لنحيا بالقرآن - سورة المسد

برنامج لنحيا بالقرآن - سورة المسد

د. محمد بن عبد العزيز الخضيري - د. محمد الربيعة

(تفريغ موقع إسلاميات حصريًا)

د. الخضيري: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. كما قدمنا لكم في بداية حلقات هذا البرنامج الذي نسبح فيه في عالم قِصار المفصّل تعاهدنا وتعلمنا على أن نأخذ دورة في هذه السور كيف نتدبر القرآن ونحول الآيات إلى منهاج عملي لنحيا بالقرآن. فهذا هو المجلس الخامس والعشرون وهذه هي الجلسة المخصصة لسورة المسد والتي يقول الله عز وجل فيها (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴿١﴾ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴿٢﴾ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ ﴿٣﴾ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ﴿٤﴾ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ﴿٥﴾ المسد). هذه السورة جاءت للحديث عن شخص لكن هذا الشخص متميز شخص خاص بمواصفات خاصة ولذلك خصصت هذه السورة له بل سميت باسمه بل صُرِّح في القرآن باسمه على غير عادة القرآن الجارية على عدم التصريح بالكافرين والمنافقين والمناوئين للدعوة وإنما يذكرهم إجمالاً ويذكر صفاتهم. في هذه السورة حديث خاص باسمه وبعينه، لماذا؟ وما الحكمة من ذلك؟ لماذا تحدثت هذه السورة عن شخص معين.

د. الربيعة: هذه السورة سورة المسد تحدثت عن أقرب الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو عمه أبو لهب وهذا يجرّنا إلى البحث عن سبب نزول هذه السورة. سبب نزول هذه السورة هو أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أُمر بإعلان دعوته (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) الشعراء) (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ (94) الحجر) فصعد على الصفا ونادى قريشاً ثم قال لهم لو أخبرتكم أن خلف سفح هذا الجبل جيشاً سيغزوكم أكنتم مصدقيّ؟ قالوا ما جربنا عليك كذباً، قال إن ينذير لكم بين يدي عذاب أليم، فقال أبو لهب بجرأته وهم عمّ النبي صلى الله عليه وسلم وهزّ يده عليه وقال تباً لك ألهذا جمعتنا؟ تبّاً يعني هلاكاً ووعيداً وتشنيعاً عليه فأنزل الله عز وجل هذه السورة لتكون عبرة لمن خلفه ممن يعلن العداوة للدعوة وأهلها. وهو عم النبي وأقرب الناس إليه لم يحابيه القرآن ولم تحابيه هذه السورة ولم يصرح القرآن برجل غير هذا الرجل من أهل الكفر الذين كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.

د. الخضيري: لم يصرح إلا باسم أبي لهب

د. الربيعة: هذا يدلنا على أن أول المعادين للدعوة يتولى كِبراً وإثماً عظيماً (وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11) النور) فمن تولى كبر المعصية وساق الناس إليها ودعا الناس إليها ومن تولى كبر عمل من الأعمال

د. الخضيري: مناوأة الدعوة ومعاداة الداعين إلى الله سبحانه وتعالى ومحاولة تشكيك الناس بثوابتهم ودينهم فإنه يجب علينا أن نرد عليه بقوة ونقطعه ونبين تهافت حجته وأيضاً نصرح باسمه

د. الربيعة: قد يقول بعض الناس لماذا نتكلم عن الاسماء؟ نحن نتكلم عن الاسماء حينما تكون هذه الاسماء رموزاً للشر ويكون لها كبر الأمر وتولي كبر هذا الفساد والإفساد حينها ينبغي أن نصرح باسمهم تحذيراً منهم ومن شرّهم. فالقرآن في عادته لم يصرح باسم أبي جهل ولا باسم ابن شيبة ولا بغيرهم من صناديد قريش إنما صرح بأعمالهم وسيء أخلاقهم. أما ابو لهب حينما كان أول من تولى العداوة فقد صرّح باسمه فنقول أننا بحاجة أن نفقه هذا المنهج الرباني في التصريح بالاسماء. لعلنا نواصل الحديث في هذه السورة لنتبين حقيقة هذا الرجل والذي دعاه إلى هذا الكبر وهذه الغطرسة، يقول تعالى (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴿١﴾ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴿٢﴾)

د. الخضيري: ماله وولده وجاهه جعلوه يكذب برسول الله صلى الله عليه وسلم إضافة إلى ما طُبع عليه من الكبر الذي منعه من قبول الحق فهو امتنع عن قبول دعوة النبي صلى الله عليه وسلم مع وضوحها وبيان الحجة فيها وأن النبي صلى اله عليه وسلم لم يدخر وسعاً في القيام بالحجة على وجهها.

د. الربيعة: لو كان المكذبين ليسوا من عشيرة النبي صلى الله عليه وسلم لكان له في ذلك عذر عند قبيلته وعذر عند عشيرته لكن هذا أقرب الناس إليه فالإنسان من أعظم ما يدعوه إلى الإعراض وأعظم ما يدعوه إلى الصد عن سبيل الله عز وجل حينما يكون ذا غنى وكونه ذا جاه وذا شرف ومنصب في الناس وهذا نشاهده على الواقع، نجد في الناس من هو ذو وجاهة

د. الخضيري: (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ (34) سبأ) تأمل هذا المعنى أن الترف والرفاهية وكثرة المال والغنى يطغيان العبد كما قال عز وجل في سورة العلق (كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى (6) أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى (7)) متى رأى الإنسان نفسه مستغنياً فإن هذا يدعوه إلى الطغيان والاستكبار بالحق.

د. الربيعة: تأمل أيضاً سورة الهمزة (وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ (1) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (2)) جمع مالاً وعدده فكان سبباً في طغيانه واستهزائه وسخريته كما سيأتي الحديث عنه في سورة الهمزة. بعد ذلك تأمل السورة في قوله (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴿١﴾ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴿٢﴾)

د. الخضيري: عملك الصالح إذا اتقيت به الله عز وجل

د. الربيعة: هذه الصورة التي تمثل بها أبو لهب صورة تتكرر كثيراً في واقعنا. ولهذا أبرزها الله عز وجل في هذه السورة وأبرز هذا الرجل ليكون عبرة لغيره وكل من تصدى للصد عن سبيل الله عز وجل فيكون أمامه ابو لهب الذي توعده الله تعالى بالويل (سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ). وتأمل كيف قال (سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ) في مقابل قوله (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) ما المناسبة بين هذين اللفظين؟

د. الخضيري: لا شك أن أبا لهب كان يُكنة في الجاهلية بأبي لهب من إشراق وجهه وحمرته الحمرة التي كانت تعلوه فكان كأنه قطعة من اللهب، فالله عز وجل توعده بضد ما كان يُكنى به وهو أنه سيصلى ناراً متلهبة فكما كنت ذا لهب في الدنيا فأنت ذا لهب في الآخرة وستصلى ناراً ذات لهب. 

د. الربيعة: هذا يجعلنا نقول أن الإنسان سيعذب بالأمر الذي كان سبباً في توليه هذا الكبر وإعراضه. فالإنسان الذي تولى كبره من منصبه فإنه سيعذب يوم القيامة بمنصبه.

د. الخضيري: ومن أحب شيئاً دون الله عز وجل وعبده دون الله عز وجل عُذّب به. لاحظ أيضاً مسألة أخرى مهمة جداً أن أبا لهب لم يقتصر عليه العذاب بل حتى الذين عاونوه وعاضدوه وساندوه ووقفوا معه وكان لهم دور ثانوي في دعم مسيرته في صد الناس عن دين الله عز وجل كان لهم مثل وعيده. فلا تقل أنا سرت في ركاب هؤلاء وسايرت هؤلاء الناس ومشيت معهم وهم الذين غرروا بي، لا أحد يغرر بأحد وما أحد إلا مسؤول عن نفسه ولذلك ذكر الله عز وجل في القرآن امرأته (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ (5)) لهذا نحن نحذر أنت مسؤول بنفسك عما تعتقده وعن مواقفك وستُسال عنها أمام الله سبحانه وتعالى. لا تقل فلان قال بها فقلت بها مثلما قال، لا، عندما يقول بها فلان إعرضها على قلبك واعرضها على عقلك واعرضها كتاب ربك واعرضها على الح واعرضها علة الواقع تأمل هل هي بالفعل تستحق أن يُتبع عليها صاحبها أو لا تستحق، فلا تكن إمعة إن أحسن الناس أحسنت وإن أساؤا أسأت ولكن وطّن نفسك إن أحسنوا أن تحسن وإن اساؤا ألا تتابعهم في إساءتهم

د. الربيعة: ما أكثر المطبلين للباطل يتبعونه وهم لا يشعرون! لكن حينما نتأمل السورة نجدها ركزت على هذا الرجل وزوجته، لماذا زوجته؟ هل فقط زوجته كانت تبعاً له أم كان لها شأن في عداوة النبي صلى الله عليه وسلم؟

د. الخضيري: لا شك كان لها شأن في عداوة النبي صلى الله عليه وسلم كانت تقوم بادوار إيذاء للنبي صلى الله عليه وسلم لا تقل عما يفعله الزوج حتى أنها كانت تأتي بالقمامات والشوك وتضعه في طريق النبي صلى الله عليه وسلم، كانت تؤذي النبي صلى الله عليه وسلم بلسانها، كانت تحاول أن تضع العراقيل في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، تشيع الشائعات، لم تكن مجرد مطبِّل فقط يعني تصفّق لأفعال زوجها فقط ولو فعلت ذلك لكانت ملومة ولكنها كانت تزيد على ذلك بأنها كانت تفعل أشياء محددة في صد الناس عن دين الله وإيذاء أصحاب الدعوات

د. الربيعة: وللسورة سبب نزول نذكره على وجه سريع أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه السورة ذكر المفسرون أن أم جميل امرأة أبي لهب جاءت ومعها حجر تريد أن ترمي به النبي صلى الله عليه وسلم وجاءت تقول أين الذي يسبني؟ فجاءت والنبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر عند الكعبة فقال أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم هاهي أم جميل قد أقبلت، فلما جاءت لم تر النبي صلى الله عليه وسلم حجبها جبريل عنه فقالت أين صاحبك؟ لو رأيته لرميته بهذا الحجر. هذا يدلنا على أن المرأة لها شأنها ولذلك نقول هي رمز النساء اللآئي يتولين الإفساد في الأرض.

د. الخضيري: وما أكثرهن في هذا الزمان. وبالمناسبة أشرت إلى شيء مهم أن الإنسان قد لا يكون رأساً في الفساد لكنه يطبِّل للفساد فلا تظن أنك بمنأى عن عقوبة الله عز وجل، والله أنا دعيت إلى قناة فضائية إلى أن أصور أو أؤجر للبنك الربوي هذا أنا ما لي شأن في هذه الأمور أنا ما فعلت شيئاً من الإثم، إذن من الذي هيّأ لهم هذا البلاء؟ من الذي قدّم لهم هذا العمل على طبق من ذهب؟ من الذي ساعدهم في تحقيق ممكنهم ومحاربتهم لله؟ّ هو أنت وتعلم أن هذا محرّم وهذا لا يجوز فلا يحل لك أن تتصرف هذا التصرف ووزرك على قدر عملك وكلهم مشتركون في الوزر.

د. الربيعة: في السورة قال (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ (5)) الجيد هو الرقبة، فالرقبة تسمى جيداً إذا كان عليها حليّ تسمى جيداً فهذا الجيد الذي كان عليه الجمال والبهاء سيكون عليه حبلاً من مسد. ما هو المسد؟

د. الخضيري: هو الحبل من الليف المتين ستجر به يوم القيامة. نختم بمسالة مهمة جداً وهي أن أبو لهب عم النبي صلى الله عليه وسلم ومع ذلك لم ينفعه قربه لما كفر برسول الله وهذا يقرره النبي صلى الله عليه وسلم لنا كلمة جميلة عظيمة أحب أن اذكر بها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من بطّأ به عمله لم يُسرع به نسبه" لا تقل أبي عالم، أبي تخرج من الجامعة الفلانية، أبي مفتي، أبي من الصالحين، بنى المساجد، أنفق النفقات، أنت ماذا فعلت؟ أنت ماذا قدمت؟ أنت ماذا صنعت لنفسك من الصالحات؟ لا تقل قد عمل آبائي وأنا سلسلة من الصالحين لكن ماذا عملت أنت؟ من بطّأ به عمله لن يسرع به نسبه. نسبك لن يقرّبك إلى الله إنما الذي يقربك غلى الله عز وجل هو عملك فلننتبه لهذا ولنحذر من الفخر بأنسابنا وأحسابنا وندع العمل الذي هو حسبنا ونسبنا يوم نلقى ربنا سبحانه وتعالى.

 

د. الربيعة: ما أعظم هذه السورة في ختام حديثنا عنها حينما تعطينا معنى عظيماً في الذين يصدون عن دين الله ويتولون كبر هذا الصدّ نحذر أن نكون منهم أو أن نكون من أتباعهم أو الناعقين باسمائهم وبدعواتهم وما أكثرهم اليوم! دعوات الباطل، تحرير المرأة، دعوات التغرير، دعوات التبعية للأعداء والغرب، دعوات التخلي عن دين الله، إنها دعوات كثيرة ينبغي أن نتفظن لها ونعرف أصحابها فنحذرهم ونحذر دعواتهم. نختم حديثنا نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من الذي يدعون إلى الخير ويحفظنا من الذين يصدون عن الحق ونسأله سبحانه وتعالى أن ينصر دينه وكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. ولنا لقاء بإذن الله عز وجل في جلسات قادمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل