سورة الإنسان وتنظيم الحياة - د. عصام العويد

سورة الإنسان وتنظيم الحياة - د. عصام العويد

محاضرة في فعاليات جائزة دبي للقرآن الكريم – الدورة 14

(تفريغ موقع إسلاميات حصريًا)

سيكون الحديث عن كتاب ربنا عز وجل الذي قال عنه وهو يصف آياته (الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1) إبراهيم) هذا الكتاب العظيم الذي قال الله سبحانه وتعالى وهو يصف حال الناس معه من استمع إليه ومن لم يستمع إليه، من تدبر آياته ومن لم يتدبر في آياته ربنا سبحانه وتعالى قسم الناس إلى قسمين إما أن يكونوا قد أقبلوا على هذا القرآن العظيم فتحوا قلوبهم لكلام ربهم إما أنهم يأتون إلى الصلاة فإذا جاؤوا إليها وصلوا صلاة التراويح وقرأ الإمام شيئًا من القرآن عندئذ يفتح هذا المؤمن قلبه لكلام ربه فيسمعه بأذنيه وقلبه أو حينما يتلوه يتلوه بلسانه وقلبه، قال الله عز وجل وهو يبين حال الناس مع هذا الكتاب العظيم (وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (105) الإسراء) هذا الكتاب العظيم نزل بالحق من أجل الحق نزل ومن أجل أن يبين طريق الحق للناس إذا ساروا إلى رب الناس سبحانه وتعالى فيقول الله عز وجل (وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (105) وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً (106) قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا (107)) آمنوا بهذا القرآن أو لا تؤمنوا الأمر سيّان فالله هو الغني الحميد، استمعوا لهذا القرآن كما يريد الله عز وجل اقرأوه كما أمر الرب سبحانه وتعالى، أو لا تؤمنوا أعرضوا عنه إذا تليت الآيات كأن شيئًا ما تُلي، إذا تلونا نحن الآيات كأنا نقرأ في كلام من هنا وهناك، الله عز وجل لم يأذن بهذا سبحانه وتعالى بل قال جل في علاه (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ) ما حال أهل العلم مع القرآن؟ (إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا) (وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ (109)) هكذا وصفهم ربنا سبحانه وتعالى (قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً (108)) هكذا تستمع قلوبهم إلى كلام ربنا سبحانه وتعالى، هذا الكلام ليس هو أيّ كلام، هذا كلام الرب العظيم جل في علاه ولذلك لما استمع أهل العلم إليه قال الله سبحانه وتعالى في وصف حالهم مع القرآن (إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً (108) وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109) الإسراء) هكذا حالهم مع القرآن إذا تليت آيات القرآن خرّت قلوبهم سجدًأ لله سبحانه وتعالى تعظيمًا لكلامه العظيم تقديسًا لهذا المنزَّل الذي هو أعظم ما نزلت به السموات السبع ونزل إلى هذه الأراضين هو هذا الكلام الذي بين أيدينا ولهذا من عظّم القرآن حق تعظيمه عرف كيف يستمعه عرف كيف يتلوه عرف كيف يتدبره عرف كيف يغيّر حياته كلها من أولها إلى آخرها بهذا القرآن العظيم. ولذلك إذا كان هذا القرآن بهذه المنزلة عند ربنا سبحانه وتعالى

وَإِنَّ كِتَابَ اللهِ أَوْثَقُ شَافِعٍ***وَأَغْنى غَنَاءً وَاهِباً مُتَفَضِّلا

وَخَيْرُ جَلِيسٍ لاَ يُمَلُّ حَدِيثُهُ***وَتَرْدَادُهُ يَزْدَادُ فِيهِ تَجَمُّلاً

وَحَيْثُ الْفَتى يَرْتَاعُ فيِ ظُلُمَاتِهِ***مِنَ اْلقَبرِ يَلْقَاهُ سَناً مُتَهَلِّلاً

هو الهدى هو الرحمة هو الشفاء هو الموعظة (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (58) يونس) من أراد النور فهنا من أراد السعادة فهنا من أراد النجاة فهنا من أراد كل خير فهنا من أراد النجاة من كل فهنا في هذا الكتاب العظيم. كثيرا منا يدرك عظمة القرآن ويعرفها ولكنه مع ذلك لا يتلذذ حال سماعه للقرآن، لا يتلذذ حال تلاونه للقرآن لا يجد طعم القرآن حينما يقرأ لا يجد لذة وحلاوة القرآن حينما يستمع إلى القرآن وهنا يأتي السؤال الكبير: لم؟ لم ذاك الكافر الذي لم يؤمن بهذا القرآن ولم يصدّق أن نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم مبعوث من الرحيم الرحمن جل في علاه ثم لما استمع إلى آيات قليلات من هذا القرآن قال وهو يقسم: "والله إنه له لحلاوة" لأنه لما استمع للقرآن فتح قلبه للقرآن فأدرك عظمة القرآن فقال مقولة ما زالت تسير في الناس من ذلك الزمان فقال: والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أسفله لمغدق وإن أعلاه لمثمر. كيف قالوا هذا وكيف تذوقوا حلاوة هذا القرآن؟! بل إن الذين تذوقوا حلاوة هذا القرآن من الكفار الذين لا يعرفون شيئًا من لغة العرب وجدنا هذا في مناطق كثيرة في العالم.

(وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ (195) الشعراء) هذا القرآن هو تنزيل رب العالمين سبحانه وتعالى، هذا القرآن لم ينزل على جارحة الأذن ولا على جارحة العين ولا على جارحة اللسان ولم ينزل على الرأس ولا على اليدين وإنما نزل على القلب فهو علاج للقلب ووعاؤه القلب ويجب أن يلتفت القلب إلى كلام ربه لكي يستشعر معاني أن الله سبحانه وتعالى تكلم بهذا الكلام العظيم. بقي السؤال الكبير الآن: إذا كنا على يقين من هذا كيف نستطيع أن نتلذذ بالقرآن؟ أن نجد طعم القرآن؟ أن نكون مع آية واحدة من القرآن ليلة كاملة كما كانوا من قبلنا وفي هذا العصر أناسًا كثيرين منهم يقرأون القرآن بقلوبهم. ما أجمل الخوف من الله جل في علاه، ما أجمل عظيم الرجاء في الله سبحانه وتعالى.

لو تأملنا في كلام الله عز وجل في السور، هذه السور إذا أردنا أن نفهم القرآن وأن نعيش معها لا بد أن ندرك جيدًا حينما نقرأ أسماء السور يجب أن ندرك أن القرآن بدءًا أن القرآن أحكمت آياته فهذا القرآن جملة واحدة أُحكمت آياته ثم قال سبحانه وتعالى (الر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) هود) هذا التفصيل جاء من خلال سور القرآن ومن خلال أحزابه فلما ننظر في سور القرآن لا يظنن أحد منا أي ظنّ أن هذه السور تشبه بعضها بعضًا من جهة المعاني، هي يؤيد بعضها بعضًا، مثاني، يصدق بعضها بعضا لكن لكل سورة خصيصة تميزها عن غيرها. فلما نقرأ سورة الفاتحة فلها ميزة عن سورة البقرة وسورة البقرة لها ميزة على آل عمران وسورة آل عمران لها ميزة عن النساء مثل هذه الميزة مثل أن القرآن كل سورة منه فيها شجر غنّاء فيها ثمار، كل سورة من القرآن لها ثمرة تختلف عن السورة التي قبلها والتي بعدها. لا يجب أن نقرأ القرآن على أنه كله بلون واحد أو طعم واحد لا يفرق بين سورة وسورة فلن نتذوق القرآن! إذا عرف معاني سور القرآن بدأ يستشعر عظمته.

كيف نقرأ سور القرآن؟ تطبيق عملي على سورة الإنسان

نقرأ سور القرآن من خلال عدة خطوات:

النقطة الأولى: استشعار القلب أن هذه السورة كلام من رب العالمين أنزله على النبي صلى الله عليه وسلم: أول ما أبدأ أن أستشعر أن الذي تكلم بهذه السورة هو الرب جل وعلا، هذه السورة ليست رسالة من أمير ولا ملك ولا شيخ، هذا السورة هي كلام الله عز وجل أنزله على خير رسله محمد صلى الله عليه وسلم.

النقطة الثانية: معرفة الحزب الذي توجد فيه السورة: سورة الإنسان في حزب المفصّل. أحزاب القرآن هي بدءًا من سورة البقرة إلى سورة التوبة يسمى عند أهل العلم السبع الطوال. ثم يأتينا حزب ذوات الراء من سورة يونس إلى سورة الحجر بدأت جميعًا بقوله تعالى (الر) تسمى عند الصحابة أهل العلم بذوات الراء. ثم حزب المسبحات يبدأ من سورة الإسراء وهي سبع سور متفرقة آخرها سورة الأعلى تسمى المسبحات السبع وهي من عظائم سور القرآن. ثم عندنا الطواسيم أو الطواسين التي تبدأ بـ (طسم، طس) وهي ثلاث سور في القرآن. ثم ذوات (الم) التي في النصف الأخير في القرآن الكريم وهي أربع سور تبدأ بالعنكبوت وتنتهي بالسجدة ولها شأن عظيم. ثم يأتي ما يسمى بالسبع الحواميم تبدأ من سورة غافر وتنتهي بسورة الأحقاف تسمى (آل حم) أو السبع الحواميم وهذه من أعظم أحزاب القرآن ثم يأتي حزب المفصل ويبدأ من سورة ق وينتهي إلى سورة الناس. كل حزب من الأحزاب له لون وله طعم وله لذة خاصة به ينبغي لقارئ القرآن أن يتنبه للفرق بين الأحزاب.

سورة الإنسان هي في حزب المفصّل أعظم أحزاب القرآن. مقصود حزب المفصل له ثلاث مقاصد عظيمة جداً:

·        المقصد الأول أن نعرف ربنا سبحانه وتعالى، نعرفه بربويته، نعرفه بألوهيته، نعرفه بأسمائه وصفاته. كيف نُدخل محبة الله في قلوبنا وكيف نُدخل رحمة الله سبحانه وتعالى على أنفسنا وعلى أهل بيتنا والناس من حولنا؟ كيف نعرِّف قلوبنا بعظيم ملك ربنا سبحانه وتعالى؟ جاء حزب المفصل من أجل هذا أن نعرف الله وهذا أعظم العلم. أعظم العلم وأعلى العلم أن نعرف ربنا سبحانه وتعالى.

·        المقصد الثاني: أن نكون على يقين من يوم القيامة ويوم القيامة إذا دخل في حياة أحد من الناس من الرجال أو النساء غيّر حياته كلها لأنه يكون يتذكر ذلك اليوم العظيم ويريد لكل لحظاته وساعاته وأوقاته أن تكون منجية له يوم القيامة. هذا اليوم العظيم الذي يقول الله عز وجل عنه (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ﴿١﴾ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ ﴿٢﴾ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ ﴿٣﴾ الواقعة) في ذلك اليوم أناس يُرفعون فيه رفعة عظيمة جدا وأناس يُخفضون فيه انخفاضًا شديدًا جدًا. بكى عمر بن عبد العزيز مع قوله سبحانه وتعالى (خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ ﴿٣﴾ الواقعة) ليلة كاملة فقيل يا إمام لم تبكي معها ليلة كاملة؟! قال إني تذكرت يوم القيامة فعلمت أنه من رُفع في ذلك اليوم والله لا يُخفض أبدًا ومن خُفض في ذلك اليوم والله لا يُرفع أبدًا فتمنيت أن يرفعني الله عز وجل في يوم القيامة.

·        المقصد الثالث: من أجل مكارم الأخلاق التي يجب أن يصبغ الإنسان منا حياته مع كل أحد الصغير، الكبير، المسلم، الكافر، القريب، البعيد، من يكون معي في البيت أو في العمل أو من أقابله في الشارع، مكارم الأخلاق التي لا بد للمسلم أن تكون هي مظهره الذي يتعامل فيه مع الناس وهي مخبره الذي يتعامل فيه مع ربه سبحانه وتعالى.

هذه المقاصد الثلاثة في حزب المفصل وجاءت سورة الإنسان في داخل هذا المفصل لتعالج عندنا جانبًا واحدًا من جوانب هذه الحياة. إذن سورة الإنسان ليست لوحدها هي من ضمن سور المفصل فجاءت تعالج قضية واحدة من مقاصد حزب المفصل العظيم.

إذا عرفنا الحزب الذي جاءت فيه سورة الإنسان وهو حزب المفصل نأتي إلى اسم السورة وهذه هي الخطوة الثالثة إذا أردنا أن نقرأ سور القرآن

إحضار القلب واستشعار أن السورة كلام من الله سبحانه وتعالى

معرفة الحزب الذي فيه السورة

النقطة الثالثة: النظر في اسم السورة. اسم هذه السورة الإنسان إذن هي تتحدث عن الإنسان سواء كان رجلًا أو امرأة، هي تتحدث عن الإنسان وعن الدهر ولو رجعنا إلى أيّ كتاب في التفسير سنجد أن سورة الإنسان تسمى سورة الدهر أيضًا فهي سورة الإنسان وسورة الدهر. والدهر يعني الزمن فهي تتحدث عن زمن الإنسان كيف يستطيع الإنسان أن يستثمر زمنه في كل دقائقه إلى ما يتمناه لنفسه وإلى ما يرضاه الله عز وجل له فإذن سورة الإنسان من اسمها هي في زمن الإنسان كيف يقضيه كيف يستفيد من دقائقه لأجل أن يحقق أهدافه الدنيوية وأهدافه الأخروية.

النقطة الرابعة إحضار كتاب مختصر يوضح كلمات القرآن مثل كتاب زبدة التفسير، التفسير الميسر، المصباح المنير، تفسير السعدي وهي متوفرة في المكتبات وعلى الانترنت. إذا بدأنا نقرأ سورة الإنسان (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ﴿١﴾ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ) لا يصح أن نمر على كلمة لم نفهم معناها بدون أن نبحث عنها فهذا كلام ربنا وينبغي أن نفهمه، مثلًا ما معنى كلمة (أمشاج)؟ لا يصلح أن نمر عليها دون أن نعرف معناها فينبغي أن نفعم معناها ثم نمضي في قرآءة باقي السورة فنفهم معنى (سلسلبيلا) (زنجبيلا) فهذه خطوة لا بد منها أن يكون بين أيدينا كتاب مختصر في التفسير كلما أشكل علينا أمر نرجع إليه.

النقطة الخامسة: فتح القلب مع العقل لتدبر كلام الرب. هذه لذة الإنسان في حياته، إن مكوث المرء مع سورة الإنسان مدة ساعة أو ساعتين يتأمل في آياتها ويتذوق عظيم إعجاز القرآن فيها فإنه يعدل الدنيا بما فيها من النعم لكن ينبغي فتح القلب للسورة. استحضار القلب مع العقل، العقل يتدبر ويتفكر ويدرس ويحلل والقلب يُشحَن إيمانًا ومستعد لتلقي الإيمان من سورة الإنسان. قلوبنا ظمآنة لكلام ربنا كالإنسان شديد الظمأ الذي لم يشرب شربة ماء لأيام، قلوبنا جوعة لطعام كلام ربنا شديدة الجوع، القلب مفتوح والعقل يشتغل نأتي إلى سورة الإنسان وتنظيم الحياة.

سورة الإنسان بدأت لتنظم حياة الإنسان من أولها إلى آخرها، تريد أن تكون عالمًا، داعيًا، شيخًا، طبيبًا، مهندسًا، إعلاميًا، أيّا كنت، سورة الإنسان جاءت لتخطط حياتك وتعلمك كيف تستفيد من زمنك وحياتك لتطوّر ذاتك. تطوير الذات جاء في سورة الإنسان والذي يطور ذاتنا هو الذي خلقنا سبحانه وتعالى.

يقول الله تعالى في أول سورة الإنسان (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ) فالله هو الذي خلق وهو الذي علِم وهو الذي يقدر سبحانه وتعالى أن يهدينا للتي هي أقوم. نريد أن نخطط لحياتنا من سورة الإنسان لأن سورة الإنسان أو سورة الدهر تعلمني كيف أستفيد من زمني لأطوّر ذاتي جاءت سورة الإنسان لتبين هذا الطريق كيف أسلكه بدلالة ربنا سبحانه وتعالى لنا.

نأخذ مقاطع من السورة ونستخرج منها تنظيم الحياة بالنسبة لنا، نقرأ في السورة ونتدبر في كلام الله عز وجل بشرط أن يكون العقل حاضرًا والقلب مفتوحًا. العقل يركز أن هذا كلام الله سبحانه وتعالى والقلب منفتح أنه أمام كلام الله.

نصطحب مقصود السورة أنها تنظّم حياتنا، الإنسان والدهر فنبدأ نقرأ (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ﴿١﴾ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴿٢﴾ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴿٣﴾) هذه الآيات في أوائل سورة الإنسان تتحدث عن شيء عجيب غريب يقول الله عز وجل عن هذا الإنسان (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا) كان عدمًا، لماذا يقول الله عز وجل للإنسان أنه كان عدمًا؟ كوننا لم نوجد أنفسنا وإنما كنا عدمًا ثم أُوجدنا فهذه نقطة ضعف، نحن نحتاج إلى غيرنا ليخلقنا (إِنَّا خَلَقْنَا) هناك خالق وهناك مخلوق، هذه أولى نقاط الضعف في الإنسان.

النقطة الثانية من نقاط الضعف قال الله سبحانه وتعالى (مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ) كون الإنسان من نطفة هذا دليل ضعف في المخلوق ودليل قوة في الخالق سبحانه وتعالى. (أمشاج) هي خليط من ماء الرجل مع ماء المرأة مع شيء من الدم وكلمة (أمشاج) ليست كلمة مدح وإنما كلمة تحقير كأن الله عز وجل يريد أن يغرس في قلب المستمع لهذه الكلمة أن اعرِف قدْرَك! اعرف من أنت حتى لا تتكبر على خالقك.

النقطة الثالثة من نقاط ضعف الإنسان قول الله تعالى (نَبْتَلِيهِ) لو أن اثنين حصل بينهما مشكلة كبيرة جدًا فلو أحدهم ضرب الآخر فالمضروب ضعيف لم يستطع أن يبادر هو بالدفاع عن نفسه فهذا دليل شدة ضعفه، الله سبحانه وتعالى يقول للإنسان أن الله سبحانه وتعالى ينزّل أقداره سبحانه وتعالى والعبد ليس له إلا أن يستقبل هذه الأقدار، قد يُخلق أحدنا بشكل معين بطول معين بأسرة معينة يخلق بمواصفات معينة عندما يخرج إلى الدنيا ليس له يد في هذه الاختيارات، الله هو الذي قدّر له فقال الله سبحانه وتعالى (نبتليه) فطكر في بداية سورة الإنسان نقاط الضعف الثلاث في الإنسان

1-   لم يكن شيئًا مذكورا، 2- من نطفة أمشاج، 3- نبتليه

لكن الإنسان لم يبق على هذا الضعف وإنما يعلمنا الله سبحانه وتعالى في السورة نقاط الضعف ونقاط القوة فينا التي وهبنا الله عز وجل لنا وهي ثلاث نقاط في سورة الإنسان:

نقاط القوة في الإنسان:

السمع (فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا)

البصر (بَصِيرًا)

الهداية (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)

ثلاث نقاط ضعف وثلاث نقاط قوة، هذا يتعلق بأصل الخلق، كيف نستفيد منها في حياتنا؟ الإنسان يريد أن يكون داعيًا هاديًا للناس من الظلمات إلى النور فعليه أن يعرف نقاط ضعفه وقوته ليرى إن كان يصلح لهذه المهمة أم لا.

الركيزة الأولى: اِعرف إمكانياتك وقدراتك

إذن أول ركيزة معنا في سورة الإنسان هي أن نعرف نقاط الضعف ونقاط القوة فينا وأن يعرف الإنسان نفسه معرفة كاملة، تريد أن تطلب العلم عليك أن تعرف نفسك جيدًا إن كنت تملك الفهم والذكاء، تريد أن تكون طبيبًا عليك أن تعرف مؤهلاتك الذاتية جيدًا، تريد أن تكون إراديًا فعليك أن تعرف نفسك هل أنت حازم، شديد، البعض لا يصلح لإدارة شركة أو للتجارة لأنه سريع الغضب شديد مع الموظفين فهذا لا يمكن أن ينجح في إدارة شركته وينفر الناس منه. من يريد أن يفتح مؤسسة تجارية ولكنه يتعامل بلين زائد يسرقه الموظف في الشركة فيقول اتركوه هذا لا يستطيع أن يستمر! لا بد معرفة نقاط ضعفك ونقاط قوتك مما وهبك الله عز وجل إياه. ولا بد للزوج أن يعرف نقاط القوة والضعف في نفسه وفي زوجته ولا بد للزوجة أن تعرف في نفسها مواطن الضعف في نفسها حتى تغطيها ومواطن القوة في نفسها وفي زوجها حتى تستطيع أن تتعامل مع الزوج وكذلك الأهل مع الأبناء والبنات فالأهل يطمعون أن يكون أبناؤهم ذوو وظائف مرموقة فيحاولان محاولات شديدة ليسلك مسلكًا معينًا ليحقق أهدافهما هما لا أهدافه هو في الحياة، هنا الأب والأم أخطأوا في أنهم لم يدرسوا مواطن القوة والضعف في الأبناء والبنات! ادرسوا هذا جيدًا تجد أنك تستطيع أن تدير حياتك الاجتماعية حياتك الوظيفية حياتك كعلاقات بينك وبين أهلك والناس وزملائك لأنك عرفت كيف تتعامل مع نقطة الضعف ونقطة القوة في هذا الذي أصبح مفروضًا عليك أن تتعامل معه في حياتك. هنا في أمر الدنيا إذا جئنا إلى أمر الآخرة يكون الأمر أشد وأعظم والسورة نزلت أصلًا لنخطط لحياتنا الأخروية لكن لا باس نستفيد منها في حياتنا الدنيوية.

الركيزة الثانية: اِعرف غايتك، حدد هدفك في الحياة

من قوله سبحانه وتعالى (فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (12) مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (13) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (14) وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (15) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (16) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (17) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (18) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (19) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (21) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا)

حدد هدفك في الحياة، تريد الجنة؟ أيّ الجنات تريد؟ جنة الأبرار أم جنة المقربين في عليين؟ إذا اخترت شيئًا غير هذا ستأتيك غاية تصل إليها في نهاية الأمر! في أمورك الدنيوية حدد هدفك بوضوح بالغ جدًا. الله عز وجل أمر بتحديد نقطة النهاية قبل تحديد نقطة البداية وهذا معلوم حتى عند المدربين أنه يجب تحديد نقطة النهاية ونستقر عليها قبل أن نبدأ بتحديد نقطة البداية. أردت أن أصل إلى الفردوس الأعلى من الجنة هذا أمر أخروي وأمر عالي جدًا، لما حددت الغاية تريد الفردوس الأعلى تريد أن تلتقي مع النبي صلى الله عليه وسلم تحت قبتها والمعروف أن الفردوس الأعلى قُبّتها عرش الرحمن سبحانه وتعالى تريد أن تكون هناك؟ حددنا نقطة النهاية فنحدد نقطة البداية بداية انطلاقي إلى الفردوس الأعلى وهي لا تحتمل تضييع أوقات وإهدار الدقائق والثواني، الفردوس يحتاج إلى جد دائم. أين الفردوس الأعلى في سورة الإنسان؟ أصحاب الفردوس في سورة الإنسان؟ الله سبحانه وتعالى قسم أصحاب الهمم الذين يريدون الجنة إلى قسمين: فذكر القسم الأول الذي هو عامة الناس من الرجال والنساء إنما مبلغهم أن يصلوا إلى جنة الأبرار فقال سبحانه وتعالى يتحدث عن غالب أحوال الناس (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ﴿٥﴾) تأخذ الملائكة شيئًا من عين الكافور ويوضع في كأس فيشرب منه الأبرار مزجت بهذا الكافور، لكني أريد أن أشرب الشراب صرفًا غير ممزوج مزجًا فقال الله عز وجل هذا ممكن (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا ﴿٦﴾) هناك (مزاجها) شيء يسير توضع مع الماء في الكأس، أما هذه (يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا) هذا الشراب العظيم جدًا في تلك الجنة العالية يتفجر في كل مكان إذا جلس من أنعم الله عليه أن يكون في الفردوس الأعلى سيجلس في جنات عدن ثم بعد ذلك إذا أراد كافورًا يتفجر له من هنا ثم من هناك ثم يتفجر من كل مكان. هناك (كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا) وهنا (يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا) فالواحد منا يختار لنفسه إن كان يريد له أن يمزج له بالكافور فخير وبركة وإن كان يريد أن يفجر العين تفجيرًا فلن يكون ذلك إلا بجد وحزم واجتهاد يليق بتلك الدار. هذا عندما يريد الله عز وجل منا أن نحدد الغاية. هذه الغاية قد تكون أيضًا في الدنيا فإذا أراد الله شيئًا في الدنيا فليحدد الآن. ما هو هدفك في الحياة؟ هل حددت هدفك في الحياة؟ فيبنغي أن تكون كل الوسائل التي تسعى من خلالها يجب أن توصلك إلى هدفك هذا، فإذا خلطنا بين وسائل العلم وبين وسائل الدعوة لن نصل إلى غايتنا. لو كان هدفك أن تكون تاجرًا فلا بد أن تكون وسائلك توصلك إلى هذه الغاية، هنا يدرس الإنسان نفسه.

الركيزة الثالثة: وسائلك الواجبة والمكمّلة وضرورة تنوعها

منها وسائل واجبة لازمة لا يمكن أن تصل إلا بها وهناك وسائل مكمّلة مستحبة وهذه الوسائل لا بد أن تكون منوّعة. فالذي يريد أن يكون تاجرًا إذا سلك طريقًا واحدًا للتجارة وخسر فيه سيفشل تحقيق الهدف، تريد الفردوس الأعلى من خلال الصلاة، من خلال الصدقة، من خلال الدعوة، حدد له وسيلة أو وسيلتين لتحقيق هدفه فقط، تريد أن تكون طبيبة، داعية حددت لها وسيلة أو وسيلتين، هذا غير صحيح، الأهداف لا بد أن تكون واضحة والوسائل لا بد أن تكون منوعة وكثيرة جدًا لأنه إذا لم تستطع من خلال وسيلة أن تصل للغاية فهناك وسيلة أخرى متوفرة وموجودة. كيف ذكرت سورة الإنسان هذه الوسائل؟

أول الوسائل التي ذُكرت في سورة الإنسان (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا ﴿٧﴾ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ﴿٨﴾) الآية الأولى (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا) هذه وسيلة متعلقة بالخالق، الوسيلة الثانية في الآية التي تليها متعلقة بالمخلوق (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا)، إذن لا بد أن تكون وسائلنا تسير على خطين كبيرين جدًا:

الخط الأول وسائل توصلني إلى الخالق

والخط الثاني وسائل توصلني إلى المخلوق، إلى مرادي من علاقاتي بالناس، ما الذي أريده في الحياة الدنيا وما الذي أريده في الحياة الآخرة. لا بد من وسائل للآخرة ولا بد من وسائل للدنيا فالدنيا والآخرة تحتاج (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) البقرة). حاجة الآخرة عبّر الله سبحانه وتعالى عنها (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا ﴿٧﴾ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ﴿٨﴾) في الدنيا قال (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ) وفي الآخرة قال (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا). (يوفون) و (وَيَخَافُونَ) فعل مضارع وعبّر بالمضارع هنا لأنه لا بد من الاستمرار، إذا وعدت الله عز وجل أن أفي مع الناس بشيء، هناك نذر لا بد أن أوفّي بنذري هذا، يؤكد الله سبحانه وتعالى أن هذا الإنسان إذا نذر لربه سبحانه وتعالى شيئًا فعندئذ يجب أن يوفي بهذا النذر العظيم فهي وسيلة من أعظم وسائل وصول العبد إلى ربه. (وَيَخَافُونَ) يستمر في خوفه من الله عز وجل (وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا) مستطير منتشر وعامٌ واقع على كل أحد، هذا بالنسبة للوسيلة الموصلة إلى الله. قال (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) على حبه أي أنهم يحبونه، ينفقون ما يحبون، جاء فقير فطرق الباب إما أن يقول الإنسان هذا مسكين فقير فيأخذ أي شيء بعدما ينتهي من الطعام أو يقدم الطعام الذي لا يحبه أهل البيته هنا لا يكون قدّم الذي عليه فالذي عليه أن يُطعِم مما يحب، أردت أن تنفق أنفق مما تحب ولا تنفق من فتات الطعام أو من الشيء الذي لا تحبه حتى من جهة المال ومن جهة كل ما تريد أن تعطيه للغير، أنفق إنفاق كريم ينتظر ردّ الكريم سبحانه وتعالى بالإحسان إليه. (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) الأسير في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يكون في ذلك الزمن إلا إنسان كافر محارب عدو لله ورسوله، فهذا الإنسان جاء يقتل فينا ويحاربنا ويصدّ عن دعوة ديننا يقول الله عز وجل (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) تطعم هذا الكافر المحارب من أطيب الطعام وأحسنه. نقول للمسلمين في شهر الصيام عليكم بالإنفاق على غير المسلمين أطعموهم من طعام رمضان من إفطار هذا الشهر الفضيل، من عشائه من سحوره، إذا عرفتم من حولكم حتى لو كان من غير المسلمين أو ممن لا يصلي ما دام أنه إنسان فإن سورة الإنسان أمرت بإطعامه الطعام الذي نحبّ سيكون هذا الطعام الذي سنقدمه هاديا لذلك الإنسان لكي يعرف الإيمان وهذا مراد سورة الإنسان.

لنتأمل سريعًا كيف تنوعت الوسائل في سورة الإنسان. يقول الله عز وجل (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ) هذه غاية ليست وسيلة، كيف دخلت الغاية ضمن الوسائل؟ الغايات تدخل ضمن الكلام عن وسائل جعلها الله عز وجل ليحقق الإنسان مراده لأجل قضية مهمة جدًا: الله، القيامة، الجنة، النار، هذه الأربع لا ينبغي بحال من الأحوال أن تغيب عن وسائلنا التي نستخدمها في الدنيا لنصل إلى مرادنا وإلى مراد ربنا. هذه غايات ينبغي أن نتذكرها في كل مراحل الطريق ولذلك تأتي مع الوسائل. أنا بدأت بالوسائل لأصل إلى غايتي لكن لا تنس هذه الغايات في ضمن هذه المراحل التي تسلكها إلى ربك" الله، القيامة، الجنة، النار، هذه غايات لا ينبغي للمربي ولا للمتربي، لا ينبغي للسمع ولا للبصر ولا للعقل ولا للقلب أن تغيب في أي لحظة من لحظات مسيرنا إلى ربنا سبحانه وتعالى. تأملوا بقية الوسائل وهي كثيرة ومتنوعة في سورة الإنسان أشار الله عز وجل إلى أكثر من عشرين نوعًا من الوسائل في سورة الإنسان.

الركيزة الرابعة والأخيرة: العوائق والتحديات

قول الله عز وجل (إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا ﴿٢٢﴾) هذه غاية، قال بعدها (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلًا ﴿٢٣﴾) هذه وسيلة (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ) الصبر وسيلة. الصبر ذكر في سورة الإنسان مرتين بينما القرآن لم يذكر إلا مرة واحدة وهذا يدل على عظيم أهمية الصبر في تحقيق وسائلنا ولذلك تكرر الصبر في القرآن 88 مرة ما يكاد يُذكر الصبر في القرآن إلا ويتقدم الصبر على غيره في أغلب المواضع التي يأتي فيها الصبر إلا ويتقدم الصبر، إذا اجتمع الصبر والقرآن يتقدم الصبر، إذا اجتمع الصبر والصلاة يتقدم الصبر في آية مشهورة (اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) البقرة) ما قال استعينوا بالصلاة والصبر قال (بالصبر والصلاة) أن الصبر وسيلة أعظم من الصلاة لتحقيق المراد فكلما جاء الصبر معه شيء في القرآن في الأغلب أن الصبر هو الذي يتقدم فتقدم على القرآن وتقدم على الصلاة وتقدم على التقوى وتقدم على الثبات وتقدم على الهداية لأن الصبر لا بد منه. خذوها قاعدة: إذا ركب الإنسان الصبر وكان دليله القرآن والله لن يقف إلا تحت قبة عرش الرحمن سبحانه وتعالى. فعليك بالصبر وخذ دليلك القرآن وانتظر موعود ربك سبحانه وتعالى.

لا بد حتى نصل أن نتجاوز عوائق وتحديات هذه طبيعة الحياة في الدنيا، غالبًا في البداية تكون الأمور سهلة وميسورة فإذا حققت نجاحات وتعددت وسائلك وكبرت غايتك تصبح العوائق كبيرة. أول عائق ذكره الله عز وجل في سورة الإنسان هو (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا ﴿٢٤﴾) الله سبحانه وتعالى قسم هؤلاء الناس إلى نوعين: آثم وكفور، الكفور يدعو إلى كفر أما الآثم فلا يلزم أن يدعو إلى كفر وإنما يدعو إلى معصية، يدعو إلى أكل مال حرام، إلى نظرة حرام، إلى سماع حرام، إلى ظلم مسكين ويتيم، إلى عقوق بالوالدين، إلى قطيعة بالأرحام، إلى عدم إحسان بالأبناء، يأمر بإثم لا يأمر بكفر فالله عز وجل يذكر للإنسان أنه إذا أردت أن تسير إلى ربك فإنه سيأتيك اثنان من الناس واحد منهم يدعوك إلى الكفر وبإذن الله لن نستيجب له نسأل الله عز وجل أن يحفظنا من هذا وآخر يدعوك إلى الإثم إلى أن تترك الطريق وتنشغل من هنا وهناك، تسير الفتاة في طاعة الله عز وجل وفي محبة الخير وفي حفظ القرآن وتعليم القرآن وفي ذكر الأذكار والأوراد الشرعية في اللباس المحتشم في الإحسان لوالديها في الإتصال على أقاربها وأرحامها، في بذل المعروف في الابتسام والمعاملة الجيدة لزميلاتها ثم لما يراها من هنا وهناك أناس لا يرون أن الوصول لهذه الغاية مكسب وإنما يرون بالنسبة لهم جريمة لأنهم هم لم يصلوا ولا يريدوا لغيرهم أن يصلوا فيبدأ يرمي بالحبال وبالعوائق ويضع الحفر أمام الإنسان حتى يقع في شيء منها ولا يصل إلى مبتغاه فالله عز وجل يقول انتبه هؤلاء الناس ذاك الذي يدعوك إلى الكفر والعياذ بالله أو ذاك الذي يدعوك لغير الطريق المستقيم تقول الفتاة لزميلتها إلى متى ستبقين متحجبة متنقبة؟ فتبدأ تذكر لها أشياء في ظاهرها شيء من زينة الحياة الدنيا ثم بعد ذلك تزين لها وتجر قدمها إليها وآخر حريص على الصلاة في المسجد فيأتيه من يقول له الصلاة في المسجد ليست واجبة وإنما مستحبة لم لا تصلي في البيت؟ إذا كانت مستحبة لم لا أصليها وأطلب من الله عز وجل خيرا وأجرا منه سبحانه وتعالى ولذلك هؤلاء الذين يعوقون الطريق كثير جدًا وأشكالهم وأنواعهم ومكرهم وخططهم كثير، في الانترنت كثير وفي الجوال وفي العمل وفي الأسرة قال الله عز وجل لنا في هذا الجانب حرفًا واحدًا (لا) (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا) أنا اتخذت وسائلي وحددت أهدافي بوضوح سرت إليها بنشاط وهمة عالية جاء من هنا وهناك من زخرف لي القول وزخرف لي الفعل ووضع أمامي أشياء أقول كلمة واحدة (لا) (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا)

العائق الثاني والأخير وهو أعظم وأجل وأخطر هو قوله سبحانه وتعالى (إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا ﴿٢٧﴾) هذه مشكلة كثير من الناس! لماذا لا يصل إلى مراد ربه؟ لماذا لا يحقق ما يريد في الدنيا والآخرة؟ القضية شيء واحد هي المحبة الشديدة للدنيا (إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ) الواحد منا يريد أن يحقق كل شيء في الدنيا، ينبغي أن نترك شيئًأ للآخرة ولا نسعى وراء زينة الحياة الدنيا كلها لا يفوتنا منها شيء! نريد هداية من الله ونريد جاهًا وسلطانًا ومعرفة ومحبة من الناس ونريد مالًا نفعل به ما نشاء ونريد صحة وعافية ونريد بنين وبنات ونريد ونريد ثم الإنسان يجعل كل هذه الدنيا بزينتها الكاملة يريدها أن تكون بين يديه يأخذ منها ما يشاء ويدع ما يشاء! ماذا تركنا للآخرة؟ ما الذي نحتاجه من الصبر إذا كانت الدنيا ستكون على هذا النحو؟ وهي للأكارم من خلق الله لأعظم خلق الله نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لم تكن كذلك (إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ) محبة العاجلة ينبغي أن نُخرجها من قلوبنا ليس معناه ترك الدنيا، كلنا يأكل ويشرب ويتزين هذا ليس فيه إشكال لكن لا تكن محبة الدنيا في القلب! يقول الله سبحانه وتعالى (إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا) علاج قضيتنا هنا أن نتخفف من محبة الدنيا ما جاءنا منها خير وبركة، شيء رزقك الله إياه فاشكر ربك واحمده، ما حصل ما تريد وتتمنى وترجو الأمر سهل ويسير لأن الذي نرجوه في الآخرة قبل أن يكون في الدنيا ولذلك (إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا) وراءهم يعني خلف ظهورهم. يذرن من وَذَر ومعنى وَذَر في لغة العرب أي أنهم تركوها مع عدم رغبة فيها وليس الترك المجرّد، فهو يحب الدنيا ويتعلق بها أما الآخرة فتركها وذرها من غير محبة وتعلق بها (وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا).

 في سورة الإنسان آيات كثيرة نستطيع أن نصفها بأنها ثقيلة وقعها على القلب شديد لأن الإنسان يحتاج إلى هذا، الإنسان كثيرا ما يكفر بنعمة الله سبحانه وتعالى وكثيرا ما ينسى إفضال الله سبحانه وتعالى عليه فلا تنس وأنت منعم عليك بأتم النعمة والعافية ثم مرضت مرضاً لمدة سنة أو سنتين كيف تقابل شكر ربك لما جاءك ابتلاء يسير عارض من الله عز وجل فجاءت سورة الإنسان بهذه الآيات 

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل