أضواء المقاطع - الجزء 3 - د. محمد بن عبد العزيز الخضيري

أضواء المقاطع - د. محمد بن عبد العزيز الخضيري

الجزء الثالث

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين والصلاة والسلام على خير المرسلين محمد وآله وصحبه ومن سار على منهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد فهذا هو المجلس الثالث من برنامجكم أضواء المقاطع نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بهذه المقاطع من آيات كتاب الله الكريم. ومقطعنا هذا اليوم مع قول الله عز وجل (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276) البقرة) هذه الآيات من آخر ما نزل في القرآن ولذلك تحريم الربا مجمع عليه لم يختلف فيه أهل الإسلام وإن اختلفوا في تفاصيل من أحكام الربا لا يشذ بذلك الربا عن باقي أحكام وشرائع الإسلام فإن في كل شريعة من هذه الشرائع على التوحيد مجالاً لخلافات العلماء في بعض مسائله لكن أصوله مجمع عليها. والسبب الذي يحدونا ويجعلنا نقول أنها من آخر ما نزل حتى لا يقول أحد أنها منسوخة وحتى لا يقول قائل أن الآية في سورة آل عمران (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130)) فيقول المحرم هو الربا المضاعف فنقول لا، تلك من أوائل ما نزل. فالربا مرّ في تحريمه في ثلاث مراحل، المرحلة الأولى مرحلة كراهته وذمه وكانت هذه في ذمّه وكانت هذه في مكة، قال تعالى في سورة الروم (وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (39)) فالله عز وجل يقول أنا لا أربي الربا وإنما أربي وأضاعف وأزيد لأولئك الذين يتصدقون ويعطون رجاء ما عند الله سبحانه وتعالى. وهذا ذم خفيٌ للربا. ثم جاءت السورة الثانية وهي بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم تحريم الربا المضاعف والربا المضاعف هو أن يقرض الإنسان إنساناً آخر إلى أجل فإذا جاء الأجل قال له إما أن تقضي يعني ترد الدين أو القرض وإما أن تُربي يعني أُضعف لك في الربا فالله عز وجل يقبح هذا العمل من أولئك القوم الغلاظ الجفاة فيقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) آل عمران) فحرم بذلك الربا المضاعف أو المضعّف. ثم جاء من بعد ذلك في آخر الإسلام في العام الذي حج فيه النبي صلى اله عليه وسلم فقال فيه أمام أصحابه كلهم في مشهد يوم عرفة وفي ذلك الجمع العظيم قال ألا وإن ربا الجاهلية موضوع ألا وإن أول ربا أضعه من ربانا ربا عمي العباس فيجعل النبي صلى الله عليه وسلم القدوة في بيته وأهله وكان العباس بن عبد المطلب من تجار مكة وكان يرابي يعني كانت عامة تجارته من الربا يداين الناس فيزيد عليهم مقابل الأجل. هنا يبين الله سبحانه وتعالى عقوبة المرابين وأنها عقوبة عظيمة بالغة وأنها شيء لا يجوز لأحد من أهل الإسلام أن يتهاون به أو يخفف من شأنه فالله عز وجل لا يحب من كان هذا حاله بل إنه يذمه ويبين كيف أنه سيبوء بسخط من الله عز وجل وهو متوعدٌ بالنار، قال جل وعلا (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) ليس المقصود بيأكلونه مقصور على الأكل ولكن لما كان الأكل هو عامة ما يقصد من جمع المال ذُكر وإلا لو جمعوا الربا ولم يأكلوه ولو تاجروا به ولم يضعوه في بطونهم كل ل ذلك محرّم، فلا فرق بين أن يجمع الربا وبين أن يؤكل وبين أن يُتجر به كله واحد لكن لما كان المقصود الأعظم من التجارة هو طلب الأكل ذكر الأكل ومثلها في قول الله عز وجل (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10) النساء) فذكر أعظم وأكثر ما يقع من الناس وإلا في الحقيقة بعض الذين يعتدون على أموال اليتامى قد لا يأكلونها وإنما يضيعونها أو يتجرون بها أو يضعونها في شيء لا يؤكل. (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) أي لا يقومون يوم القيامة إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، يعني يقومون كالمجانين يوم القيامة يعرفون في أهل الموقف فهم في يوم القيامة يخبطون كما يفعل الممسوس. ما سر ذلك؟ هذه أولاً عقوبة من الله يميزهم به عن أهل الموقف جميعاً ففي يوم القيامة تعرف المرابين بأنهم يقومون ويُصرعون كالمجانين. ما سر ذلك؟ سر ذلك أنهم كانوا كالمجانين في الدنيا في طلب المال وتحصيله فهو لا يبالي تجده ملهوفاً مذهولاً عندما يطلب شيئاً من الدنيا، عندما يرابي. ولاحظوهم في أسواق البورصة العالمية ترى الناس وهم يتاجرون مذهولين من شدة الذهول الذي هم فيه، هذا الُسكر سُكر الدنيا يبتلى عليه هؤلاء يوم القيامة بأن يجازوا بجزاء بمثل ما قاموا به الجزاء من جنس العمل فيأتون يوم القيامة يتخبطون سكارى كما كانوا سكارى في الدنيا من شدة طلبهم للمال. فإن من أعظم آفات الربا أن يتعلق قلب الإنسان بالمال وألا يرحم الضعفاء وأن لا يكون همّ في تجارته وجمعه للمال إلا كيف ينمي المال بالمال بغض النظر عن دوران المال وإغناء الفقراء وانتفاع الناس وتنمية المجتمع، هذه لا تهم المرابي في قليل ولا كثير يهمه أن ينمو المال ويزداد، نما بخير أو بشر، انتفع الناس أو لم ينتفعوا، استفاد الناس أم لم يستفيدوا، مُحِق الناس أو ما محقوا، هذا شيء لا يعنيه من قريب ولا بعيد. فلما كانوا سكارى كذلك الله جل وعلا يبتليهم يوم القيامة فيجعلهم كذلك كالسكارى. يقول الله عز وجل (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) وهذا من المبالغة كونهم استحلوا الربا حتى جعلوا البيع مشبّهاً به من شدة حلِّه عندهم وهذا من مناقضتهم للعقل أو مضادتهم للشرع والعقل. كيف يقال البيع الذي فيه تبادل ورحمة وفيه رفق بالناس وفيه تنمية للمال بالطرق المشروعة إن هذا الربا الظلم الذي هو من أشد الأشياء إجحافاً بحقوق العباد مثله؟ أو البيع مثله من شدة حليّته عندهم يجعلون البيع مثله. يقول الله عز وجل (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) أي هذا الجزاء الذي يوضع لهم يوم القيامة بسبب أنهم قالوا إنما البيع مثل الربا. قال الله تعالى رداً عليهم (وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) فكيف تساوون بين ما أحله الله وبين ما حرّمه الله. (فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ) أي ما ذهب من رباه الأول قبل أن تأتيه هذه الموعظة فإن الله يعفو عنه ولا يؤاخذه به ولا يقال له طهِّر مالك منه وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى أن من جاءته الموعظة فإن الله يعفو عما سلف ولا يقال له طهر مالك مما أخذت من الربا من أموال الناس. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع " ألا وإن أول ربا أضعه من ربانا ربا عمي العباس" فالربا الذي وضعه النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الساعة يعني أنه لا يؤاخذ العباس بما قبله من ربا، كل ما أخذه قبل هذه الكلمة فهو له ولكن لا يحل له أن ياخذ شيئاً بعد هذه الكلمة، هذا هو المقصود. قال الله عز وجل (وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) ومن عاد بعد أن جاءته الموعظة فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون وهذا يدلنا إلى أن من علم حكم الله في أمر فهو مؤاخذ وغير معفو عنه إلا أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى وعليه أن يرد ما أخذ من الربا إلى أصحابه ولا يتحجج بقوله (فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ). قال (وَمَنْ عَادَ) أي عاد إلى الربا بعد تلك الموعظة (فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ) وجعلهم أصحاب لها لأنهم مخلّدون فيهل يعني سيخلّدون فيها وأكّد ذلك فقال (هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) وقد أشكل هذا الأمر على كثير من العلماء كيف يوعد على عمل من المعاصي والذنوب العظيمة بالخلود في النار علماً بأنه قد لا يخلد فيها لأن أهل التوحيد بإجماع أهل السنة لا يخلّدون في النار ولهم في ذلك أجوبة كثيرة وفي نظري أن أقومها هو قول من قال من أهل العلم إن هذه عقوبة الربا بذاته بغض النظر عن انتفاء الموانع واكتمال الشروط فمن اكتملت فيه الشروط وانتفت عنه الموانع استحق هذه العقوبة من الله وهي الخلود في النار على الربا فإن قام به مانع يمنع من الخلود فإن الله سبحانه وتعالى يرحمه من ذلك المانع فلا يخلده في النار أي لا يتحقق فيه الخلود. ما هو المانع الذي يكون في أهل التوحيد؟ المانع هو التوحيد لأن التوحيد يمنع من الخلود وبهذا نقول إن الربا عقوبته عند الله هو الخلود في النار ما لم يكن هناك مانع يمنع من الخلود، فإذا وجد مانع وهو التوحيد فإن ذلك يمنع من الخلود وهذا الجواب كما نقوله في هذه الآية نقوله في آية القتل (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا (93) النساء) هذا الخلود أيضاً يقال هو جزاء لمن قتل مؤمناً إلا إن يقوم به مانع وهو التوحيد فالتوحيد مانع من الخلود بإجماع أهل السُنّة. ثم قال الله عز وجل (يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا) هذا وعيد جديد لأهل الربا وهو أن الأموال التي أخذوها ظلماً وعدواناً ممحوقة ومعنى المحق هو النقص الذي ينتهي إلى زوال ويصل إلى اضمحلال وهذا والله حق فإننا نرى أولئك المرابين يرون هذا المحق في أموالهم تكثر أموالهم ثم تكثر ثم تزداد وتنمو فيأتي الله عز وجل بقدر من أقداره يمحو عليهم بها أموالهم ويلغيها عليهم نسأل الله العافية والسلامة. وما حصل في الأزمة المالية العالمية التي شاهدناها قبل أشهر قليلة كيف ذهبت مدخرات وأموال كثيرة للناس وذلك من وعد الله سبحانه وتعالى عندما قال (يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276) البقرة) فما جمع أحدٌ مالاً من ظلم أو ربا إلا جعل الله عاقبته إلى قُلّ كما ورد في الحديث الذي رواه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قُلّ، يعني إلى أمر قليل. انظروا إلى أميركا في يوم من الأيام كانت أموالها ومدخراتها شيء لا يمكن أن يوازيه دولة أخرى في العالم ثم آل بها الأمر إلى أن أصبحت شركاتها وبنوكها تفلس شركة إثر شركة لأنها قائمة على مبدأ الربا قال الله عز وجل (وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ) أي ينميها وفي ذلك حثّ من الله عز وجل أن من أراد نماء ماله فعليه بالصدقة (وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ). أسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بكتابه وأن يجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل