تدبر سورة الإسراء -1- د. رقية العلواني

تدبر سورة الإسراء

د. رقية العلواني

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمد الشاكرين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

بين أيدينا اليوم سورة الإسراء تلك السورة التي نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في مكة قبيل هجرته إلى المدينة بعام وبضعة أشهر. نزلت على النبي عليه الصلاة والسلام بعد وقوع معجزة الإسراء تلك المعجزة التي حدثت له وهو يمر بظروف عصيبة. فبعد سنوات من الدعوة المتواصلة لقومه وعشيرته لم يلقَ فيها سوى صنوف من العذاب والتنكيل والسخرية والإستهزاء والتكذيب من قبل قومه وعشيرته وما آمن معه سوى فئة قليلة كان الغالب عليها من المستضعفين والعبيد. تلك الظروف التي مرت به عليه الصلاة والسلام إضافة إلى ما وقع إليه من قضية فقدانه لزوجته تلك السند والمعين له في دعوته السيدة خديجة رضي الله عنها إضافة إلى فقده لعمه أبي طالب الذي كان يدافع عنه أمام عدوان قريش وصدّهم وتكذيبهم، فقد كل هؤلاء واستمر في دعوته عليه الصلاة والسلام، ولكن في تلك الأثناء شعر بأن الأبواب قد غلِّقت أمامه وأن أهل الأرض قد ضاقوا عليه وضيقوا الخناق عليه فإذا بمعجزة الإسراء تحدث تسلية له عليه الصلاة والسلام تؤكد وتبين له أن يا محمد إن كانت أبواب الأرض قد غلِّقت دونك فإن أبواب السماء مفتوحة مشرعة أمامك وإن كان أهل الأرض قد صدّوا وكذّبوا وعنّفوا فإن أهل السماء يعرفون قدرك ولذا هم يحتفون بك أشدّ الحفاوة وأشدّ التكريم.

وهنا تأتي معجزة الإسراء التي جاءت في هذه السورة في آية واحدة فقط بقوله سبحانه مفتتحاً السورة بأسرها بالتسبيح والتمجيد والتقديس لمن قام بهذا الحدث العظيم، لمن أدّى هذه المعجزة سبحانه وتعالى حيث يقول (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوالسَّمِيعُ البَصِيرُ (1) الإسراء).

كانت قريش تدرك وتعرف المسافة الواقعة بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، كانت قوافلهم تمر بذلك الطريق ولكن هذه المرة روى لهم وحدثهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى بما كانت تمر به القافلة التي كانت قد أرسلوها في تلك الأثناء، حدثهم عن طريق واصفاً إياه بكل ذرّة فيه وبكل نقطة بل واصفاً كذلك المسجد الأقصى الذي لم يكن قد رءاه النبي عليه الصلاة والسلام واصفاً إياه وكأنه ينظر إليه عياناً، وتلك كانت فعلاً معجزة ولا تزال هذه المعجزة، وجاءت المعجزة وحدثت في الليل لكي يؤمن بها من كان في قلبه ذرة من يقين وإيمان بالغيب ويبتعد عنها ويكذب بها من كان يحتاج أن يرى تلك المعجزة حسياً وعياناً ولذا إرتد الكثير من الناس بعد معجزة الإسراء ولكن في ذات الوقت ثبت في تلك المعجزة كأبي بكر الصديق من ثبت الذي قال قولته المشهورة حين جاءته قريش تقول له (أما سمعت بصاحبك ماذا يقول ويحدث الناس اليوم؟ قال وماذا يقول؟ قالوا: يقول أنه قد أُسريََ به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ليلاً، فإذا بالصديق يقول إن كان قال فقد صدق لقد صدقته في خبره عن السماء فكيف لا أصدقه في هذا؟!) وسمّي من ذلك الوقت بالصديق.

 

معجزة الإسراء كان الغرض الأساسى منها تسلية قلب النبي صلى الله عليه وسلم صاحب الرسالة، صاحب الهمّ العظيم على دعوته ورسالته، أثّر في نفسه عليه الصلاة والسلام كثيراً وآلمه ألماً شديداً أن لا يؤمن به من قومه إلا القليل بعد سنوات من دعوة متواصلة، دعوة تحمل تلك الرسالة العظيمة بكل ما فيها من قيم.

ولم تكن تلك فقط الهدف الذي يأتي في قضية الأسراء وفي معجزة الإسراء، كانت من ورائه مقاصد. واحدة من أهم تلك المقاصد أن الإمامة قد إنتقلت من الأنبياء إلى النبي عليه الصلاة والسلام متمثلة في إمامته بالأنبياء بالمسجد الأقصى فقد صلّى بهم إماماً، صلّى بإبراهيم عليه السلام صلّى بموسى وعيسى وأخبر ذلك عن ما حدث ليبين لأمته من بعده أن الإمامة قد إنتقلت من كل أولئك الأنبياء لتكمل الرسالة مع هذه الأمة، أمة النبي صلى الله عليه وسلم. وكلنا يعلم أن الإمامة قد أوكلت في فترات من الزمن وعلى مدى أعوام وقرون طويلة لبني إسرائيل ولذا جاءت الآية التي تليها (وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ (2) الإسراء) كانت الإمامة والإصطفاء والإختيار في بني إسرائيل الذين آمنوا بموسى عليه السلام وآمنوا بكتابه الذي أُنزل عليه التوراة وآمنوا بما فيه من تعاليم وكان بنو إسرائيل هم الأمة الوحيدة الموحِّدة في العالم بأسره آنذاك. إختارهم الله عز وجل واصطفاهم على العالمين إختارهم تكليفاً وتشريفاً ولكن أمة بني إسرائيل لم تحمل تلك الأمانة كما كان ينبغي لها أن تحمل، لم تقف من تلك التعاليم الواردة في التوراة والتي أوضحتها سورة الإسراء "هدى ونور وبيان" لم تقف منها ذلك الموقف الصلب القوي الثابت وإنما وقفت مواقف متباينة فتارة تحرّف الكلم عن مواضعه وتارة تشترى بآيات الله ثمناً قليلاً وأخرى تبيع كلمات هذا الكتاب ولا تقف عنده سلوكاً ولا تطبيقاً في واقع حياتها وقد حكى القرآن في سور كثيرة العديد من تلك المواقف المتباينة لبني إسرائيل مع هذا الكتاب العظيم التوراة، وحكى عنهم كذلك المواقف التي كانوا يقفونها من أنبيائهم قتلاً وتكذيباً وتزويراً وتحريفاً.

جاءت الآيات في الحديث عن بني إسرائيل هنا في بدايات سورة الإسراء لتبين أنه أنتِ أيتها الأمة الجديدة يقع اليوم على كاهلك أمانة التكليف أمانة التشريف مسؤولية الشهادة على الأمم مسؤولية تأدية الأمانة والرسالة إلى الأمم المختلفة، ومن هنا عليك أن تنتبهي جيداً فلاتقعي فيما وقعت فيه الأمة السابقة من بني إسرائيل ولا تقفي من الكتاب الذيسينزل عليك "القرآن" الموقف الذي وقفه بنو إسرائيل ولا تقفي من النبي الذيأنزل وأرسل إليك الموقف الذي وقفه بنو إسرائيل من أنبيائهم. ولذا يقولالله عز وجل في سورة البقرة (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)143(البقرة) مخاطباً هذه الأمة الأمة الإسلامية (لِّتَكُونُواْشُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا (143)البقرة) فهى الشهادة على الأمة وهى تكليف التبليغ للأمم التعاليم والقيم التي جاءت في هذا القرآن العظيم. ثم تأتي الآيات وخاصة في مقدمةسورة الإسراء بقول الله عز وجل (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَفِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّعُلُوًّا كَبِيرًا (4) الإسراء) إذاً هو الإفساد الإفساد المادي والمعنوي الذي تتحدث عنه الآيات في سورة الإسراء. الإفساد والعلو والإستكبار الذي وقع في بني إسرائيل حين أعرضت وصدّت عن كتابها وعن تعاليمموسى عليه السلام التي أنزلت في التوراة. هذا التحذير الشديد وهذا التأكيد في أكثر من موضع على الإفساد المادي والمعنوي وعلى العلو والإستكبار الأمراض القاضية الأمراض المستعصية التي حدثت في بني إسرائيلجاءت في سياق التحذير لهذه الأمة الأمة الجديدة من أن تقع في نفس الأمراضالتي وقعت وانتشرت في بني إسرائيل. إهتم كثير من المفسرين فيالقديم والحديث وخاصة في الحديث بالآيات التي تلي هذه الآية وهي (فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَاأُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًامَّفْعُولاً (5) الإسراء) إهتم المفسرون بهؤلاء العباد من هم؟ ما هىمواصفاتهم؟ هل هذا الرد والصد والهزيمة لبني إسرائيل أمر قد وقع فيالماضى قبل البعثة أم بعد البعثة؟ وما هو الصد الأول؟ وما هو الصد الثاني؟ ولكن في واقع الأمر عندما نقف عند الآيات ونتدبر سورة الإسراء بكل آياتهاالتي تزيد على المائة آية نجد أن القرآن لم يحفل كثيراً بتحديد هذهالمسائل وهذه الجزئيات إنما الإهتمام الأكبر كان ينصرف إلى تحديد أهميةموقف الأمة الإسلامية من كتابها. إلى تحديد المواصفات التي جاءت ووردت فيكتابها العظيم القرآن. ففي سورة الإسراء تحديداً وردت صفات وخصائصللقرآن لم ترد في أي سورة أخرى سوى الإسراء. وردت لفظة القرآن أكثر من مرة في أكثر من سور القرآن بمعنى أنه إذا قمنا بجمع سور القرآنكافة لوجدنا أن لفظة القرآن لم ترد بنفس التكرار الذي وردت فيه في سورةالإسراء وفي هذا دلالة واضحة على أن العناية الكبرى ينبغي أن تنصرف لمقصدالإهتمام بالقرآن، خصائص القرآن، الموقف الذي ينبغي أن يكون عليه المسلموناليوم وكل يوم اتجاه هذا الكتاب العظيم. فبقدر ما تقترب الأمة الإسلاميةمن القرآن تطبيقاً وإيماناً وفهماً وتدبراً وتنفيذاً في واقعها بقدرما تكون قد تحققت بالشهادة على الأمم، وبقدر ما تكون قد ابتعدت عنالإفساد المعنوي والمادي والعلو والإستكبار الذي وقع في بني إسرائيل.وبقد ما تبتعد الأمة عن كتابها وبقدر ما تبتعد وتُعرِض عن فهمه وتدبره وتركيز وتطبيق معانيه في واقعها كأفراد وكمجتمعات بقدر ما تكون قد بدأتبالفعل تُعرِض وتدخل في مرحلة الإفساد المعنوي والمادي وبقدر ما تبدأ فيالدخول في رحلة الإفساد بشقيه الإفساد المعنوي والمادي بقدر ما تكون قد حقت عليهاالقوانين التي وقعت وطبقت في بني إسرائيل قوانين الهزيمة قوانين الإبعادعن الريادة والشهادة على الأمة قوانين الهبوط والإنحدار والتردي والتدهور. هذه هي أهم مقاصد سورة الإسراء ولذا قام القانون الأول مؤكداً فيبني إسرائيل وغير بني إسرائيل (إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْلِأَنفُسِكُمْوَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا (7) الإسراء) إذاً هو الإحسان أوالإساءة هو العمل الحقيقي والتطبيق في واقع الحياة. الأمة التيتتخذ الإحسان لها نهجاً وسلوكاً وتطبيقاً في حياتها هي الأمة الكفيلةبأن تشهد على الأمم. والأمة التي تتخذ من الإساءة بكل أنواعها إساءةمادية إساءة معنوية إساءة في الأخلاق إساءة في العمل إساءة في الكسب إساءةفي عالم المادة، بقدر ما تسير على الإساءة في حياتها لن تلقى سوى عواملالهزيمة والإنحدار كما وقع وحدث في بني إسرائيل.

ثم تأتى الآيةالعظيمة بقول الله عز وجل مؤكدة من جديد أن القرآن هو الحاكم أن القرآنهو الذي ينبغي أن يكون في حياة الأمة الجديدة الأمة التي إنتقلت إليهاالإمامة والأمانة، الأمة التي نقل إليها وحملها النبي عليه الصلاة والسلام أمانة التبليغ والتكليف بقول الله عز وجل في الآية التاسعة منسورة الإسراء (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ(9)الإسراء) يهدي للتي هي أقوم، يهدي للتي هي أكمل يهدي للتي هي أقرب للصواب أقرب إلىالإحسان أقرب إلى الكمال وجاءت أقوم مطلقة لم تأتي أقوم في أي مجال لميقل الله عز وجل أقوم في الإقتصاد أو أقوم في السياسة أو أقوم في الاخرةأو أقوم في الحياة الدنيا أو أقوم في أي شيء أقوم هكذا مطلقة أقوم بكلإطلاقياتها أقوم في كل ميادين الحياة، ويبشر المؤمنين وتأملوا معي أيهاالإخوة والأخوات (وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَالصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) الإسراء) يؤكد القرآنفي كل مواضعه أن الأيمان ليس مجرد إدعاء ليس مجرد قول باللسان ليس مجردإعتقاد بالقلب لا، لا بد أن يصاحبه عمل للصالحات لا بد أن يصاحب هذا الإيمانإصلاح مناقضاً للإفساد لا بد أن يصاحب هذا الإيمان عمل صالح متواصل تنعكسفيه معاني الإيمان ومعاني التوحيد بكل ما تأتي به من ثمار عظيمة .

إذاًهو القرآن في أول خصائصه تقدمه لنا سورة الإسراء مؤكدة أنه هو الهادي للتيهى أقوم هو الذي يدل على الطريق هو الذي يبين للأمم وللمجتمعات وللأفراديبين لهم الطريق الأقوم الطريق الأحسن الطريق الأفضل حين تختلط الرؤى والمفاهيم حين تختلط الأسئلة والأجوبة حين تختلط الإشكاليات في قلب الفردالإنسان وفي قلب المجتمع والعالم والأمة. من الذي يفصل في تلك الأثناء؟القرآن هو الهادي هو القويم هو المبين هو المرشد هو الدال على الصواب. وتنتقل الأيات آية بعد آية تبين طبيعة الإنسان تعالج خصائص الإنسان. فواحدة على سبيل المثال من تلك القضايا التي تعالجهاسورة الإسراء هى قضية المسؤولية الفردية مسؤولية الإنسان عن سلوكه وتصرفاته بقول الله عز وجل (وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِيعُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُمَنشُورًا (13) الإسراء) مسؤولية الواحد منا عن أعماله عن أقواله عنخواطره عن تصرفاته. هذه الحياة هي محك هي إختبار هي دار عمل وليست بدارجزاء ولكنها أعمال أحصاها الله علينا وكتبها ووضعها في كتاب سيلقاه وينظر إليه ويقرأه الإنسان حين يلقى الجزاء في الآخرة. ثم تقرر من اهتدىفإنما يهتدى لنفسه، قضية الهداية والضلال سواء كانت في الفرد أو المجتمعالفرد منا حين يبتغي ويقرر أن يسلك طريق الهداية هو لا يسلكه لأجل أحدهو لا يسلكه لأجل زيادة العدد في أمة الإسلام أو في تعداد المسلمين الذيناتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم كما حدث مع قريش أو في المدينة،لا، هذا محضإختيار يختاره الإنسان وهو مسؤول عن ذلك الإختيار، يختار الهداية طريقاً لهفهي الهداية الحقيقية التي ستأتي ثمار هذه الهداية في حياته هو وفي آخرته. وكذا الأمر إذا إختار الضلال فهو مسؤول عن هذا الإختيار مسؤول مسؤوليةلا يمكن أن تقع إلا على نفسه ولذا جاءت في الآية (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌوِزْرَ أُخْرَى (15) الإسراء) لا أحد يتحمل عنك كما كان يظن قريش ويستهزئون بالنبي صلى الله عليه وسلم بقولهم أنهم سيحملون أوزارهم وأوزاراً مع أوزارهم سيتعاونون على حمل الأوزار والذنوب يوم القيامة! تقررالآيات ألا تزر وازرة وزر أخرى، أنت يا إنسان مسؤول عن القرار الذي ستتخذهفي حياتك إن اتخذت الهداية أو إن اتخذت الضلالة.

ثم في نفس الوقتتنتقل الآيات في سورة الإسراء من قضية المسؤولية الفردية إلى قضية أخرى وهي مسؤولية الفرد تجاه مجتمعه، صحيح أنه لا تزر وازرة وزر أخرى صحيح أنالإنسان مساءل عن أعماله هو عن تصرفاته عن إختياره هو ولكن في ذات الوقتثمة مسؤولية تقع على عاتقه وهي ضمن مسؤوليته الفردية اتجاه المجتمع الذييعيش فيه. هو لا يعيش في سفينة المجتمع ويبحر فيها فرداً لا يشعر بمايشعر به الآخرون ولا يهمه ما يراه أمامه في واقع الحياة من إنحرافات أو من أخطاء أو من أشياء ينبغى أن تصحح، أبداً، الفرد المسلم الذي اختار القرآن واختار الإسلام طريقاً ونهجاً لحياته لا بد أن يشعر بمسؤوليته إتجاه مجتمعهإتجاه من حوله فيقوم تصحيحاً وتعزيزاً وتغييراً وتبديلاً لكل ما حولهمن أخطاء لكل ما يراه من حوله من إنحرافات أو سلوكيات، وفي هذا الموقفالذي تقرره سورة الإسراء بقول الله عز وجل (وَإِذَا أَرَدْنَا أَننُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّعَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16) الإسراء) في كلتلك الأثناء في سورة الإسراء تربط الآيات بالأحداث والأخطاء التي وقعت فيبني إسرائيل، أمة بني إسرائيل. فقد جاء في سور أخرى قول الله عز وجل(كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَاكَانُواْ يَفْعَلُونَ (79) المائدة) كانت أمة بني إسرائيل أمة لاتستشعر المسؤولية الجماعية لا تستشعر مسؤولية الفرد إتجاه المجتمع الفرديعيش في واد والمجتمع يعيش في وادٍ آخر، قد يكون الفرد صالحاً في نفسهأو ذاته ولكنه لا يحقق توجهات المسؤولية الإجتماعية في المجتمع الذي يحيافيه، لا يشعر بأن لديه مسؤولية إتجاه هذا المجتمع لا يشعر بأنه ينبغي أنيتحرك ليغير منكراً يراه أمام عينيه يعرف المعروف وينكر المنكر. يعززالصواب والحق وفي نفس الوقت لا يناصر باطلاً ولا إنحرافاً بل على العكسيحاول التصحيح يحاول التغيير يحاول التبديل. وفي ذلك كما لا يخفى عليناجميعاً تحذير لأمة الإسلام تحذير لهذه الأمة التي إنتقلت إليها الزعامة والريادة والشهادة على الأمم أن يا مسلمين عندما ترون أمام أعينكم منكراًأخطاء إنحرافات لا ينبغي أن تقفوا أمامها مكتوفي الأيدي، لا، فالقرآن الذيارتضيتموه منهجاً لحياتكم يأمركم أن تأمروا بالمعروف وأن تنهوا عن المنكرسالكين أعظم الوسائل وأحسن الوسائل والطرق بالحكمة والموعظة الحسنة ولكن لا بد أن تقع على عاتقنا مسؤولية التغيير والتصحيح والتبديل، لا بد أنتكون لك يد في المجتمع الذي تعيش فيه تصحيحاً لقول أو فعل أوعمل تقوم بهولكن لا تقف أبداً مكتوف الأيدي وأنت ترى سفينة المجتمع وهي تشق طريقهانحو التردي والغرق والإنحراف والتدهور. لا بد أن تفعل شيئاً لا بد أن تصححلا بد أن تقوم بعمل حتى ولو كان كل من حولك لا يشعرون بقيمة هذا العمل الذيتقوم به فالعمل كما جاء في الآيات الأولى ستجازى عليه وسعيك مشكور حتى وإن لم يأتي بثمار ولا بننتائج مرجوة أو معنية. ولذا ما أعظم الإنتقال والإعجاز السلس الذي تسير بنا فيه سورة الإسراء حين تأتى الآية فتقول (وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُومُؤْمِنٌفَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا (19) الإسراء) سعيك مشكور حتىوإن لم تأتي الثمار ولا النتائج، أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكرإلتزامك ومدافعتك عن الحق مشكور ومحفوظ عند الله عز وجل وستلقاها غداًفي كتابك منشوراً حتى ولو لم تأتي بنتائج مرجوة ولا بثمار إيجابية. وفي هذاقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم في مكة على وجه التحديد أروع الأمثلةقدوة لنا أسوة لنا في كل شيء إستمر في دعوته ما يزيد عن العشر سنوات دعوةمتواصلة أين النتائج؟ أين نتائج النجاح التي حققها؟ لم تكن تلك النائجالتي لم تحقق بشكل كما كان ينبغي أن تحقق لم تكن مانعاً ولا حاجزاً للنبيعليه الصلاة والسلام عن مواصلة دعوته عن تقديم رسالته، وهكذا ينبغي أنيكون الواحد منا. أنت تعيش في مجتمع سعيك مشكور تصحيحك للخطأ وإنكاركللمنكر مشكور ومحفوظ لا تخشى شيئاً لا تقل لا قيمة له لا تقل أن ما تقومبه سيذهب هباءاً منثوراً، أبداً، عليك أن تقوم به والجزاء على السعي والعمل ليس على النتيجة أبداً. صحيح ينبغي أن نتطلع إلى النتائج وأننراجع أنفسنا وأن نأخذ بالأسباب ولكن في ذات الوقت لا ينبغي أن تكونالنتائج إن لم تأتي مانعاً لنا عن مواصلة السعي مانعاً لنا وحاجزاً عنمواصلة الدعوة عن حمل الرسالة حمل الأمانة فلا تقاعص في هذا الدين ولاتكاسل ولا إحباط ولا يأس طالما أن هذا الإنسان يسير في طريقه في الحياة .

ثم تأتي الآيات بتسلسلرائع مقدمة نماذج للتي هي أقوم الآية الأولى حين تحدثت عن القرآن وكيفأنه يقدم للإنسان العلاج والسبيل ولنهج الأكمل والأقوم والأصوب في كلميادين الحياة تأتي الآن في سورة الإسراء لتقدم نماذج للتي هي أقوم كيفأصبح وكيف أسير وكيف أحقق التي هي أقوم في حياتي؟ بدأت أول ما بدأتبالعنصر الأساسى الحقيقي الذي تدور عليه كل الأعمال الصالحة عنصر التوحيدبقول الله عز وجل (لاَّ تَجْعَل مَعَ اللّهِ إِلَهًا آخَرَ (22) الإسراء)التي هي أقوم وأكمل حين تحققها في شعورك في حياتك في داخلك في قلبكأن تنفض عنك كل الأنداد أن تنفض عنك كل الأرباب أن تكفر بكل الأصنام ليسهناك من قوة حقيقية تفعل وتتصرف في هذا العالم سوى قوة الله عز وجل.  التوحيد ليس بالمعنى الذي فقط يتحول إلى كلمة أو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإن كان هذا جزءاً رئيسياً من كلمة التوحيد، ولكنالتوحيد الفعال التوحيد الذي يبدأ يدخل مع الإنسان في حتى خواطره فيالمشاعر التي تدور في نفسه وعقله وقلبه يحرر الإنسان من العبودية لأي صنم إلاالعبودية لله الواحد الأحد يحرر الإنسان فيجعل منه عبداً حقيقياً، وتدبروا معى أيها الإخوة والأخوات كيف وردت كلمة عبد في الآية الأولى حينقال الله عز وجل (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً(1)الإسراء) العبد هنا ليس العبد فقط بمعنى العبيد فكلنا عبيد لله عز وجل المؤمن والكافر شاء أم أبى هم عبيد لله الواحد الأحد للملك نحن عبيدفي مملكة الله عز وجل في ملكوته لا نملك لأمر أنفسنا لا نفعاً ولا ضراًولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً أعتى العتاة أعتى الفراعنة فرعون لم يكنيملك لنفسه موتاً ولا حياةً ولا نشوراً لم يكن يدرك إعتقد في لحظات القوةوالمنعة والسيطرة أنه يملك بالفعل أن يمتد به العمر وأن تمتد به الحياةولكنه أدرك بعد فوات الأوان أن لا ملك على وجه الحقيقة سوى الله عز وجل.هذا الطاغية الذي وصلت به الحالة من الشعور بالعلو والإستكبار والإفسادأن يقول أنا ربكم الأعلى أدرك حقيقة التوحيد حين واجهه الموت.

إذاً الكل عبيد لله عز وجل ولكن سورة الإسراء تريد أن تصنع منا جميعاًعباداً أولي بأس شديد، أيّ عباد؟ عباد من درجة خاصة عبودية إختيارية هناكعبودية إجبارية وهي التي نشترك فيها جميعاً المؤمن والكافر لا نستطيع أننخرج عن هذه العبودية كلنا عبيد لله يتصرف فينا كيفما يشاء موتاً وحياةًونشوراً، صحةً ومرضاً وإعطاءً ومنعاً هذه عبودية إجبارية وليست عبوديةإختيارية. أما العبودية الإختيارية فهي عبودية النبي صلى الله عليه وسلمعبودية العباد أولي بأس شديد الذين أشارت إليهم الآية الأولى في تصحيحالخطأ وتصحيح أخطاء بني إسرائيل والصد الذي وقع لبني إسرائيل وهزيمةبني إسرائيل كأمة والتي أشارت إليهم سورة الإسراء في بداياتها.

إذاً العبودية التي تريدني سورة الإسراء أن أكون فيها هي عبودية إختياريةباختياري أنا، أنا أختار أن أكون عبداً لله، وحين أختار أن أكون عبداً للهفأكون في نفس الوقت قد قررت أن أختار الحرية والتحرر من كل الأربابالتحرر من كل العبوديات الزائفة التحرر من كل الأصنام الواهية الأصنام التيقد أظنلبعض اللحظات أنها تملك لي ضراً أو نفعاً. أتحرر من سلطانالمال أتحرر من العبودية للدرهم والدينار، أتحرر من العبودية للسلطة بكلأبجدياتها أتحرر من العبودية لأي سلطة أخرى سوى سلطة الله سبحانه وتعالىالواحد الأحد.

حين أتحقق بتحقيق هذا المنهج في قلبي في شعوري فيسلوكي لا بد أن ينعكس هذا التوحيد الكامل الأكمل على حياتي على سلوكي علىتصرفاتي على طريقة تعاملي مع كل الدوائر المحيطة بي وأول دائرة تأتىي عليها سورة الإسراء دائرة الوالدين الأم والأب تأتي الأمثلة والنماذج،الأم والأب لم تعد العلاقة عندما تركز التوحيد في قلبي وأصبحت عبداًإختيارياً لم تعد العلاقة بيني وبينهم علاقة عادية وإنما أصبحت علاقةإنسانية راقية سماها الله عز وجل وأعطاها بقوله (وَبِالْوَالِدَيْنِإِحْسَانًا (23) الإسراء) علاقة إحسان علاقة إصلاح علاقة تفاني في سبيلإرضاء الأم والأب وخاصة حين يبدأ الأم والأب بالدخول في مرحلةالشيخوخة تلك المرحلة التي يبدأ الإنسان يشعر فيها بالتردي من موقع القوةإلى موقع الضعف بالشعور والإحساس بالحاجة إلى الأبناء بالحاجة إلى وقوفهمبجانبهم، فذلك الأب أو الأم الذي كان يقف على قدميه قد يصبح في مرحلةالشيخوخة لا يستطيع ولا يقوى الوقوف على قدميه يحتاج لكرسي متحرك يحتاجلأيدي تحمله يحتاج لقلب يضمه لحنان لأبوة لبنوة لشعور بالإحسان لشعور بأنما قمت به في حياتي لم يذهب سدى لم يذهب هباءاً منثوراً، هناك أبناء هناكبنات قمت بتربيتهم جاء دورهم الآن هذا الإحساس هذه العلاقة الرائعة منالذي يقدمها؟ القرآن الذي يهدي للتي هي أقوم في كل حياتنا.

ثمتنتقل الدائرة إلى القربى إلى الإحسان إلى الأقارب لا كما نشهد فيمجتمعاتنا الحالية حتى للدرجة التي سرت فيها بعض الأمثلة الشعبية الممقوتةكالقول على سبيل المثال (الأقارب عقارب) أي مصدر للسموم مصدر للأذى كيفيسيغ لمجتمع إرتضى بالقرآن منهجاً أن يبرر تحت أيّ ظرف من الظروف أن تكونالعلاقات بين أولى القربى بين الأسرة الواحدة من أعمام وخالات وأولاد عموأولاد خالة مهما كانت المبررات أن تتحول إلى علاقة سُمِّية، علاقة يحكمهاالبغضاء والشحناء والتنافر والبعد والصد والنفور من بين بعضنا البعض؟ كيف يمكن أن يبرر هذا؟! القرآن يصحح هذه العلاقات ويؤكد أن الإنسانالذي اختار القرآن منهجاً لحياته لا يمكن أن يسلك مع أقاربه هذا المسلك لايمكن أن يسلك سوى ما أمر به القرآن (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ(26)الإسراء) هو حق للأقارب إن لم أقم به فأنا مقصِّرة في جنب الله (وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا(26)الإسراء)

ثم تنتقل الآيات بتسلسل عجيب من مجال الإجتماعومن مجال الأسرة إلى مجال الإقتصاد لتضع لي حتى في عالم الإقتصاد قواعدحقيقية قواعد صاغها القرآن لم يصغها البشرولنا أن نتأمل الواقع المعاصر الذي نعيش فيه الذي تحكمهالقوانين الوضعية القوانين التي وضعها البشر لأنفسهم أين وصلت بهم؟! أين وصلبنا الحال من أوضاع إقتصادية؟! أين وصل بنا الحال؟! دعونا نتأمل لأن هذا هو سبيل القرآن، القرآن لم ينزل لأجل أن أعيش به طالباً للبركة والأجر والثواب فقط وأعيش في وادٍ والعالم والمجتمع المعاصر حولي في وادٍ آخر،أبداً، القرآن فيه بركة صحيح أكيد فيه أجر فيه ثواب ولكن المطلوب منياليوم حين أقرأ القرآن أن أقرأه بعين تنظر الواقع تنظر الواقع المحيط بيمن كل جانب تحاول أن تقف على أمراضه على أدوائه على عيوبه فتأتي إلىالقرآن بأسئلة بإشكاليات بأمراض مختلفة تطلب من القرآن شفاء لأمراضها وسنأتي على الشفاء في سورة الإسراء. تطلب من القرآن علاجاً لأدوائهالأمراضها الإجتماعية والإقتصادية والسياسية وكافة أنواع الأمراض ولناأن نتساءل ونحن نقرأ الآيات في سورة الإسراء كيف عالج القرآن الأمراضالإقتصادية؟ وهل هناك فعلاً أمراض إقتصادية في مجتمعاتنا؟ واحدةمن أبرز الأمراض الإقتصادية في مجتمعاتنا كأفراد وكلنا يعاني منها قضيةالموازنة بين الإستهلاك وبين ما أملك، بين التملك الشيء الذي أنا أملكه فيحدود طاقاتي المالية والمادية وبين إنفاقي وبين إستهلاكي، ذلك التباينالعجيب في مجتمعاتنا ذلك الإستهلاك الذي وصل بنا إلى جعل الكماليات والتحسينات في حياتنا تقع في موقع الحاجيات والضروريات. يعيد القرآن ويعالج الأمور ويعيدها إلى نصابها بقوله عز وجل (وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَمَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَمَلُومًا مَّحْسُورًا (29) الإسراء) إنه التوازن إنه التعادل في كل شيء وهذا التوازن الذي تؤكده سورة الإسراء كنموذج من نماذج معالجة القرآنللأمراض وللأدواء المستعصية ينبغي أن يطبق ليس فقط على سبيل حياة الأفراد وإنماعلى المجتمعات على الدول التي أصبحت تنفق أكثر من مدخولاتها فوقعت فيأزمات ديون على مدى سنوات طويلة هذه أمراض هذه أسقام هذه أدواء حقيقيةيعاني منها العالم المعاصر الذي نعيش فيه على الرغم من كل النظرياتالإقتصادية المعاصرة الحديثة التي حاولت عبثاً أن تعالج تلك الأمراض. اليومكلنا يعلم أن كبريات الدول تعاني من أمراض الديون تعاني من عجز فيالميزانيات. لنا أن نتساءل هل يستطيع القرآن الذي أنزل قبل قرون متعاقبة أنيعالج هذه الأمراض؟ أن يصحح هذه الأخطاء؟ أن يساعدني في حل هذه الإشكاليات؟بكل تأكيد، يقدم القرآن العلاج في آية واحدة (وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَمَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْط (29) الإسراء)تأمل معي أنظر معي تدبر معي في هذا القرآن العظيم وكيف يعالج لأنهليس من عند البشر ليس من كلام البشر كلام رب البشر الذي خلق وصنع وأعطىورزق، الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر العالم بكل شيء (أَلَايَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُواللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14) الملك) الربالذي خلق الرب الذي رزق هو الوحيد الواحد الذي يعلم ما يصلح للبشر ما يصلح مجتمعاتهم مايصلح ميزانياتهم ما يصلح دولهم ما يصلح معاشهم ما يصلح أخراهم. هذا الربهو الذي أنزل على القرآن ليعالج ليشفي ليبرئ من الأمراض التي نعاني منهاليس فقط في العصور الماضية بل في كل عصر وزمان .

ثم تنتقل الآياتبإعجاز عظيم واضح تماماً من دائرة إلى دائرة، من دائرة الإجتماع إلىدائرة الإقتصاد إلى دائرة الأمة محرمة سلسلة من الجرائم الخُلُقية والإنحرافات التي ينبغي للمجتمع أن يهتم بمعالجتها ينبغي للفرد وللمجتمعأن يحاصر تلك الأمراض وأن يقتلها وهي في مهدها فتأتي الآية الأولى(وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْوَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءًا كَبِيرًا {31} وَلاَتَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً {32} الإسراء) وأنظر معي كيف يعالج القرآن القضيتين في آن واحد. ما العلاقةبين قتل الأولاد والزنا؟ اليوم تعاني المجتمعات المتخمة بالأمراض والأدواء المجتمعات المعاصرة وكثير من المجتمعات الغربية من مشكلة حقيقيةالأطفال غير الشرعيين الأطفال الذين جاؤوا إلى الدولة عن طريق علاقات غيرمشروعة علاقات الزنا، حرّم الإسلام وحرّم القرآن وحرّمت سورة الإسراء هذهالعلاقات فقتلت المشكلة وهي في مهدها، عالجتها وهي في مهدها، ليس هناكعلاقة غير مشروعة في الإسلام أنظر معي إلى قول الله عز وجل (وَلاَتَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً {32} الإسراء) بعض المجتمعات والدول المعاصرة اليوم تعالج قضية الأولاد غيرالشرعيين الذين يشكلون عبئاً حقيقياً على ميزانيات الدول هذه القضيةيعالجونها بطريقة مختلفة يحاول أن يجد الحلول لحضانة هؤلاء الأولاد غيرالشرعيين دون أن يعالج المرض ويجتث المرض من أساسه. ما هو الأساسلإشكالية وجود أولاد غير شرعيين؟ ما هو الأساس؟ علاقات غير مشروعة علاقاتالزنا. ألا يهدي القرآن للتي هي أقوم؟ ألا يقدم القرآن المنهج الأقوم والأصوب حين يعالج المرض ويجتث المرض من جذوره؟ هذا هو القرآن هذا هو نهجالقرآن.

(وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُإِلاَّ بِالحَقِّ (33) الإسراء) (وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (34) الإسراء  يقيم القرآن للإنسان فينفسه محكمة حقيقية رقابة ذاتية يجعل الإنسان الفرد هو الوازع الحقيقى لصدهولردعه عن إرتكاب أي جريمة من الجرائم وهذه أعظم وسيلة لمعالجة الجرائمالمختلفة من اختلاس من سرقة من نهب من قتل من إغتصاب أن تحيي الوازع والضمير عند الإنسان وهي قضية يعاني منها العالم المعاصر الذي نعيش فيهأشد المعاناة. حين غاب الضمير عن مسرح الحياة حين غاب الضمير البشريالضمير الإنساني عن واقع الحياة التي نعيش فأصبح واقعنا أقرب إلى واقعالغاب منه إلى واقع الإنسان، واقع الإنسان الذي أراد القرآن أن يحييه فيالناس من جديد أن يعيده إلى البشرية من جديد.

تستمر الآيات في معالجة الفرد والمجتمع في وقت واحد لتصل إلىحتى معالجة قضية العلو والإستكبار والإستخفاف بالآخرين مانعة الإنسانحتى من أن يظهر نوعاً من الإستكبار على أخيه الإنسان ولو في طريقة مشيه،وتأملوا معي أيها الأخوة والأخوات قول الله عز وجل (وَلاَ تَمْشِ فِيالأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَالْجِبَالَ طُولاً (37) الإسراء) عجيب! حتى طريقة السير والمشي يحددهاالقرآن ينزل فيها آيات؟! نعم، وفي ذلك بيان واضح إلى معالجة قضية التكبر والإستكبار والإستخفاف بالآخرين، القرآن يعلم الإنسان الفرد ألا يستكبرعلى غيره يجتث مشكلة الإستعلاء والإستخفاف والإستهانة بالآخرين حتى فيأبسط صورها حتى في طريقة المشي، لا تمشي في الأرض وتحاول أن تبين أو تظهرأنك متعالي على الآخرين حتى وإن كنت قد أوتيت من وسائل الوسائل المادية وسائل الإستعلاء الوسائل التي يهيأ لك أنها تبرر لك أن تكون بالفعلمستعلياً على الآخرين متكبراً عليهم إياك وهذه الصفة لماذا؟ لأن هذهالصفة من أشد الأمراض خطورة في المجتمع تفصل بين الإنسان وأخيه الإنسانتحقق أو تعدم تماماً عنصر المسؤولية والتكافل الإجتماعى تجعل الإنسانمتعالياً على أخيه الإنسان ولمَ هذا التعالي؟! لمَ هذا الإستكبار؟! لنا أننتخيل كيف يمكن أن يعيش المجتمع وهو يعيش بعض الأفراد في حالة إستعلاءعلى الآخرين في حالة العيش بعيداً عن آلآم وأحزان وفقر وحاجة إخوانهمالبشر، إخوانهم الآخرين شيء فعلاً يجعل الإنسان ينتبه إلى أمور ربما لم يكنحتى ينتبه إليها هذه الآية تعالج إشكالية الطبقية في المجتمع إشكالية أنيصبح الناس طبقات هناك أناس مترفين يعيشون حالة غنى فاحش وتعالي وإستكبار وأناس آخرين بسطاء متواضعين فقراء ربما لا يمتلكون من سبل العيشالكريم ما يجعلهم حتى يستطيعوا أن يقوموا بقوت يومهم، هل موقف الإنسانالغني هذا الغني الذي يمتلك من أسباب القوة وأسباب المنعة وأسباب المالوجاءت الآية لا ننسى التي قبلها تقول (إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَلِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ (37) الإسراء) هل المطلوب منه أن يعيش بعيداًعن المحتاجين أم يعيش وسط آلآمهم أم يعيش مستعملاً الأدوات والوسائل والمال الذي رزقه الله سبحانه وتعالى إياه يعيش ليمسح به معاناة هؤلاء ليكفف بها دموعهم ليمسح بها آلآمهم ليعالج بها أحزانهم ليداوي بها حاجاتهمالمادية؟ هذا النوع من العلاج الأخلاقي الرائع إنما يأتي في الحقيقةعلى الأمراض التي يعاني منها المجتمع المعاصر المجتمع الرأسمالي أو غيرهمن مجتمعات عاثت فيها الطبقية فساداً وإفساداً وبعداً عن المنهج الأقوم الذي ينبغي أن يعيش عليه البشر.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل