أضواء المقاطع - الجزء 1 - د. محمد بن عبد العزيز الخضيري

أضواء المقاطع - د. محمد بن عبد العزيز الخضيري

الجزء الأول

(تفريغ موقع إسلاميات حصريًا)

برنامج عُرض على قناة روائع يومياً في رمضان عام 1430 هـ وقد تم تفريغ ما تم عرضه من حلقات وهناك حلقات كثيرة لم تذاع وإنما عرضت إعادات لحلقات سابقة وهذا كل ما قمت بفضل الله تعالى بتفريغه فمن لديه أية حلقات لم تفرّغ فأرجو إرسالها أو إرسال روابطها ليتم استكمال حلقات هذا البرنامج القيّم وجزى الله خيرًا د. محمد بن عبد العزيز الخضيري على ما يقدمه لنا من علم نافع بارك الله فيه وزاده علماً ونفعنا بما علّمنا إنه ولي ذلك والقادر عليه.

الحلقة الأولى - الجزء الأول

الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً ووالصلاة والسلام على رسول الله الذي أُنزل عليه القرآن فبلّغه وأداه كما أوحي إليه به وعلى آله وصجبه ومن سار على منهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد. فهذا هو المقطع الأول من مقاطع هذا البرنامج المبارك أضواء المقاطع نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بها جميعاً كما نسأله جل وعلا أن يبارك لنا فيها ويجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

يقول الله عز وجل في أعظم سورة في القرآن السورة الشافية الكافية التي هي أم الكتاب وأم القرآن (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ) هذا دعاء في سورة الفاتحة وهذا الدعاء هو مقصود الفاتحة فإن الله الله سبحانه وتعالى قد علّمنا في هذه السورة أن ندعوه وعلمنا كيفية الدعاء وهي أن نقدم بين يدي دعائنا ثناء لله عز وجل واعترافاً بعبوديتنا له واستعانتنا به وضعفنا لقوته جل وعلا. فلما أثنى العبد على ربه بقول (الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)) ثم كرر هذا الثناء (الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ (3) مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)) أقر بهذه الكلمة التي هي إعتراف بعبودية العبد لربه جل وعلا وإقرار منه أنه لا يستعين إلا بالله. قيل له يا عبد بماذا تستعين؟ ماذا تريد أن يعطيك الله تعالى؟ وأن نتوجك به؟ فيقول الله عز وجل معلماً إيانا أفضل دعاء ندعوه به ونسأله إياه أفضل دعاء ندعو به (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيم صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ) وهذا الدعاء نكرره في اليوم والليلة مرات كثيرة لا شك أنها تزيد في الأحوال المعتادة على 17 مرة في الفرائض وقد تصل عند كثير من الصالحين إلى خمسين مرة إذا جمعنا إليها النوافل التي يقرأها الإنسان في اليوم والليلة وصلاة الضحى وقيام الليل والرواتب وغيرها مما يفتح الله سبحانه وتعالى بها عليه. هذا التكرار يجعلنا نتوقف ونقول هل هذا الدعاء حريٌ بأن يُكرّر؟ وحاجة المسلم إليه تصل إلى هذه المرحلة وهي أن يكرره الإنسان في اليوم هذه المرات العديدة؟ نعم، لأنك أيها المسلم بحاجة إلى أن تستهدي ربك وتطلب منه الهداية في كل لحظة من لحظات عمرك، إنك بحاجة إلى الهداية في قيامك وقعودك ومنامك، وشارعك وعملك ومجلسك وبيتك، وعندما تقرأ اي كتاب وعندما تطالع أي صحيفة وعندما تشاهد أي قناة أنت بحاجة إلى الهداية، أنت ضعيف مسكين لا غنى لك عن ربك طرفة عين، أنت بحاجة لربك وبحاجة أن تستهدي ربك وأن تطلب منه الهدى في كل لحظة من حياتك لأنه ما بيننا وبين أن نضلّ إلا أن يتخلى عنا ربنا سبحانه وتعالى ولذلك أنت تدعو بالهداية مرات عديدة وليست مرة واحدة وتسأل الله أصول الهداية وتسأل الله في الوقت ذاته فروع الهداية وتفاصيلها.

إسأل نفسك سؤالاً يسيراً: هل أنت عالِمٌ بكل ما يحبه الله ويرضاه؟ لا شك أن كل واحد منا يقول بملء فمه أنا بالتأكيد لست عالماً بكل ما يحب الله ويراضه لذا فأنت تسأل الله تعالى أن يهديك لما يحبه ويرضاه. ولو قال أحدهم تبجحاً أنا أعلم كل شيء يحبه الله تعالى ويرضاه فنقول له إا كنت كذلك فهل عملت بكل ما علمت أن الله تعالى يحبه ويرضاه؟ سيقول لا والله ما عملت بكل ما يحبه الله وسرضاه. ولا أدل على ذلك منا نحن فقد تقررت لدينا أشياء ونعرفها مثل ما نعرف أسماءنا ومع ذلك منذ زمن بعيد نتمنى أن نعمل بها وما استطعنا وقد نعملها ونخفق. هذا المتبجح الذي قال علمت بكل ما يحب الله ويرضاه وعملت به قول له هل دعوت إلى كل ما عملت به؟ لا شك سيقول ما دعوت به ولا أقدر أن أدعو به لأنه من يستطيع أن يدعو إلى كل شيء يحبه الله ويرضاه. إذن فنحن بحاجة إلى الهداية في العلم وفي العمل وفي الدعوة وفي أمر رابع أنت علمت وعملت ودعوت فهل أنت هُديت إلى الصبر على كل ذلك؟ لا شك أن كل واحد منا يعاني معاناة شديدة من عدم ثباته على أمر الله في كل حال من أحواله. حتى أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: إنه ليُغان على قلبي وإني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة، وكان الصحابة يعدّون للرسول صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد وهو يقول اللهم اغفر لي وتب عليّ إنك أنت التواب الغفور أو كما ورد في الحديث سبعين مرة. هذا يدلنا على أننا بحاجة إلى الهداية وأن الإنسان لا يستغني طرفة عين عن هداية ربه له وأن الإنسان مفتقر إلى ربه بجلب هذه الهداية والوصول إليها والاستقامة عليها والصبر والثبات على مقتضياتها وتفاصيلها ولذلك علينا أن نكرر هذا الدعاء بلا ملل ولا كلل لأننا محتاجون إليه (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ).

ما هو الصراط المستقيم؟ اختلفت فيه عبارات السلف فمنهم من قال هو الإسلام ومنهم من قال هو القرآن ومنهم من قال هو السُنّة ومنهم من قال هو طريقة أبي بكر وعمر وغيرها وهذه المقالات من باب اختلاف التنوع الذي لا يدل على تضارب بمعنى أن الإسلام هو السُنة وهو القرآن وهو طريقة أبي بكر وعمر وهو الصراط الموصل إلى الله سبحانه وتعالى. والذي لا يمكن أن يصل أحد إلى الله تعالى إلا عن طريق هذا الصراط لا غيره فهذا ما يسمى عند العلماء اختلاف التنوع. فالمسلم يسأل الله سبحانه وتعالى أن يهديه إلى الإسلام وإلى السُنة وإلى القرآن وإلى فهمه والعمل به والقيام به في كل أحواله.

 

ولاحظوا كيف وُصِف الصراط بأنه صراط وأنه مستقيم، صراط يعني أنه يتسع لكل من يدخل فيه فلا يضيق. ومستقيم موصل بأصحابه إلى الله جل وعلا وهو أقرب طريق للوصول إلى الله وكلنا نعلم أن الطريق المستقيم هو أقصر الطرق إلى المقصود بخلاف الطريق المعوج. ثم يبين لنا تفاصيل الصراط حتى لا يلتبس علينا فقد يقول إنسان نعم أنا اكتشفت الصراط المتسقيم وعرفته ولذلك أنا أسأل الله ذلك الصراط الذي اكتشفته وعرفته، فنقول له هل هو الصراط الذي وصفه الله في الآية أم هو صراط اخترعته من نفسك؟ الآية لم تطلق هذا الصراط ولم تدعه محل لاجتهاد من يجتهد وإنما بينته أوضح بيان ما هو هذا الصراط؟ (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ) من هم المُنعَم عليهم؟ المنعَم عليهم هم الذين ذكرهم سبحانه وتعالى في آية سورة النساء (وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا (69)) إذن هذا الصراط الذي اكتشفته أو هُديتَ إليه هل هو منسجم مع هذه الآية؟ وهل هو منسجم مع الصراط الذي سار عليه هؤلاء الركب من خيار أهل الأرض من نبيين وشهداء وصديقون وصالحون أو هو شيء أوحى لك به الشيطان؟ ثم يوضحه أكثر فيقول (غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ) غير صراط المغضوب عليهم وغير صراط الضالين فالصراط واضح بذاته وواضح بمعرفة الصرط والطرق المخالفة له. ميزة صراط المغضوب عليهم أنهم كانوا يعلمون الحق ويعرفونه ولكنهم لا يعملون به وصراط الضالين وهم النصارى كانوا قوماً يعملون بغير حق وبغير هدى وبغير علم أوتوه من عند الله سبحانه وتعالى. علينا أن ننتبه إلى هذه الخصلة التي قد يضل فيها أقوام كثيرون قد يسلك البعض طريقاً فيحسِّن لهم إبليس أموراً يبتدعون فيها في دين الله عز وجل فيشبهون صراط الضالين أو يعلمون شيئاً من الحق فلا يعملون بها فيشبهون صراط المغضوب عليهم. قال سفيان بن عُيينة: من ضلّ من علمائنا ففيه شَبَهٌ من اليهود ومن ضلّ من عُبّادنا ففيه شَبَهٌ من النصارى. لأن مكمن الضلال عند العالِم أنه يعلم الحق ولا يعمل به ومكمن الضلال عند العابد أنه قد يتعبد الله عز وجل بعبادات ليس له دليل عليها. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: " منأحدثفي أمرنا هذا ما ليس فيه فهو ردّ". أسأل الله سبحانه وتعالى أن يهديني وإياكم إلى صراط المستقيم وأن يجعلنا جميعاً ممن هدوا إلى هذا الصراط فعرفوه وعملوا به ودعوا إليه وصبروا عليه وعلى كل أذى يلاقوه فيه وأن يجعلنا الله تعالى مع الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً وجعلنا وإياكم جميعاً من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته. والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل