وقفات مع سورة المائدة - الشيخ محمد نصيف

وقفات مع سورة المائدة - الشيخ محمد نصيف

(تفريغ موقع إسلاميات حصريًا)

روى الإمام البخاري عن طارق بن شهاب قال: قالت اليهود لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنكم تَقرَؤونَ آيةً، لو نزلَتْ فينا لاتَّخَذْناها عِيدًا. فقال عُمَرُ: إني لأعلَمُ حيثُ أُنزِلَتْ، وأينَ أُنزِلَتْ، وأينَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ أُنزِلَتْ: يومَ عرَفَةَ، وإنا واللهِ بعرَفَةَ .الراوي: عمر بن الخطاب، المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 4606 - خلاصة حكم المحدث: [صحيح] وهذا يدل أن اليهود يعرفون قدر هذه الآية والأولى بالمسلمين أن يعرفوا قدرها، الله سبحانه وتعالى يقول لعباده (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا (3)) فأيّ نعمة وأيّ منّة وأيّ سرور يحصل للمؤمن بهذا الخبر الصادق! لكن اليهود قوم يحبون الاحتفالات البدعية والأعياد المتكاثرة والمسلمون عندهم عيدان ليس لهم عيد ثالث، عيدان في السنة لا ثالث لهما لكن هذا يدل على عظمة هذه الآية في سورة المائدة.

وهذا الخبر يعني أن هذا الجزء من الاية نزل في حجة الوداع بينه وبين وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أشهر تقريبًا ولذلك سورة المائدة عمومًا نزلت في أواخر العهد المدني وهي معدودة من أواخر السور نزولًا لكن فيها جزء نزل في أول الهجرة.

هذه السورة من السبع الطوال والنبي صلى الله عليه وسلم يقول" أُعطيت مكان التوراة السبع (أي السبع الطوال، والتوراة كتاب موسى) وأُعطيت مكان الزبور (والزبور كتاب داوود) وفي آخر الحديث: الإنجيل وهذا كتاب عيسى يقول النبي صلى الله عليه وسلم: أُعطيت مكان التوراة السبع وأُعطيت مكان الزبور المئين (وهي السور التي عدد آياتها قريب من المائة من غير السبع) وأُعطيت مكان الإنجيل المثاني (وهي أقل من المئين أقل من مائة آية وليست من القسم الرابع الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: وفُضِّلتُ بالمفصّل. فكأن النبي صلى الله عليه وسلم قسّم القرآن إلى أربعة أقسام: السبع الطوال والمئين والمثاني والمفصّل - النبي صلى الله عليه وسلم هو خير الأنبياء والمرسلين أُعطي شيئًا زائدًا على ذلك كله – قال: وفُضِّلتُ بالمفصّل.

هذه السورة من أواخر السور نزولًا وهذا شيء من فضلها وقد نبّه الطاهر بن عاشور المفسّر أنها أي هذه السورة احتوت على تشريعات كثيرة تنبيء بأنها أُنزلت لاستكمال شرائع الإسلام وهذا يتناسب مع تأخر نزولها ويتناسب مع (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ) ففيها كثير من الأحكام التي تعتبر خاتمة التشريع والحمد لله على نعمة الإسلام.

هذه السورة بنداء للمؤمنين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ) وهذا هو موضوع السورة الإيفاء بالعقود وقد يتوهم متوهم أن العقود التي يدخل فيها الإنسان هي البيع والشراء والنكاح ونحوه وهذه من العقود ولا شك ولكنها ليست كل العقود، هناك ما هو أكبر منا. أنا وأنت لما التزمنا بدين الإسلام وقلنا "لا إله إلا الله محمد رسول الله" دخلنا في عقد كبير ستشير له الآيات في السورة، الإنسان إذا دخل في الإسلام لم يصبح مخيّرًا يفعل ما يشاء وإنما هو ملتزم بعهد لا مع زيد ولا مع عُبيد، ولا مع وليّ زوجته ولا مع بائع ومشتري وإنما هو في عهد مع الله سبحانه وتعالى وسيأتي في السورة (وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا (7)) هذا هو قول المؤمنين، إذا دخل في الإسلام قال سمعنا وأطعنا نسمع الحكم ونطيع قبل أن نسمعه كما قال الله سبحانه وتعالى في سورة النور (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا (51)) قبل أن يعرفوا الحكم. فالعقد عقد كبير بين كل عبد موحّد لله وبين الله سبحانه وتعالى فمن وفى بذلك الميثاق فهو الذي له عاقبة الدار وله الجنة والذي ينقض فبحسب مستوى نقضه نعوذ بالله أن نكون من الذين ينقضون الميثاق.

فالسورة بدأت بنداء المؤمنين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ) ويمكن تقسيم السورة إلى ثلاثة أقسام ثم تأتي الخاتمة في نهاية السورة:

القسم الأول بدأ بهذه الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ) ثم بعد حديث طويل عن العقود التي يجب الوفاء بها وعن حال الناس مع تلك العقود بين مؤمن وكافر جاء القسم الثاني يخاطب فيه الله سبحانه وتعالى النبي صلى الله عليه وسلم فيقول له (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) هناك من سينقض الميثاق وهناك من سيوفي بالميثاق فيقول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) ثم يتحدث عنهم.

ثم يأتي القسم الثالث فيقول الله سبحانه وتعالى لنبيه (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ (67)).

·         إذن القسم الأول عن الوفاء بالعقود

·         والقسم الثاني تثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم وبيان لحال قوم نقضوا العهود مع أمور أخرى

·         والقسم الثالث أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بإكمال التبليغ لأهل الكتاب وللمسلمين.

القسم الأول في السورة:في القسم الأول قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ) ثم جاءت عدة أوامر عبر نداءات من الله تعالى لخلقه وهذه النداءات لمصلحة من؟ عندما ينادينا الله تعالى فنحن المستفيدون وحدنا لأن الله تعلى غنيٌ عن عباده فإذا ناداهم ناداهم لمصلحتهم وإذا ناداهم ناداهم لإغاثتهم وإنقاذهم وذلك يقول الله سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ (24) الأنفال) إذا ناداك الله فهو خير لك فيرعيها الإنسان سمعه ويتأمل فيها. قال الله تعالى في أول السورة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ)

ثم قال سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ (2)) وهذا على ما اختار الإمام الطبري نهيٌ عن التصرف في أحكام الله بتحليل وتحريم، الله سبحانه وتعالى يقول هذا حرام ونحن نقول الأيام صعبة، هذا حلال! أو العكس وبعض المفسرين يخصها بأحكام الحج ويقول شعائر الله المقصودة هنا هي شعائر الحج ولا تعارض بين القولين ولا يجوز لإنسان أن يتدخل بأحكام الحج من تحليل أو تحريم من عند عقله ولا أن يتصرف في دين الله عمومًا وفي حدود الله فيقول مثلاً نزيل حكم الردّة، نزل حكم التعزير، أو نبيح كذا أو نحرّم كذا، هذا ليس من خصوصيات البشر وإنما البشر عبيد لله سبحانه وتعالى كما قال في هذه السورة (إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ) أما نحن فليس لنا إرادة مع إرادة الله (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا (36) الأحزاب) ليس لهم الخيرة وإنما لهم الاتباع والاستكانة لحكم الله سبحانه وتعالى.

مما أمر الله به في هذا القسم نداء ثالث قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ (6))

ثم نادى نداء رابعًا قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ (8)) الآية تأمر بالعدل ولا يحملنّكم بغض قوم (الشنئآن البغض) على أن لا تعدلوا، أحيانًا عندك مشكلة مع أحد فلأنك تبغضه تكتم شيئًا من الحق أو تجور في الكلام أو تظيد، قد لا يكذب ولكن يزيد بعض البهارات حتى يخرج هذا الشخص كأنه مخطئ وهو ليس مخطئًا وهو تعرف أنه ليس مخطئًا لكنه يبغضه والله سبحانه وتعالى يقول (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) فهذا من الأمور التي من أخلّ بها أخلّ بالعقد مع الله سبحانه وتعالى

من الأوامر التي جاءت في هذه السورة النداء الخامس (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11)) بعض المفسرين نبّه هذه الآيات كلها تأمر بأحكام شرعية وبعض الأحكام الشرعية تأتي للإنسان وتعارض مصالحه مع بني البشر فجاءت هذه الآية تقول للمسلمين ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ) حماكم منهم، والله سبحانه وتعالى هو الذي يحمي إذن على المؤمن أن يطيع أوامر الله ويوفي بالعقود والله سبحانه وتعالى يتولى أمره ويعصمه من الناس سبحانه وتعالى.

ثم بعد أن أمر الله بهذه الأحكام وبدايتها وجماعها الوفاء بالعقود أتى لنا بأمثلة لمن خالفوا العقود أربعة أمثلة:

·         أولها اليهود عمومًا

·         وثانيها النصارى عمومًا

·         وثالثها قصة خاصة ببعض اليهود مع موسى

·         ورابعها ابنا آدم أحدهما عندما قتل الآخر.

يقول الله سبحانه وتعالى (وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ) عهد بين الله تعالى وبين بني إسرائيل والميثاق هو العهد الموثّق جدًا وبين العبد وبين الله ميثاق يقول الله سبحانه وتعالى في هذا الميثاق مع بني إسرائيل (وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ (12) فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ) هنا الشاهد، هم نقضوا الميثاق (فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ (13)).

القصة الثانية: ثم قال (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ (14)) هذا بيان لحالهم لكنه في نفس الوقت إنذار لنا نحن، ليس معنى أن في القرآن آيات عن حال اليهود نقول لعنهم الله أو آيات عن النصارى نقول أخزاهم الله! ونحن؟! نحن إن سرنا في طريقهم وصلنا إلى مكانهم ووالعياذ بالله وإن شابهناهم فلنا نصيب!

ولذلك في القصة الثالثة التي فيها نقض الميثاق قصة لبني إسرائيل مع موسى وهي قوله تعالى (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ (20) يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22) قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (23)). (قَالُوا يَا مُوسَى) اسمع كلامهم ثم اسمع كلام الصحابة من كلامهم (قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24)) قلة الأدب! والشاهد أن الصحابة استفادوا من هذه القصة فقد ثبت في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قبيل غزوة بدر يقول عبد الله بن مسعود قال المقداد عندما استشار النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة قبل غزوة بدر قال المقداد رضي الله عنه كما في صحيح البخاري: يا رسول الله إنا لا نقول كما قال قوم موسى إذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ولكن امضِ ونحن معك فسُرّ النبي صلى الله عليه وسلم بهذا القول. والشاهد في هذا أن الصحابة لم ينظروا لهذه القصة على أنها حدث تاريخي يسمعوه فقط ويعرفوا ما فعل اليهود، القصة تثبت الحدث التاريخي لكن العبرة أن لا نقع فيما وقعوا فيه. وهذا يدل على أن جزءًا من هذه القصة نزل قبل غزوة بدر لأن غزوة بدر في السنة الثانية للهجرة وأكثر آيات سورة المائدة متأخرة في النزول لكن هذه الآيات متقدمة النزول بدليل هذا الحديث وله روايات كثيرة في البخاري وفي مسند الإمام أحمد وفي سيرة ابن هشام. فهذه القصة الثالثة أيضًا مثال لنقض الميثاق.

ثم القصة الرابعة قصة ابني آدم (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27)) في القصة المعروفة التي قتل فيها أحد ابني آدم أخاه وهذا نقض للميثاق وله كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم نصيب من إثم كل من قتل نفسًا بعد ذلك لأنه سنّ سنّة سيئة والعياذ بالله!.

بعد أن ذكر الله تعالى هذه النماذج وجّه الخطاب مرة أخرى للمؤمنين خطاباً عامًا يذكرهم بالمطلوب منهم قال سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35)) حاول أن تبحث عن شيء تتوسل به إلى الله تعالى اعمل من الصالحات ما يقربك من الله ويكون وسيلة لأن تنجو يوم تلقاه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).

القسم الثاني من السورة

وبعد أن انتهى هذا القسم وفيه بيان لمن استجاب ومن لم يستجب وأن الناس فيهم المؤمن وفيهم الكافر قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ) هناك أناس يقولون آمنا لكن قلوبهم ليس فيها غيمان والعبرة بما في القلب لا بما يظهره اللسان (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ) ثم ذكر الله سبحانه وتعالى من أحوال اليهود وخبثهم ونقضهم للميثاق ما ذكر وبيّن سبحانه وتعالى أنهم إن استجابوا لحكم الله وطبقوا شرع الله فإن هذا هو الخير لهم، بيّن هذا في القسم الثاني وفي القسم الثالث أيضًا. وبيّن للنبي صلى الله عليه وسلم وللأمة أن من أهم المهمات في الدين أن يُحكّم شرع الله في كل شيء وجاء فيها (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ (49)) وجاء فيها (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44)) وجاء فيها (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45)) وجاء فيها (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47)) مما يدل على أهمية الاحتكام لشرع الله. وعندما ذكر الله سبحانه وتعالى حال أولئك الذين نقضوا العهد وكما وصفهم الله (أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ (41)) بيّن صفة من سيستجيبون لأمر الله قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54))

وفي القسم الأخير من السورة فيه تبليغ لأمر الله قال الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وخيرته من خلقه (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67)) بلغ ما أنزل إليك من ربك وهنا كلمة (ما) تشمل كل ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم وقد أُمر أن يبلغه كاملًا وقد بلّغه عليه الصلاة والسلام لكن فرضًا (وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) فلو بلّغ جزءًا من الرسالة كبيرًا وترك أجزء قليلة لم يكن قد بلّغ الرسالة ولما كان هذا الأمر شاقًّا قال الله تعالى لنبيه (وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) لا تخشَ الناس عندما تبلغ أمر الله، لا تخشى أحدًا. ثم قال (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ) هنا بدأ الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أمره الله أن يبلّغ الدين أمره أن يبلّغ أهل الكتاب ويقول لهم (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ) كل ما تفعلونه ليست له قيمة (لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم) وفي التوراة والإنجيل إثبات لنبوة النبي صلى الله عليه وسلم فاليهود والنصارى إذا لم يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم فهم لم يطبقوا التوراة والإنجيل وهم كما أخبر الله تعالى ليسوا على شيء لا قيمة لكل ما يفعلونه.

واستمر الخطاب لهم وبينّ الله سبحانه وتعالى في هذا الخطاب التفاوت بين اليهود والنصارى قال (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى) وهنا يسأل سائل لماذا النصارى أقرب؟ قال سبحانه وتعالى (ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83)) وأنت إلى الآن لو قارنت بين أعداد النصارى الذين يُسلمون وأعداد اليهود الذين يُسلمون لا تجد مقارنة أصلًا، عدد النصارى الذين يُسلمون بالملايين وعدد اليهود كما يقال "اسلم يهودي!" يعني حالة نادرة وإن كان هناك من اليهود من يُسلم خاصة الذين يعيشون في أوروبا ولكن لا يقارنون بالنصارى الذين يُسلمون.

بعد ذلك أُمر النبي صلى الله عليه وسلم بتبليغ أمور أخرى للمؤمنين قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87) وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ (88)) ثم قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)) ثم قال سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (94)) ثم قال سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ (95)) ثم قال سبحانه وتعالى وهذا الأمر مهم لأنه سيأتي ما يناسبه في آخر السورة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللّهُ عَنْهَا وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101)) ثم قال سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (105)) ولو تأملت في هذه الأمور تجد بعضها نسخًا لما سبق كما هو الحال في تحريم الخمر (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)) ومن المعروف أن الخمر لم تكن محرّمة ثم حصل التدرّج إلى أن حُرّمت. ثم نلاحظ أمرًا آخر وكأن الآيات تختم الكلام مع البشر (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) وكأن هذا كما أشار من ذكرنا في بداية السورة ختام للشريعة. ثم قال (يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ (106)).

ثم جاءت خاتمة السورةوهي عجيبة يقول الله سبحانه وتعالى في أولها، نحن أُمرنا في الوفاء بالعقود في بداية السورة ثم جاءتنا أوامر وتكاليف شرعية كثيرة جدًا ثم قال الله سبحانه وتعالى في آية ترتجف لها القلوب قال عزّ من قائل (يَوْمَ يَجْمَعُ اللّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ) يعني ماذا أجابتكم أقوامكم؟ (قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (109)) تخيل هذا الموقف العظيم، الرسول بلّغ والأمة وصلها البلاغ والأمم كلها (يَوْمَ يَجْمَعُ اللّهُ الرُّسُلَ) جميعًا (فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ) ابن عباس يقول (لا علم لنا) يعني لا علم لنا إلا علمًا أنت أعلم به منا. لأن النبي يعرف الظواهر والله سبحانه وتعالى لا تخفى عليه خافية وبعض السلف يقول إنما قالوا لا علم لنا لشدة هول الموقف! من شدة الخوف ولذلك في مواقف أخرى سيشهدون (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيدًا (41) النساء) فهو موقف صعب ترتجف له القلوب فيقول الرسل (قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ).

ثم يخصّ الله سبحانه وتعالى من الرسل عيسى بن مريم وهذا مناسب لأن السورة في أكثر آياتها تتحدث عن النصارى فذكر هنا حال عيسى وأنه عبد لله وأنه لن يدعو أبدًا إلا إلى توحيد الله ولذلك جاء في الآيات (وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ) والله عليم بكل شيء لكن هذا تقريع لمن كفروا بالله وعبدوا عيسى أو جعلوه ولدًا لله (أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ) تنزيهًا لك (قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (116)).

وقبلها جاءت قصة سميت السورة بها فالسورة اسمها المشهور هي سورة المائدة وهنا ذُكرت قصة المائدة وووقف بعض العلماء قالوا هذه فيها عدة إشارات، بعضهم قال: هذه فيها بيان لحال صفوة أتباع عيسى وأنهم ليسوا على مستوى أصحاب النبي صلم لأنهم قال (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء (112)) هل سمعتم بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يومًا من الدهر سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بمعجزة حتى يصدّقوا أو يزدادوا إيمانًا؟! أبدًا، وإنما كفار قريش كانوا يقولون اجعل لنا الصفا ذهبًا أما الصحابة فكانوا موحدين مؤمنين بالله إذا ظهرت المعجزة على النبي صلى الله عليه وسلم زادتهم إيمانًا لكن لا يطلبونها ابتداءً، هذا هو الأصل فيهم.

فيها شيء قال، قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) ينبغي للإنسان أن يلتزم الأدب وهذا الأسلوب الذي استخدموه فيه شيء من عدم الأدب ولذلك قال الله سبحانه وتعالى (قَالَ اللّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ (115))

 

أما ختام خاتمة السورةفتأمله واقرأه في آيتين عظيمتين كأنها تبيّن نهاية المطاف لكل من أوفى بالعقد أو أخلف العقد، قال الله سبحانه وتعالى يوم (قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ (119)) الذي وفّى بالعقد وصدق مع الله سينفعه ذلك الصدق يوم القيامة. قال الله تعالى (قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119) لِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120)) ولم يُذكر الذين أخلفوا العهد، ذكر الله مصير الصادقين ولم يذكر مصير غيرهم لأن مصيرهم معروف وحالهم حال بئيس لم يُذكر وكأنهم أقل بعد أن أخلفوا العهد من أن يُذكروا في هذا المقام الذي خُتمت به السورة. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل