعة: يعني إخلاص العبادة لله عز وجل.

د. الخضيري: أما سورة الصمد فهي سورة الإخلاص بمعنى أنها هي خالصة في ذكر الله عز وجل لا يشارك الله عز وجل أحد فيها فهي وحّدت الله في ألوهيته وفي ربوبيته وفي اسمائه وصفاته. في سورة الكافرون هي في الإخلاص العملي وسورة الصمد في العلمي الاعتقادي. فأنت أيها المسلم عندما تؤمن بسورة الصمد وتصدق فيها فإنك قد أسلمت حقاً لله ولم تشرك مع الله أحداً سواه ولذلك نلاحظ أن الشارع جعل قراءتها بثلث القرآن (وهذا سيأتي الحديث عنه)

د. الربيعة: هذا يدعوننا ونحن في هذا الوقت الذي تقاربت به أمم أهل الأرض وتداخل أهل الديانات بعضهم مع بعض أننا بحاجة أعظم الحاجة اليوم في تحقيق هذه السورة.

د. الخضيري: نعم هذا صحيح، لأنه نجد هناك من يدعون إلى وحدة الأديان ويقولون اليهودية والنصرانية والإسلام كلها أديان سماوية فلماذا لا نوحّد بينها؟ ولماذا لا نجمع بينها؟ فنقول كيف تجمع بين التوحيد والشرك؟! واحد يقول الله ثلاثة وواحد يقول الله واحد، هل يمكن أن يلتقيا؟! لا يمكن. لأنهم قد اختلفوا في أصل الدين. الآن لم يختلفوا في الصلاة هل هي الثانية عشر أو الواحدة، لم يختلفوا في الصوم هل هو في شعبان أو رمضان، لا، ولم يختلفوا في الحج هو هو في ذي القعدة أو في محرم، لكنهم اختلفوا في ما هو أعظم من ذلك هل محمد رسول أو ليس برسول؟. أما النصراني واليهودي فلا يقر برسالة محمد، هل الإله واحد أو متعدد؟!

د. الربيعة: وهذا يجعلنا نرجع إلى السورة نفسها في سببها. السورة نفسها في تقارب الأديان سبب ذلك أن المشركين حينما رأوا قوة النبي صلى الله عليه وسلم في دينه ونفوذه وتأثيره واتساعه قالوا لا سبيل لنا إلا أن نلتقي معه نتقارب معه يكون بيننا وبينه توافق فأتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا نعبد إلهك سنة وتعبد إلهنا سنة. فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يجبهم إلى ذلك جواباً لينتظر وحياً من الله عز وجل فجاءه وحي من الله عز وجل صريحاً وبمواجهة صريحة مع الكافرين قال (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) لم يقل يا أيها الناس ولا يا قريش أو يا أيها المحاورون، تصريح في كفرهم قل يا أيها الكافرون بالله كيف نجتمع وإياكم وأنتم كافرون بالله؟ إذن كل كافر بالله في توحيده لا يمكن أن ألتقي معه.

د. الخضيري: بهض الناس يقول هذه مسألة بسيطة فلماذا أنتم تشددون في هذا الأمر؟ تقولون إن قضية التوحيد هي أخطر قضية وهي القضية التي نفاصل فيها غيرنا من الأديان فلماذا أنتم تشددون في هذا الأمر؟ الأمر اسمح من ذلك. وأنا أرد على هؤلاء برد جميل: أنت لا ترضى بهذا لنفسك، يعني زوجتك التي تزوجتها هل ترضى أن يشاركك أحد ما فيها؟ يقول لا، أبداً لماذا؟ لأنها هي حق لي ولا أرضى أن يشاركني أحد فيها. أولادك، هل ترضى أن يشاركك أحد فيهم؟ يوقل لا، أبداً لا يمكن، مالك الذي في جيبك أو رصيدك الذي في البنك هل ترضى أن نتشارك فيه؟ يقول لا أبداً، لماذا؟ لأنها حقوق خاصة لك. فإذا كانت حقوقك الخاصة لا ترضى أن يشاركك فيها أحد فالله عز وجل حقه لا يرضى أن يشارك فيه أحد وهو حقه الذي ليس وراءه حق، ليس هناك مجال أن يتنازل عن الحق أو يعترف أن هؤلاء الذين يعبدون هم آلهة بالفعل أو لهم حق في العبودية

د. الربيعة: لأنه سبحانه وتعالى هو الخالق وهو الرازق، هو المجيب هو النافع هو الضارّ. هل من إله غير الله عز وجل يدفع الضر ويحلب النفع؟

د. الخضيري: أبداً. ولذلك نقول نحن نؤكد كما أكد في السورة على أن هناك براءة تامة ومفاصلة تامة بين الإيمان وبين الكفر وأنهما ضدان لا يلتقيان ولا يجتمعان وأنه من حاول أن يجمع بينهما كمن يحاول الجمع بين الليل والنهار وكمن يحاول الجميع بين الظالم والمظلوم ويجعلهما شيئاً واحداً فنقول كذبتم وربي لا يمكن لهذا أن يجتمعوا.

د. الربيعة: ولهذا هذه المفاصلة أيضاً ظاهرة في السورة في كل آياتها. يقول الله عز وجل (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴿١﴾ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴿٢﴾ وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴿٣﴾) أنا لا أعبد ما تعبدون آلهة غير الله وأنتم لن تعبدون الله حقاً إلا أن تتجردوا الألوهية له وتخلصوا العبادة له، إذن لا يمكن ذلك، كيف هم سيعبدون الله سنة مع آلهتهم فهل تتحقق عبوديتهم لله إله النبي صلى الله عليه وسلم؟

د. الخضيري: لا تقبل العبادة لله إلا إذا كانت له وحده دون أحد سواه.

د. الربيعة: ثم يعيد مرة أخرى فيقول (وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ (4) وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5)) القارئ يقول ما هذا التكرار؟ هذا التكرار مقصود في تأصيل هذه القضية وتأكيدها في النفس وإن كنا نلحظ فرقاً بين المعنيين فهل يمكن أن تبينه لنا؟

د. الخضيري: العلماء ذكروا أن الأوليين مختلفان عن الأخريين. فبعض العلماء يقول (لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) (39)) هذه في المستقبل فيما ياتي من زمن بعد ذلك ، (وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ (4) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (5)) هذه في الماضي يعني لم يحصل ذلك ولن يحصل. وبعضهم عَكَس المعنى وبعضهم قال الأولى في الآلهة والثانية في العبادة يعني لا أعبد آلهتكم ولا أعبد كعبادتكم والمقصود من هذا كله تأكيد هذا الأمر وبيان أنه لا التقاء بين الإيمان والكفر لأنهم كما أنهم لا يؤمنون بالله ولا يوحدونه فكيف نرضى أن نلتقي معهم في شركهم نسأل الله العافية والسلامة. وبهذه المناسبة تحضرني قصة جميلة حصلت للمسلمين في القرون الأولى يقال إن يهودياً كان في بغداد يطوف على المساجد يقول يا أيها الناس هل تؤمنون بموسى؟ فيقول الناس نعم، نؤمن بموسى، فيقول حسناً، هل تؤمنون بعيسى؟ فيقول الناس نعم نؤمن بعيسى، فيقول حسناً أما نحن اليهود فنؤمن بموسى وأما عيسى فلا نؤمن به، ويقول لهم هل تؤمنون بمحمد؟ فيقول الناس نعم نؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم  فيقول ونحن اليهود لا نؤمن بمحمد أيها الناس دعونا نجتمع على الذي اتفقنا عليه وهو موسى وندع ما اختلفنا فيه وهو عيسى ومحمد، لبّس على الناس وجاء بشبهة ليلبّس على الناس. قالوا فما زال يطوف بالمساجد ويحير الناس بسؤاله ذلك فمرة دخل أحد المساجد فقام رجل من عقلاء المجانين وعقلاء المجانين هؤلاء أناس عندهم ذكاء لكنه بصورة مخالفة لما هو معتاد وعنده تصرفات مضحكة ولكنهم يأتون بإجابات سديدة فقام إليه في أحد المساجد وقال يا هذا من موسى الذي تدعونا إلى الإيمان به؟ هل هو موسى بن عمران الذي بشّر بمحمد أو غيره؟ قال لا، موسى بن عمران الذي لم يبشر بمحمد،  قال هذا والله لا نؤمن به قال فكأنما فُرج على الناس فقاموا وضربوا ذلك اليهودي حتى كاد أن يموت.

د. الربيعة: انظر كيف تكون الحجة في بيان الحق.

د. الخضيري: وهذا يدلنا على أنه لا التقاء بيننا وبينهم. ولا يمكن أن نلتقي معهم حتى يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وحتى يوحدوا الله فلا يقولوا عُزير ابن الله ولا المسيح ابن الله ولا يثبتوا الألوهية لأحد من دون الله عز وجل.

د. الربيعة: تأمل في تمام السورة تأتي المفاصلة مرة أخرى فيقول الله عز وجل فيها بلسان محمد صلى الله عليه وسلم (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)

د. الخضيري: دينكم خاص بكم وديني خاص بي لا أشارككم في دينكم ولا تشاركونني في ديني.

د. الربيعة: في التوحيد والعقيدة لا يمكن أن يكون هناك لقاء أما في التعامل فيما بين المسلمين وغيرهم فهذا أمر بيّنه الشرع فهناك خطوط التقاء في التعامل وفي المصالح والتجارات وغيرها أما في العقيدة والتوحيد فلا لقاء ولا التقاء.

د. الخضيري: ولذلك قال الله عز وجل في سورة الممتحنة (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)) فبينت أن من لم يقاتلنا ولم يعتدي علينا يجوز أن نبرّه ونحسن إليه ونعامله بالحسنى أما من أساء واعتدى وظلم أهل الإسلام فإنه لا يجوز لنا أبداً أن نمد يد الرحمة له لأنه كافر بالله ولأنه لم يحسن إلى أهل الإسلام.

د. الربيعة: نعرض بمثال الآن كثير من المسلمين قد يخالط كافرين في عمله أو في مجتمعه أو ربما يسافر إلى بلاد الغرب نريد منهج عملي في التعامل مع هؤلاء.

د. الخضيري: لا شك أن المسلم لا يبدأ بالعدوان على غيره ويقدم بيان الحجة والأخلاق الفاضلة ويحرص على أن يكون مسلماً بسمت حسن ويبين أخلاق الإسلام ويجتهد في ذلك ويقصد بذلك دعوة غير المسلمين. فنقول كل من لم يسئ إلى المسلمين ولم يتبين ويظهر من حاله أنه لا عدوان لا سوء منه على المسلمين فإنه المسلم يعامله بالحسنى ويتقي الله عز وجل بذلك ويقصد بذلك دعوته إلى الله جل وعلا. وأما من كان محارباً للمسلمين وظالماً لهم ومعتدياً عليهم فإن هذا ليس له عندنا إلا السيف ما لم يكن المسلم ضعيفاً فإذا كان ضعيفاً فإنه يجوز له أو يورّي أو يتقي كما قال الله عز وجل (لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ (28) آل عمران)

 

د. الربيعة: إذن نلحظ أن هذه السورة العظيمة سورة الكافرون تعطينا منهجاً ربانياً في التعامل مع الكافرين منهجاً في اننا لا لقاء بيننا وبينهم في التوحيد والعقيدة أما بالنسبة للتعامل فهذا له أحكامه في الشريعة إنما ينبغي أن نأخذ هذه السورة في واقع حياتنا نجدد بها توحيدنا لله عز وجل في عباداتنا كلها فلا يكون شيء من عباداتنا في صلاة أو في صوم أو في نفقة أو في تعامل إلا لله عز وجل خالصاً. ولنسلك هذا المنهج إنه منهج رباني عظيم يجدد لنا التوحيد والإخلاص الذي نسأل الله عز وجل أن يحققه لنا في حياتنا كلها ونسأله أن يحيينا على الإخلاص ويميتنا على الإخلاص ولنا بإذن الله عز وجل لقاء في مجالس أخرى. نستودعكم الله وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل